ليبيا

ترليون دينار في أربع سنوات.. الدبيبة يبتلع ثروات ليبيا ويشرد الأحلام

بين إنفاق الشرق والجنوب والغرب.. رئيس الحكومة المنتهية يتهم وغيره يتضور جوعاً

ليبيا 24:

ترليون في الظل: كيف التهمت البطانة مقدرات الدولة تحت قصف الصمت؟

تفكيك خطاب السلطة: حين يصبح الإنفاق الجائر دفاعاً عن النفس

في زمن ضبابية المشهد السياسي، تطل علينا بين الحين والآخر خطابات تحمل في طياتها من التناقض ما يجعلها مادة دسمة للتحليل، ليس فقط لذاتها، بل لما تخفيه خلف الكلمات من جبال من الأرقام والحقائق.

 فحين يتحدث المسؤول، لا يكون حديثه مجرد كلمات، بل هو انعكاس لأيديولوجيا وسلطة تحاول تبرير وجودها.

إن ما صدر عن رئيس الحكومة المنتهية ولايتها ليس استثناءً، بل هو نموذج صارخ على آلية عمل السلطة عندما تتحول إلى غاية في حد ذاتها، متخذة من المال العام وقوداً لاستمرارها، ومن الإعلام درعاً يحميها من غضبة الشعب الذي تنهش لقمة عيشه.

ميكانيزم السيطرة: عندما تتحول مؤسسات الدولة إلى إقطاعيات خاصة

ما يحدث في المشهد الليبي الراهن يتجاوز كونه فساداً مالياً تقليدياً، ليتحول إلى ظاهرة أكثر تركيبية وخطورة. إنها عملية تحويل منهجي لمؤسسات الدولة ذات الصبغة السيادية إلى مجرد إقطاعيات خاصة.

 فالمتابع للبيانات الرقمية الصادرة عن المصرف المركزي قد يظن أن الرقم الضخم الذي تجاوز سبعمائة مليار دينار هو كل شيء، لكن الحقيقة الأكثر إيلاماً تكمن في الجبال الجليدية الخفية تحت سطح هذا الرقم.

فالسيطرة على الإيرادات لا تعني فقط وضع اليد على الخزينة، بل تعني السيطرة على الحياة اليومية لكل مواطن. فعندما تستحوذ جهة بعينها على نسبة تتجاوز السابعة والثمانين بالمئة من إيرادات قطاع حيوي كالاتصالات، فهذا يعني أنها تتحكم في شريان التواصل بين الناس، وتفرض ضرائب غير مباشرة على كل مكالمة وكل رسالة.

والأمر ذاته ينطبق على الجمارك والضرائب، حيث تتحول هذه المؤسسات من هيئات رقابية تهدف لضبط حركة الأموال والبضائع، إلى صنابير تروي عطش آلة إنفاق لا تشبع.

ولعل الأكثر دلالة على عبثية هذا المشهد هو السيطرة على إيرادات العدادات الكهربائية ومبيعات المحروقات. فالكهرباء والوقود هما عصب الحياة اليومية للمواطن البسيط.

حين تستحوذ جهة سياسية على هذه الإيرادات، فهي لا تسرق مالاً فقط، بل تسرق حق المواطن في الخدمة الأساسية، وتجعله رهينة لصراعاتها. هو نوع من الاحتكار الجديد، حيث تتحول مقدرات الشعب إلى سلاح يُستخدم ضده لابتزازه سياسياً واقتصادياً.

اللغة كقناع: كيف يعيد الخطاب الرسمي تشكيل الحقائق

في خضم هذا النزيف المالي غير المسبوق، يأتي خطاب رئيس الحكومة المنتهية ليقدم لنا درساً في هندسة الوعي. الخطاب هنا لا يهدف للإقناع بقدر ما يهدف للتشتيت.

إنها تقنية كلاسيكية في إدارة الأزمات: عندما تكون الأرقام ضخمة جداً بحيث لا يمكن إنكارها، يتم تحويل مسار النقاش من الحجم إلى المقارنة، ومن المسؤولية إلى الهجوم المضاد.

هنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: كيف لشخص يقف على رأس حكومة أن ينفق ترليون دينار في أربع سنوات، أي ما يعادل ألف مليار، ثم يجرؤ على اتهام غيره بالإنفاق الموازي بمبالغ لا تتجاوز سبعين ملياراً؟ إنها ليست مجرد مقارنة رقمية، بل هي عملية قلب للأدوار، محاولة يائسة لخلق توازن وهمي بين من سرق قطرة ومن استنزف بحراً.

 هذا الخطاب يحمل في طياته سخرية قاتمة من ذكاء المتلقي، فهو يفترض أن العقل الجمعي يمكن خداعه بسهولة عبر تبادل الاتهامات وتشويه السمعة.

الحديث عن “البطانة التي ستدمرك” يحمل نبرة تحذيرية مسرحية، وكأن المتحدث ليس جزءاً من المنظومة التي تدير هذه الإمبراطورية المالية.

الحقيقة الأكثر قسوة أن البطانة لا يمكن أن تعمل بمعزل عن رئيسها، فهي تعكس رغبته وتنفذ سياسته، وهي في النهاية ذراعه التي يبطش بها ويجمع بها الأموال. فمحاولة الفصل بين الاثنين هي محاولة عبثية لتنصل من المسؤولية التاريخية عن أكبر هدر مالي في تاريخ البلاد.

آلية التكميم: كيف يُحارب من يحاول كشف الحقيقة

لا تكتمل صورة هذه المنظومة دون رؤية الجانب الآخر الأكثر ظلمة، وهو الطريقة التي تتعامل بها مع المعارضة أو من يحاول تسليط الضوء على ممارساتها.

 إن تشويه السمعة واختلاق القصص ليس مجرد ردود فعل عشوائية، بل هو سياسة منظمة. هي آلة دعاية متكاملة الهدف منها صناعة هالة من القداسة حول القائد أو المسؤول، وفي نفس الوقت تجريد أي ناقد من مصداقيته قبل أن يبدأ حديثه.

هذا الأسلوب في الحكم هو أقرب إلى إدارة عصابة منظمة منها إلى إدارة دولة. فالدولة تقوم على المؤسسات والقوانين والشفافية، بينما تقوم هذه المنظومة على العلاقات الشخصية والولاءات والسرية.

 حين يصبح الرد على الاتهامات المالية الموثقة هو الهجوم على شخص المتهم، فهذا يعني أن الأدوات السياسية التقليدية قد انهارت، ولم يبق سوى لغة القوة المالية والإعلامية.

المواطن الليبي اليوم يقف أمام مشهد سوريالي: ترليون دينار أنفقت في زمن الندرة، ومشاريع متعثرة، وخدمات منهارة، وبنية تحتية متآكلة. في المقابل، يخرج المسؤول ليطلب المواجهة والمقارنة، وكأن البلاد في سباق من ينفق أكثر، لا من يبني أفضل. هذا المنطق هو نتاج طبيعي لسلطة تخلت عن وظيفتها التنموية، وتحولت إلى ماكينة لاستنزاف الثروات وإعادة توزيعها على حاشية ضيقة، بينما يدفع الشعب الثمن غالياً.

الدرس الأهم المستفاد من هذه المعادلة البشعة هو أن الأنظمة التي تبنى على التهميش والإقصاء المالي والسياسي، والتي تدار عبر خطاب يقوم على التضليل وقلب الحقائق، لا يمكنها الصمود طويلاً. فالشعب الذي يرى أمواله تذهب هباءً، ويشاهد من يصفونه باللصوص يتحدثون باسم الوطنية ويتهمون الغير بالفساد، هذا الشعب سيأتي يوم يثور فيه على هذه الأكاذيب، ويحاسب كل من ساهم في تدمير ما تبقى من مقدراته، تحت أي مسمى أو شعار. البطانة فعلاً ستدمر من حولها، لكنها قبل ذلك دمرت الدولة وحلم المواطن في غد أفضل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى