أخبار العالمليبيا

الدبيبة يعيد بناء سطوته: حكومة منتهية الولاية تستكمل تشكيلها بصفقات مع الميليشيات وشراء الذمم

ليبيا 24

الدبيبة يستكمل حكومته ويعيد ترتيب تحالفاته مع الميليشيات في طرابلس

في خطوة وصفتها أوساط سياسية واسعة بأنها استمرار لنهج فرض الأمر الواقع وتكريس الانقسام، أقدم رئيس ما يسمى بـ “حكومة الوحدة” منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة، على استكمال تعديله الوزاري المثير للجدل، في تحدٍ سافر لكل الأطراف الدولية والمحلية الداعية إلى تسليم السلطة لحكومة موحدة تقود البلاد إلى الانتخابات. لم تكن الخطوة مجرد ملء لحقائب وزارية شاغرة، بل مثلت عملية إعادة هيكلة شاملة لتحالفات الدبيبة، قوامها الأساسي ليس البرامج أو الكفاءات، بل توزيع الغنائم على أمراء الميليشيات والمقربين من رموز الفساد، في محاولة يائسة للتمسّك بالكرسي بأي ثمن.

المنفي من موقف المعارضة إلى شريك في الصفقة: تراجع مذبذب مقابل “بقرة” وزارية

لعل أكثر ما كشف هشاشة الموقف الرسمي وغياب أي ثوابت وطنية هو موقف رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي. فالرجل الذي كان قد اشترط في وقت سابق لإجراء أي تعديل وزاري ضرورة الالتزام بالمرجعيات الدستورية وتحقيق توافق وطني، سرعان ما تراجع عن موقفه المذبذب هذا بعد لقاء مغلق جمعه بالدبيبة ورئيس المجلس الأعلى للدولة. الإعلان الرسمي تحدث عن “تشاور”، لكن مصادر حكومية من داخل طرابلس فضحت الصفقة الخلفية، مؤكدة أن المنفي حصل على “حصته” من كعكة الحكومة الجديدة، عبر توزيع حقائب وزارية على مقربين منه، إضافة إلى السيطرة على مواقع نافذة في وزارة الخارجية. هذا السلوك يؤكد للجميع أن المجلس الرئاسي لم يعد سوى غطاءً سياسياً لمشروع الدبيبة الانفرادي، وأن رئيسه بات جزءاً من اللعبة لا حَكماً فيها، متناسياً أن مهمته الأساسية هي توحيد البلاد لا توزيع مغانمها.

من الزاوية إلى تاجوراء: الدبيبة يعيد ترتيب تحالفه مع الميليشيات لضبط بؤر التوتر

في الوقت الذي كان يفترض فيه أن تعمل الحكومة على تفكيك الميليشيات وفرض هيبة الدولة، انشغل الدبيبة باستضافة أمراء الحرب وقادة المجموعات المسلحة في ليالٍ رمضانية، لإعادة ترتيب تحالفاته معهم. فقد تحركت حكومته على عدة محاور ساخنة في طرابلس، بدءاً من مدينة الزاوية التي تشكل بؤرة توتر دائمة، حيث تم استرضاء قادة مجموعاتها المسلحة بمنح منطقة بوزريبة صفة بلدية مستقلة، في خطوة تهدف إلى ضرب النسيج الاجتماعي للزاوية وإضعاف القوى المعارضة فيها عبر سياسة “فرق تسد”. ولم يقتصر الأمر على الزاوية، بل شمل اللقاءات قادة مسلحين من تاجوراء، في محاولة لاختراق معاقل خصومه في مصراتة، بالإضافة إلى استضافة شخصيات من الزنتان التي تضم قوى متعارضة مع حكومته، بهدف تحييدها أو استمالتها. هذه التحركات المتزامنة تكشف عن نوايا حقيقية لدى الدبيبة تتمثل في إعادة ترتيب خريطة النفوذ المسلح في العاصمة ومحيطها، وجعل ولاء هذه المجموعات له شخصياً، وليس للدولة، تحسباً لأي مواجهة مقبلة قد تفرضها تطورات المشهد السياسي. وبذلك، تثبت حكومته يوماً بعد يوم أنها ليست سوى غطاء مدني لحكم الميليشيات، الذي يستخدم ورقة “الاستقرار” الأمني كذريعة لشرعنة وجودها وابتزاز المجتمع الدولي.

توقيت مشبوه واستباق للجهود الدولية

اللافت في هذه الخطوة هو توقيتها المتقاطع مع كل الجهود الدولية الرامية لحل الأزمة. ففي وقت تواصل فيه البعثة الأممية مساعيها للدفع باتجاه خريطة طريق تؤدي إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية، وفي وقت تشهد فيه الساحة تحركات أميركية لتقريب وجهات النظر بين طرابلس وبنغازي بهدف تشكيل حكومة موحدة، يأتي الدبيبة ليعلن تمسكه بمنصبه عبر تشكيلته المكتملة. وكأن الرسالة التي يريد إيصالها للعالم هي أنه لا حل في ليبيا بدونه أو بدون شروطه. الباحثون في الشأن السياسي يرون أن هذه التحركات الثلاثية (سياسياً مع المنفي وتكالة، وأمنياً مع الميليشيات، وإدارياً باستكمال التشكيلة) تهدف إلى خلق واقع جديد يصعب تجاوزه، عبر تشكيل “هيئة عليا للرئاسات” تضم المجلس الرئاسي والأعلى للدولة، تكون بمثابة سلطة عليا موازية لمجلس النواب، مما يعمق الانقسام ويطيل أمد الأزمة. إن ما يقوم به الدبيبة وحكومته هو انقلاب ممنهج على أي أمل في إجراء انتخابات، وهو عبء إضافي على كاهل الليبيين الذين يدفعون ثمن صراعات النفوذ والفساد الذي تقوده هذه المليشيات المتغولة على مؤسسات الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى