تدفق نازحين سودانيين يختبر قدرة المدن الليبية على الصمود
الكفرة تواجه ضغوط النزوح السوداني بجهود أمنية وخدمية متواصلة

ليبيا 24
نزوح إقليمي يفرض واقعا إنسانيا معقدا
تشهد ليبيا خلال الأشهر الأخيرة تصاعدا لافتا في أعداد النازحين السودانيين هربا من تداعيات الصراع المسلح في السودان، وما خلّفه من انهيار أمني ومعيشي في عدد من المدن والقرى. هذا التدفق البشري المتواصل فرض واقعا إنسانيا جديدا على الداخل الليبي، لا سيما في المدن الحدودية، وأعاد إلى الواجهة تحديات مرتبطة بالخدمات العامة، والأمن، والاستقرار الاجتماعي.
ورغم حساسية الظرف، تعاملت السلطات الليبية مع الملف باعتباره قضية إنسانية بالدرجة الأولى، مع مراعاة مقتضيات الأمن الوطني، في ظل دعم مباشر من الحكومة الليبية، وبمتابعة من القيادة العامة للقوات المسلحة، التي تواصل تأمين الحدود الجنوبية ومنع استغلال الأوضاع الإنسانية من قبل شبكات الجريمة والهجرة غير النظامية.
الكفرة في واجهة المشهد
تعد مدينة الكفرة من أكثر المناطق تأثرا بموجات النزوح، بحكم موقعها الجغرافي القريب من الممرات الصحراوية المؤدية من السودان. وأكدت بلدية الكفرة أن المدينة تواجه ضغوطا متزايدة نتيجة الارتفاع الكبير في أعداد النازحين داخل النطاق الحضري والمزارع المحيطة، وهو ما انعكس مباشرة على القطاعات الخدمية، وفي مقدمتها الصحة والمياه والكهرباء.
وتعيش أعداد من النازحين في مساكن مؤقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة، خاصة في المناطق الزراعية على أطراف المدينة، ما يزيد من مخاطر انتشار الأمراض، ويضاعف معاناة الأطفال والنساء وكبار السن، لا سيما في فترات انخفاض درجات الحرارة.
دعم دولي بتنسيق محلي
في مواجهة هذه التحديات، جرى تفعيل آليات تنسيق بين المجلس البلدي بالكفرة، والأجهزة الأمنية، وجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، ومديرية الأمن، إلى جانب عدد من المنظمات الإنسانية الدولية. وأسهم هذا التنسيق في تخفيف حدة الضغوط، من خلال توفير دعم طبي مباشر، وتغطية مرتبات عدد من الكوادر الصحية، وتقديم أدوية ومستلزمات علاجية أساسية.
كما شملت المساعدات توزيع مواد غذائية، ومواد نظافة، وملابس، وأغطية، ومفروشات، بدعم من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وبرنامج الغذاء العالمي، والمنظمة الدولية للهجرة، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة، بالتعاون مع الهلال الأحمر، وبإشراف السلطات المحلية.
صمود المؤسسات رغم الضغط
ورغم حجم التحديات، تمكنت مدينة الكفرة خلال العامين الماضيين من الحفاظ على استمرارية عمل المرافق الحيوية دون تسجيل انهيار شامل، وهو ما يعكس مستوى من الصمود المؤسسي، والدعم الذي وفرته الدولة الليبية، إلى جانب الجهود الأمنية التي حالت دون تفاقم الأوضاع.
غير أن استمرار هذا الصمود، وفق المسؤولين المحليين، يظل مرهونا بتوفير دعم إضافي ومستدام، خاصة مع استمرار تدفق النازحين، واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية والخدمية.
البعد الأمني وضبط الحدود
على الصعيد الأمني، ورغم تسجيل بعض الارتفاع في معدلات جرائم محدودة، ترجح الجهات المحلية أن يكون من بين النازحين أفراد ذوو سوابق جنائية، وهو ما استدعى رفع مستوى التنسيق الأمني وتعزيز إجراءات المتابعة. وأكدت الجهات المختصة أن الوضع الأمني في الكفرة مستقر، مع استمرار حالة اليقظة، في ظل خصوصية موقع المدينة وبعدها الجغرافي.
وتبرز هنا أهمية الدور الذي تضطلع به القيادة العامة للقوات المسلحة في تأمين الجنوب، وضبط الحدود، ومنع تسلل العناصر الإجرامية، بما يحفظ أمن ليبيا ويحول دون تحويل أراضيها إلى بؤر فوضى أو عبور غير منضبط.
دور القنصلية السودانية والتنسيق الثنائي
من جانبها، واصلت القنصلية السودانية في بنغازي أداء دورها تجاه رعاياها، عبر تقديم الخدمات القنصلية، وتسهيل إجراءات إثبات الهوية، والتنسيق مع السلطات الليبية والمنظمات الإنسانية لمعالجة أوضاع النازحين. كما عملت على دعم برامج العودة الطوعية للراغبين في الرجوع إلى السودان، عقب تحسن الأوضاع في بعض المناطق.
وأشادت القنصلية بالتعاون الليبي الرسمي، خاصة فيما يتعلق بتسوية الأوضاع الهجرية، والإعفاء من بعض القيود الإجرائية، وتوفير فرص العمل، ودعم العملية التعليمية، بما يعكس بعدا إنسانيا ومسؤولية إقليمية تحسب للدولة الليبية ومؤسساتها.
مقاربة ليبية متوازنة
يعكس التعاطي الليبي مع ملف النزوح السوداني مقاربة متوازنة، تجمع بين الالتزام الإنساني، وحماية الأمن الوطني، وتؤكد في الوقت ذاته موقف ليبيا الثابت الداعم لوحدة واستقرار السودان، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، مع الاستمرار في تقديم ما أمكن من دعم إنساني للأشقاء، ضمن الإمكانات المتاحة.



