أخبار العالمدولىليبيا

مهاجرون عالقون بين الموت والجليد في المتوسط.. صرخات استغاثة لا مجيب لها

مهاجرون عالقون على منصة نفطية تونسية يناشدون النجدة

ليبيا 24
روما وفاليتا تتجاهلان استغاثات عشرة لاجئين منذ أربعة أيام

البحر يقذف بهم إلى منصة الموت البطيء

في مشهد يختزل مأساة آلاف الباحثين عن حياة كريمة، تحولت منصة “مسكار” النفطية الواقعة في مياه خليج قابس التونسية إلى سجن عائم لعشرة مهاجرين، يقاسون منذ أربعة أيام مرارة الانتظار بين الحياة والموت. فبعد محاولة يائسة لعبور البحر المتوسط نحو أوروبا، انقلب قاربهم المطاطي البدائي، ليجدوا أنفسهم عالقين على هذه المنصة الباردة في عرض البحر، تحت رحمة أمواج الشتاء ورياحه الجارحة.

المجموعة المنكوبة هي فلول مأساة أكبر، إذ غادر 38 شخصاً السواحل الليبية قبل أسبوع في رحلة الأمل التي سرعان ما تحولت إلى كابوس. بعد انقلاب مركبهم، تمكنوا جميعاً من الصعود إلى سفينة الشحن “ماريديف 208” التي كانت تجتاز المنطقة، قبل أن تقوم السلطات التونسية باعتراضهم. وفي تطور أثار حفيظة المنظمات الحقوقية، قامت البحرية التونسية بإنزال 28 شخصاً وإعادتهم إلى الأراضي التونسية، بينما تركت عشرة آخرين على منصة الغاز، حيث بقوا منذ ذلك الحين دون أي تحرك جاد لإنقاذهم.

مهاجرون عالقون بين الموت والجليد في المتوسط.. صرخات استغاثة لا مجيب لها

حياة معلقة على حافة الموت

الأوصاف التي تنقلها منظمة “سي ووتش” الألمانية عن وضع المحتجزين على المنصة تدعو إلى القشعريرة. فالمعطيات الأولية تشير إلى أن المنطقة تشهد أحوالاً جوية قاسية، حيث تنخفض درجات الحرارة بشكل كبير، وتزداد قوة الرياح، مما يجعل البقاء على منصة معدنية مكشوفة جحيماً لا يطاق.

في تسجيلات مصورة بثتها منظمة “ميديتيرانيا لإنقاذ البشر” الإيطالية، ظهر رجل يافع بلغة التغرينية الإريترية يوجه نداءً خرج من أعماق قلب محطم: “نحن مرضى، جائعون، نتجمد حتى الموت.. أنقذونا!”. الكاميرا التي صورتهم أظهرت جثثاً هزيلة مترامية على الأرض الباردة، وجوهاً شاحبة تعلوها غبرة التعب، وأجساداً مرتجفة تتخبط في مساحة ضيقة تحت المنصة، عاجزة عن مقاومة لدغات البرد القارس. أحد الشبان ظهر وهو يرتجف بعنف، في صورة توثق المعاناة الجسدية القصوى التي يمرون بها.

وبينما تتواصل أيام الجحيم الأربعة، لا يملك العالقون سوى انتظار معجزة أو بادرة إنسانية من أحد. ورغم إفادة شركة “ميسكار” المشغلة للمنصة بتقديم الطعام والماء لهم، إلا أن منظمة “سي ووتش” أكدت أنها غير قادرة على التحقق من صحة هذه المعلومات، مما يضيف طبقة جديدة من القلق على مصير هؤلاء الأشخاص.

مهاجرون عالقون بين الموت والجليد في المتوسط.. صرخات استغاثة لا مجيب لها

أوروبا تتفرج.. والمتوسط مقبرة بلا حدود

في غرفة العمليات الإنسانية، تتكرر المأساة بنص سيناريو شبه ثابت. فمنذ اليوم الأول، تخاطب منظمات الإنقاذ السلطات الإيطالية والمالطية عبر القنوات الرسمية، تناشدها التحرك السريع لإنقاذ الأرواح. ورغم أن السواحل الإيطالية لا تبعد سوى سبع ساعات عن موقع المنصة، إلا أن الصمت الرسمي يخيم على روما وفاليتا. ولا يقتصر الخوف على تأخير الإنقاذ، بل يمتد إلى خشية المنظمات من أن يؤدي عدم التدخل الأوروبي إلى إعادة المهاجرين قسراً إلى تونس، حيث تنتظرهم مصائر مجهولة قد تكون أقسى من الموت البطيء على المنصة.

هذه ليست الحادثة الأولى من نوعها، فالتاريخ الحديث للمنطقة يسجل تكراراً مريعاً لهذه المأساة. ففي الرابع من مارس من العام الماضي فقط، أنقذت سفينة “أورورا” التابعة لمنظمة “سي ووتش” 32 شخصاً كانوا عالقين على نفس المنصة. حينها أيضاً، ظل المهاجرون أياماً تحت رحمة البحر في المياه الدولية، على الحدود الفاصلة بين منطقتي البحث والإنقاذ التونسية والمالطية، دون أن تحرك أي دولة أوروبية ساكناً. وخلال تلك المحنة، لقي أحد المحتجزين حتفه قبل وصول النجدة.

شهادات صادمة وتخاذل متعمد

تعود الوقائع إلى أكثر من عام، ففي مارس 2024، تلقت منظمة “الطوارئ” الإيطالية إخطاراً من طائرة تابعة لوكالة فرونتكس الأوروبية بوجود نحو أربعين مهاجراً على نفس المنصة. توجهت سفينة المنظمة “لايف سبورت” فوراً إلى المكان، لكنها فوجئت برفض طاقم المنصة تقديم أي مساعدة، خلافاً لبروتوكولات سابقة كانت تسمح بالاقتراب وتقديم الدعم. انتهت تلك الحادثة بتسلم السلطات التونسية المهاجرين، ليعودوا إلى نقطة الصفر في رحلة معاناتهم.

وقبل ذلك بشهر، سجلت سفينة “جيو بارنتس” التابعة لمنظمة أطباء بلا حدود واقعة مماثلة عندما أنقذت 19 مهاجراً لجأوا إلى منصة نفطية مهجورة بعد غرق قاربهم قبالة سواحل تونس. لكن الأكثر إثارة للصدمة في تلك الواقعة هو أن السلطات التونسية رصدت المجموعة قبل الإنقاذ واقتربت منهم، ثم غادرت تاركة إياهم لمصيرهم. خوان ماتياس جيل، رئيس بعثة أطباء بلا حدود آنذاك، وثق قائلاً: “لقد رأوا المهاجرين بوضوح، ثم عادوا أدراجهم وأخبرونا أن العملية معقدة”.

تونس والتحول من بلد عبور إلى جبهة صد

على الضفة الأخرى من المتوسط، تتغير طبيعة الأزمة. فتونس التي كانت لعقود بلد عبور للمهاجرين نحو أوروبا، تحولت إلى ساحة صد وترحيل. منذ صيف عام 2023، تصاعدت حملات العنف والمداهمات ضد المهاجرين من أفارقة جنوب الصحراء المقيمين في تونس. وحدات الحرس المدني التونسي قامت خلال السنوات الثلاث الماضية بجمع آلاف المهاجرين من الشوارع ونقلهم قسراً إلى مناطق صحراوية حدودية مع ليبيا والجزائر، حيث يتركون في العراء دون ماء أو طعام، وعليهم أن يجدوا طريق عودتهم بأنفسهم. روايات عدة تشير إلى وفاة نحو مائة شخص في تلك الصحراء جوعاً وعطشاً، وإلى عمليات تبادل بشري مع ميليشيات ليبية مقابل المال، وهي ممارسات لا تزال مستمرة حتى اليوم.

صرخة لا تصل

بينما تتعالى الأصوات الحقوقية وتتواصل النداءات، يظل العشرة عالقين على منصة “مسكار”. في غرفة مغلقة على الحديد البارد والبحر الهائج، ينتظرون. فرق الإنقاذ الإنسانية تبذل ما في وسعها عبر الاتصالات والمناشدات، لكن القرار في النهاية بيد السياسة لا الإنسانية. ومع كل ساعة تمر، تزداد المخاوف على سلامتهم الجسدية والنفسية، في سباق مع الزمن قد تكون نهايته مأساة جديدة تضاف إلى سجل الموت الصامت في البحر المتوسط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى