أخبار العالمليبيا

أزمة ناقلة الغاز الروسية تتحول إلى أزمة ثلاثية الأبعاد: بيئي وأمني وسياسي

تحقيق دولي مطلوب بعد اتهام موسكو بوجود منصة هجوم بحري ليبي

ليبيا 24

ليبيا ترفع التأهب لمواجهة كارثة ناقلة الغاز الروسية المنكوبة


من ليبيا إلى شرق المتوسط.. خطر بيئي يهدد السواحل وسط اتهامات متبادلة وغياب حكومي

تعيش السواحل الليبية الغربية على وقع ساعة الحسم البيئي، مع اقتراب ناقلة الغاز الروسية المتضررة “أركتيك ميتاغاز” من المياه الإقليمية، في مشهد يحول الحادث التقني إلى أزمة متعددة الطبقات تجمع بين خطر التلوث البحري الوشيك، والانتهاك المزعوم للسيادة الوطنية، والفراغ الحكومي في التعامل مع الكارثة المحتملة.

تأهب قصوى وخلاف حول جاهزية الأرضية
في الوقت الذي أعلنت فيه المؤسسة الوطنية للنفط وجهاز حرس السواحل حالة الاستنفار القصوى، لا تزال بلدية زوارة، التي تقترب منها السفينة المنكوبة على بعد 44 كيلومترا فقط، تؤكد عدم رصد أي تدخل ميداني حقيقي على الأرض، على الرغم من الإعلان عن التعاقد مع شركة عالمية متخصصة بالتعاون مع الشريك الإيطالي “إيني” لإنقاذ الناقلة التي تحمل نحو 30 ألف طن من غاز الميثان، إضافة إلى كميات كبيرة من النفط الثقيل والديزل.

وتكشف التصريحات الميدانية عن فجوة بين الإجراءات المعلنة والواقع على السواحل. فبينما تشير بيانات المؤسسة الوطنية للنفط إلى إنشاء غرفة عمليات مشتركة وبدء أعمال السيطرة على الناقلة تمهيداً لجرها إلى منطقة آمنة، تصر بلدية زوارة على أن الجهود المحلية تفتقر إلى الإمكانات، وأن التواصل مع حكومة الدبيبة منتهية الولاية لم يترجم إلى تحركات فعلية تذكر، ما يعيد إحياء التساؤلات حول قدرة الجهات التنفيذية على إدارة الكوارث في ظل الانقسام السياسي.

البعد الأمني: اتهامات متبادلة تنذر بتعقيد المشهد
لم تلبث الأزمة التقنية أن تحولت إلى ملف أمني ساخن، بعد اتهام وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أوكرانيا باستهداف الناقلة عبر زوارق مسيرة انطلقت من الأراضي الليبية. هذا الاتهام دفع لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب إلى الخروج عن صمتها، نافية بشكل قاطع أن يكون الهجوم الذي تعرضت له الناقلة في الثالث من مارس الجاري قد انطلق من التراب الليبي.

واعتبرت اللجنة في بيانها أن الحديث عن انطلاق المسيرات من ليبيا يشكل “انتهاكا صارخا للقوانين الدولية والوطنية”، وطالبت بفتح تحقيق عاجل وشفاف بالتعاون مع الجهات الدولية المعنية لتحديد المصدر الحقيقي للهجوم. هذا الموقف يعكس حساسية بالغة لدى صناع القرار في ليبيا تجاه أي مساس بالسيادة الوطنية، خاصة في ظل المخاوف من تحول المياه الإقليمية إلى مسرح لصراعات بالوكالة قد تجر البلاد إلى مواجهات لا ترغب فيها.

غياب حكومي واستنفار محلي
في المشهد الموازي، يبدو أن الحكومة منتهية الولاية – برئاسة عبدالحميد الدبيبة والذي يغيب عن المشهد بسبب المرض -بإدارة الملف، تعيش حالة من الانفصال عن حجم الكارثة المحتملة، وفق ما يراه مراقبون محليون. فقد وجه المترشح الرئاسي السابق سليمان البيوضي انتقادات لاذعة لما وصفها بـ”حكومة الوهم والتريندات”، متهما إياها بالانشغال بافتتاح مشاريع غير ذات أولوية في وقت يواجه فيه الساحل الليبي خطرا بيئيا يهدد “الحجر والبشر”.

هذه الانتقادات تعززها تصريحات رئيس مجلس حكماء وأعيان زوارة غالي الطويني، الذي أكد أن الإمكانات المحلية وحدها غير كافية، وأن ما تم تقديمه من دعم لم يرق إلى مستوى تنفيذ خطة تشغيلية واضحة لاحتواء الخطر أو التعامل مع سيناريوهات الانجراف والتسرب. وفي المقابل، دعا المرشح الرئاسي الأسبق محمد المزوغي إلى التعامل المهني العاجل مع الحادث، بعيداً عن التهويل والتسييس، مشدداً على ضرورة الاعتماد على تقييمات فنية دقيقة قبل إطلاق أحكام تتعلق بالأمن القومي.

كارثة بيئية بانتظار التدخل الحاسم
من الناحية الفنية، تمثل حمولة الناقلة التي تقدر بنحو 30 ألف طن من غاز الميثان، إضافة إلى مئات الأطنان من المواد الهيدروكربونية الثقيلة، قنبلة بيئية موقوتة. ففي حال وقوع تسرب أو انفجار، فإن الأضرار ستطال الثروة البحرية والمنشآت الحيوية، خاصة مع اقتراب السفينة من منطقة مجمع مليتة النفطي، وهو أحد أهم مرافق تصدير الغاز في البلاد.

ويأتي التحذير الأكبر من مصلحة الموانئ والنقل البحري التي وصفت الوضع بـ”الخطر الملاحي والبيئي الداهم”، مطالبة جميع السفن العابرة بتوخي الحيطة، في وقت لا تزال فيه السفينة المنكوبة تتحرك بفعل الرياح والتيارات البحرية دون وجود قاطرات كافية لسحبها أو تأمينها.

اختبار حقيقي لقدرات الدولة الليبية
تمثل أزمة الناقلة الروسية اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة الليبية على إدارة الكوارث المركبة، التي تجمع بين التحدي البيئي والأمني والسياسي. فبينما تنتظر الأوساط المحلية والدولية تحركاً فاعلاً على الأرض لسحب السفينة قبل فوات الأوان، تبقى التساؤلات قائمة حول مدى قدرة المؤسسات المختلفة على تنسيق الجهود في ظل انقسام المشهد السياسي، وغياب رؤية موحدة لمواجهة تهديد لا يعرف حدوداً سياسية أو جغرافية.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى