ليبيا

إقليم الوسطى ومؤامرة التوطين: وجهان لاستراتيجية يائسة تهدد وحدة ليبيا وتستهدف قواتها المسلحة

اتفاقيات الدبيبة للهجرة تجسيد لمؤامرة التوطين وضرب الجيش الوطني

ليبيا 24


إعلان إقليم الوسطى محاولة يائسة من الدبيبة لقلب موازين القوى

في توقيت يفيض بالدلالات، ومع تسارع خطوات فرض واقع سياسي هش على حساب الإرادة الوطنية، أقدمت جهات متنفذة في مدينة مصراتة على إعلان ما سمي بـ«إقليم الوسطى»، في خطوة وصفها المحلل السياسي محمد قشوط بأنها انتحار سياسي مدبّر تقف خلفه حكومة الدبيبة منتهية الولاية.

وبالتزامن، يتصاعد الحراك الشعبي الرافض لمخططات التوطين، ليكشف قشوط أن جذور الأزمة لا تكمن في مفوضية اللاجئين وحدها، بل في اتفاقيات موقعة مع الاتحاد الأوروبي تحميها حكومة الدبيبة، وتستهدف في العمق إضعاف القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية ومشروعها الوطني.

إقليم الوسطى: إفلاس سياسي وورقة ابتزاز مدعومة بالمال والسلاح

أكد قشوط أن تقسيم ليبيا إدارياً، سواء إلى بلديات أو محافظات أو أقاليم، هو اختصاص حصري للسلطة التشريعية المنتخبة، وأن أي مسعى فيدرالي لا يقرره سوى الدستور، وليس مدينة بعينها، مهما بلغ نفوذها المالي والعسكري.

وأوضح أن ما جرى في مصراتة ليس تعبيراً عن حق مجتمعي، بل إملاء من قوى مسيطرة على مفاصل الدولة بالمال والمليشيات، وبدعم من تمويل خارجي مشبوه، معطلة بذلك كل مشروع جاد لإعادة بناء دولة قوية.

ورأى قشوط أن الإعلان عن إقليم رابع تحت مسمى «إقليم الوسطى» ليس بريئاً، بل يأتي في توقيت يعكس حالة من الإفلاس السياسي واليأس داخل معسكر الدبيبة، بعد أن أدركوا أن ميزانية موحدة رُعيت أميركياً ستفلت من قبضتهم، لأن القيادة العامة تسيطر فعلياً على مدن برقة وفزان.

والمعادلة التي يسعى إليها الدبيبة، حسب قشوط، تقوم على خلق توازن هش: إقليمي برقة وفزان في مقابل إقليمي طرابلس والوسطى، بما يتيح له ورقة تفاوضية وفق مبدأ «إقليمين ضد إقليمين»، وينقذه من ورطة سياسية خانقة.

وشدد قشوط على أن هذه الخطوة الجبانة يجب أن تقابل برفض شعبي ونخبوي واسع، محذراً من أن السكوت عنها سيجعلها أول خنجر في خاصرة ليبيا التي طالما دافع عنها الليبيون كدولة جامعة، مشيراً إلى أن إعلاماً مأجوراً مولاً قطرياً ومنابر تيار الصادق الغرياني لطالما شيطنت برقة وقبائلها ومدنها، ولم يصدر عنها أي إعلان انفصالي، في حين أن مصراتة، المدينة التي تعج بالمليشيات المسلحة، هي من تبادر اليوم إلى مشروع تقسيم فعلي تحت يافطة «الوسطى».

اتفاقيات الهجرة: مفتاح مؤامرة التوطين التي تحرسها حكومة الدبيبة

في الشق الثاني من تحليله، ربط قشوط بين التحركات الشعبية ضد التوطين وبين الجذور الحقيقية للأزمة، مؤكداً أن استشعار الخطر من مخطط التوطين الغربي ليس بجديد، فهو مشروع أُعد له منذ سنة 2011، ومرت ليبيا بمراحل فشل متعمدة، من جريمة «فجر ليبيا» إلى التغاضي عن التنظيمات الإرهابية، وصولاً إلى صناعة حكومات عميلة تتآمر على القوات المسلحة وقائدها المشير خليفة حفتر، وكل ذلك بهدف إيصال البلاد إلى حالة من الضعف تجعلها «مكباً» للمهاجرين والسجناء من دول العالم.

وشدد قشوط على أن المشكلة ليست مع مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة فحسب، بل مع من أدخل هذه المفوضية إلى طرابلس ويوفر لها الحماية عبر وزارة داخلية الدبيبة، ومع من ورّط ليبيا في اتفاقيات موقعة مع إيطاليا والاتحاد الأوروبي، بدءاً بحكومة فائز السراج وصولاً إلى حكومة الدبيبة التي جددت تلك الاتفاقيات.

وأوضح أن هذه الاتفاقيات، التي صيغت في دوائر مغلقة، تشجع المهاجرين على القدوم والاستيطان، وهي أصل المؤامرة الحقيقية التي يجب أن تستهدفها الاحتجاجات لا أن تبقى مجرد «سحابة صيف» تمر بلا مطر.

وأضاف أن المطالبة بإلغاء الاتفاقيات وإجبار حكومة الدبيبة على إنهائها هي المدخل الوحيد لوقف المخطط، وإلا فإن الحراك سيظل كمن يحرث في البحر، طالما بقيت الحكومة غير الشرعية تحمي هذا المسار بأجهزتها الأمنية.

القيادة العامة: المستهدَف الأول وخط الدفاع عن السيادة

في تحليله، لفت قشوط إلى مفارقة بالغة الدلالة: أولئك الذين يحمّلون القيادة العامة للقوات المسلحة مسؤولية تدفق المهاجرين غير الشرعيين من الحدود الجنوبية، يقرّون ضمناً بشرعية وأهمية دور القيادة كحامية للسيادة الوطنية بعد الله عز وجل.

لكن هؤلاء أنفسهم، بحسب وصفه، هم من صفّقوا ورقصوا طرباً على محاولات الحصار المالي التي مورست ضد القوات المسلحة طيلة السنوات الماضية لإضعافها وإحراجها أمام جنودها وحاضنتها الاجتماعية.

وذكّر قشوط بأن الحكومة ذاتها رفضت صرف الميزانية المخصصة للقوات المسلحة، في حين أن القيادة تؤمن الحقول والموانئ النفطية التي تضخ المليارات شهرياً في حسابات حكومة طرابلس، ومع ذلك لم تتوقف الحملات الإعلامية عن شيطنتها، كما دعمت المليشيات المتطرفة لمهاجمة الموانئ النفطية في 2017، وعصابات مسلحة في الجنوب سنة 2020، وصولاً إلى دعم عصابات تشادية انتهكت الأراضي الليبية في 2026 بقيادة المدعو «وردكو»، في تخطيط لا يزال مستمراً لتكرار السيناريو هذا العام.

وبشأن تأمين الحدود، أوضح قشوط أنها معركة شاقة تعجز عنها دول كبرى تملك جيوشاً ضخمة، مستشهداً بما تعانيه الولايات المتحدة على حدودها مع المكسيك، وأن القوات المسلحة التي أعادت بناء نفسها من العدم منذ 2014 وتقاتل في حرب محلية وإقليمية، لا يمكن أن تُحمّل وحدها مسؤولية حدود بمساحة شاسعة بين ليلة وضحاها.

لكنه شدد في الوقت ذاته على أن القيادة أعلنت موقفها بوضوح عبر تصريحات المشير خليفة حفتر وبيان نائبه الفريق صدام حفتر، وأثبتته واقعاً بحملات القبض والترحيل لكل متسلل غير شرعي، في ظل اتفاقية رخيصة وقعها السراج وجددها الدبيبة مع الاتحاد الأوروبي وما زالت تورط البلاد وتشجع على القدوم والاستيطان.

معركة الوعي قبل معركة السياسة

اختتم قشوط تحليله بالتأكيد على أن إعلان إقليم الوسطى وتجديد اتفاقيات التوطين ليسا حدثين منفصلين، بل وجهان لعملة واحدة هي اليأس السياسي الذي يدفع حكومة انتهت ولايتها إلى التضحية بوحدة التراب الليبي وأمنه القومي من أجل البقاء في السلطة، وفي كلا المسارين تقف القيادة العامة للقوات المسلحة بصفتها العقبة الكأداء أمام هذه المخططات، لأنها تملك مشروعاً وطنياً يؤسس لدولة حقيقية قوية.

ودعا قشوط الليبيين إلى وعي أعمق يربط بين المواقف والمواقف المضادة، فمن يعترف ضمنياً بشرعية القيادة ويحمّلها مسؤولية حماية الحدود، لا يمكنه في الوقت ذاته دعم حكومات تحاصرها مالياً وتدعم عصابات لمهاجمة الموانئ النفطية، مؤكداً أن إنقاذ ليبيا يبدأ بإسقاط أوراق الابتزاز أولاً، ثم بإلغاء الاتفاقيات التي تحول البلاد إلى مكب للآخرين، ودعم المؤسسة العسكرية الوطنية التي تبقى الضامن الوحيد لوحدة البلاد وسيادتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى