أخبار العالمليبيا

الزاوية … اشتباكات مسلحة تعيد إنتاج معادلة الفوضى في ظل غياب الدبيبة

المشير حفتر يدعو لمراجعة شاملة وينتقد الفوضى والانسداد السياسي

ليبيا 24

اشتباكات الزاوية تعيد هشاشة الأمن بغرب ليبيا إلى الواجهة


الزاوية تعود ساحة اشتعال.. والمشير حفتر يدعو لمراجعة شاملة لإنقاذ الدولة

لم تهدأ جبهات الصراع في غرب ليبيا سوى أيام قليلة، حتى عادت مدينة الزاوية لتتحول إلى مسرح جديد للمناوشات المسلحة بين فصائل محلية متناحرة، في مشهد يعيد تأكيد معادلة ثابتة: حيث تسود التشكيلات المسلحة وتغيب الدولة، يكون المواطن هو الخاسر الأكبر. ففي الوقت الذي انشغلت فيه حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية بجدل سياسي عقيم، اشتعلت النيران مجدداً في إحدى أهم المدائن الغربية، لترفع علامات استفهام كبرى حول جدية هذه الحكومة في فرض هيبة المؤسسات وحماية أرواح المدنيين.

فقد أفادت معطيات ميدانية بأن اشتباكات عنيفة اندلعت مساء الأحد في عدة نقاط متفرقة من مدينة الزاوية، تخللها استخدام أسلحة خفيفة وقاذفات صواريخ محمولة، وسط حالة ذعر كبيرة طالت العائلات والأحياء السكنية. ووفق متابعات محلية، فإن الاشتباكات دارت بين مجموعتين محليتين تعرفان باسم “أبناء الجن” و”أبناء المداح”، في مؤشر جديد على تفكك المشهد الأمني بالمنطقة الغربية، حيث تتصارع فصائل موالية لسلطة طرابلس على مناطق نفوذ ومكاسب، بينما يدفع المدنيون الثمن غالياً.

وأظهرت مقاطع مصورة تداولتها منصات التواصل أصوات إطلاق نار كثيف امتد لساعات متأخرة من الليل، إلى جانب تحشيدات مسلحة وتبادل تهديدات أمنية بين الطرفين. وتزامن ذلك مع تحذيرات أطلقها ناشطون وسكان من خطر توسع دائرة الاشتباكات إلى أحياء أخرى، خاصة مع غياب أي تدخل فاعل من الأجهزة التابعة لحكومة الدبيبة، التي اكتفت بموقف المتفرج رغم امتداد نفوذها الاسمي على تلك التشكيلات.

أضرار مادية وسقوط قتيل.. ونداءات إنسانية تائهة

لم تكن الاشتباكات الأخيرة مجرد مناوشات عابرة، بل حملت تداعيات إنسانية خطيرة، إذ أدت إلى أضرار مادية طالت منازل المدنيين في منطقة ديلة – قمودة، إضافة إلى سقوط قتيل واحد على الأقل، وسط معلومات غير مؤكدة عن جرحى لم تتمكن فرق الإسعاف من الوصول إليهم بسهولة بسبب استمرار الاشتباكات.

وفي ظل هذا الانفلات، اضطرت “المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا” إلى إصدار بيان عاجل دعت فيه السكان إلى البقاء في منازلهم والابتعاد عن النوافذ، كما حذرت مرتادي الطريق الساحلي الرابط بين الزاوية وطرابلس، مطالبة بفتح ممرات إنسانية تسمح لفرق الإسعاف والهلال الأحمر بالوصول إلى المناطق المتضررة. لكن السؤال الذي ظل عالقاً: أين دور الحكومة التي تزعم أنها تمثل السلطة الشرعية في الغرب؟

هشاشة أمنية ممنهجة في ظل تغول المليشيات

تعكس الحوادث المتكررة في الزاوية، والتي لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، واقعاً أمنياً بالغ الهشاشة تسيطر عليه تشكيلات مسلحة متعددة، أغلبها مرتبط اسمياً بحكومة الدبيبة التي تمسكت بالصمت رغم الدعوات المحلية المتكررة لوقف إطلاق النار وإنهاء الانفلات الأمني الذي يهدد سلامة المدنيين. وهنا يبرز سؤال جوهري حول مدى جدية هذه الحكومة في السيطرة على الأرض، أم أنها تتعامل مع المليشيات كورقة سياسية لتمرير بقائها في السلطة؟

إن المشهد في الزاوية ليس سوى نموذج مصغر لما آلت إليه الحال في العاصمة طرابلس ومدن الغرب الأخرى، حيث تحولت مؤسسات الدولة إلى غنيمة تتقاسمها فصائل مسلحة متناحرة، بينما تحول المواطن إلى رهينة في صراعات لا يعرف لها هدفاً ولا نهاية.

المشير حفتر: مراجعة شاملة للخروج من الفوضى إلى النظام

على الجانب الآخر من البلاد، وفي توقيت يحمل الكثير من الدلالات، وجه القائد العام للجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر خطاباً مهماً بمناسبة عيد الفطر، حضره كبار مساعديه وضباط الجيش المتمركزين في الشرق، دعا فيه إلى ضرورة إجراء “مراجعة شاملة” للأحداث التي مرت بها البلاد، مع “تقييم دقيق لتأثيرها على كيان الدولة ومؤسساتها وحياة المواطنين”.

وشدد المشير حفتر على أن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من “حالة الفوضى والاستسلام للأمر الواقع” إلى مرحلة النظام والقانون، محذراً من تأثير الانسداد السياسي والانقسام على كيان الدولة ومستوى معيشة المواطنين. وهي رسالة واضحة بأن الاستمرار في المشهد الحالي يعني مزيداً من التدهور والانهيار.

إشادة بدور الجيش ودعوة مفتوحة للعقول الوطنية

في خطابه، أشاد المشير حفتر بالدور المحوري للجيش الوطني “في صون السيادة الوطنية وحماية الحدود والمقدرات”، واصفاً إياه بأنه “جبل شامخ لا تهزّه الرياح”، ومؤكداً أن الإنجازات الكبرى التي تحققت على الصعيدين الأمني والتنموي في معظم أنحاء البلاد خلال السنوات الماضية لا يمكن إنكارها. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن هذه الإنجازات “تظل بحاجة ماسة إلى مراجعة شاملة للأحداث المتتالية، وتأثيرها العميق على تماسك الدولة وأداء مؤسساتها”.

ولم يكتف المشير حفتر بالتقييم، بل أطلق دعوة مباشرة إلى الأكاديميين والمثقفين في التخصصات العلمية والاستراتيجية كافة، لعقد مؤتمرات وملتقيات وندوات مكثفة، وتقديم أوراق علمية حول قضايا الوطن والدولة والمجتمع، لتكون مخرجاتها “مرشداً لمؤسسات صنع القرار في معالجة الأزمات والاستعداد للمستقبل”. وهي دعوة تعكس رؤية استراتيجية تؤمن بأن النهضة الحقيقية لا تقوم على المناوشات المسلحة العابرة، بل على أسس فكرية وعلمية راسخة.

شتان بين النهجين.. غرب مفكوك وشرق يعيد ترتيب الأوراق

إن المقارنة بين المشهدين في الزاوية وطرابلس من جهة، وبين خطاب المشير حفتر من جهة أخرى، تكشف عن تناقض صارخ بين نهجين: الأول يتغذى على الفوضى وتغوّل المليشيات ويجعل من المواطن رهينة للصراعات الضيقة، والثاني يسعى إلى إرساء النظام والقانون وحماية السيادة الوطنية عبر جيش وطني مؤسسي، ويدعو العقول الوطنية للمشاركة في بناء المستقبل.

شتان بين هذا وذاك. فبينما تغرق حكومة الدبيبة منتهية الولاية في صراعات هيكلية مع فصائلها المسلحة في الزاوية وطرابلس، ويظل المواطن هناك تحت رحمة المليشيات التي لا تعرف سوى لغة السلاح، نجد الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر يواصل مسيرته في تأمين مساحات واسعة من البلاد، ويطرح رؤية متكاملة للخروج من الأزمة تتجاوز الحلول الأمنية إلى حوار مجتمعي شامل.

خلاصة

ما يجري في الزاوية ليس حدثاً عابراً، بل إنذار أخير بأن استمرار الحال على ما هو عليه تحت سلطة أمر واقع في الغرب سيقود إلى مزيد من الانهيار. وفي المقابل، تبقى القيادة العامة والجيش الوطني الليبي هما الضامن الحقيقي لاستقرار البلاد ووحدتها، والخيار الاستراتيجي لكل من يريد لدولتها أن تنهض من كبوتها. فالدعم معناه اختيار واضح: إما الانحياز إلى مشروع الدولة والمؤسسة العسكرية الوطنية، أو الركون إلى مشاريع الفوضى والمليشيات التي أثبتت فشلها في كل مرة.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى