الطلاق في ليبيا… بداية مواجهة أكثر تعقيدا مع المجتمع
مختصون: الموروثات والأحكام المسبقة تعمّق المعاناة وتعيق الاندماج

رغم أن الطلاق يُعد إجراءً قانونياً ينهي علاقة زوجية، إلا أنه بالنسبة لكثير من النساء في ليبيا يمثل بداية مواجهة أكثر تعقيداً مع المجتمع ، حيث تتحول المطلقة في كثير من الأحيان إلى هدف للأحكام المسبقة والوصم الاجتماعي، في ظل ثقافة تميل إلى تحميل المرأة مسؤولية فشل الزواج، بغض النظر عن أسبابه الحقيقية.
ويرى مختصون أن استمرار هذه النظرة يعكس أزمة اجتماعية تتجاوز الأفراد، وتكشف الحاجة إلى مراجعة الموروثات الثقافية وتعزيز الوعي بحقوق المرأة ودورها في المجتمع.
وأكدت سيدة ليبية مطلقة أن تجربتها بعد الانفصال كانت أكثر قسوة من الطلاق نفسه، موضحة أن المجتمع لا ينظر إلى المطلقة باعتبارها امرأة أنهت علاقة زوجية، بل يختزلها في هذا الوصف، الأمر الذي ينعكس على تعامل الأسرة والمحيط الاجتماعي معها.
وأضافت أن الضغوط لم تقتصر على نظرات المجتمع، بل امتدت إلى التساؤلات المتكررة حول أسباب الطلاق، وما يصاحبها من أحكام مسبقة تحمل المرأة المسؤولية بصورة تلقائية، مشيرة إلى أن المطلقة تجد نفسها في معركة مستمرة للدفاع عن سمعتها وإثبات ذاتها داخل الأسرة وفي بيئة العمل.
الموروث الاجتماعي يرسخ الوصم
وترى الأكاديمية الليبية جميلة بن عيسى في تصريحات رصدتها “ليبيا24” أن المرأة المطلقة تواجه نظرة اجتماعية متجذرة في الموروث الثقافي، تقوم على افتراض مسؤوليتها عن انهيار الحياة الزوجية، دون النظر إلى الظروف التي سبقت الانفصال.
وأوضحت أن هذه النظرة تفرض على كثير من المطلقات قيوداً إضافية، سواء داخل الأسرة أو في المجتمع، وقد تصل إلى الحد من حريتهن في العمل أو التنقل، أو ممارسة ضغوط تدفع بعضهن إلى التنازل عن حقوقهن القانونية والمالية.
واعتبرت أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تعزيز ثقة المرأة بنفسها، إلى جانب تمكينها اقتصادياً عبر العمل واكتساب المهارات، بما يوفر لها استقلالية تقلل من فرص تعرضها للاستغلال أو الضغوط الاجتماعية.
الدعم النفسي ضرورة لا رفاهية
من جانبها، أكدت الاستشارية النفسية سعاد المجبري أن مرحلة ما بعد الطلاق تُعد من أكثر المراحل حساسية في حياة المرأة، نظراً لما يصاحبها من تغيرات نفسية واجتماعية قد تمتد لفترات طويلة، وتشمل فقدان الاستقرار وتبدل الأدوار الاجتماعية.
وأوضحت في تصريحات رصدتها “ليبيا24” أن ردود الفعل تختلف من امرأة إلى أخرى، إلا أن أعراضاً مثل العزلة، واضطرابات النوم، وصعوبة التركيز، ونوبات الغضب، قد تكون مؤشرات على الحاجة إلى دعم نفسي متخصص، خصوصاً إذا استمرت لفترة طويلة.
وشددت على أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول في تجاوز آثار الطلاق، معتبرة أن الاحتواء والدعم يسهمان في استعادة المرأة لاستقرارها النفسي والاجتماعي، بينما يؤدي استمرار الوصم إلى مضاعفة آثار الأزمة.
ويشير مجمل آراء المختصين إلى أن المشكلة لا تكمن في الطلاق بوصفه خياراً قانونياً أو اجتماعياً، بل في الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع المرأة بعده. فاستمرار الأحكام المسبقة لا يضر بالمطلقات وحدهن، بل يعكس خللاً في الثقافة المجتمعية التي تربط قيمة المرأة بوضعها الأسري، بدلاً من الاعتراف بحقها في بداية جديدة قائمة على الكرامة والاستقلال والمساواة.



