ليبيا

فوائض النفط بين إغراءات الإنفاق ومتطلبات السيادة.. ليبيا على مفترق طرق اقتصادي

تحذيرات من رهان الأمن الغذائي على الاستيراد في ظل تقلبات الأسواق العالمية

ليبيا 24

ارتفاع النفط فوق 90 دولاراً يثير الجدل في ليبيا.. وخبير يدعو لتوجيه الفوائض إلى صندوق سيادي

في مشهد يتكرر كلما ارتفعت أسعار النفط العالمية، يعود الجدل في ليبيا حول كيفية إدارة الإيرادات النفطية الإضافية إلى الواجهة، لكن هذه المرة يحمل النقاش أبعاداً أعمق تتصل بجوهر السيادة الاقتصادية والأمن الغذائي، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ومخاوف تعطل إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز.

قفزة نفطية وفجوة مالية

شهدت أسعار النفط العالمية قفزة نوعية تجاوزت خلالها حاجز 90 دولاراً للبرميل، مدفوعة بتصاعد الهجمات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، وما نتج عنها من تعطيل جزئي لمرور إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة في العالم. وارتفع خام برنت إلى أعلى مستوياته منذ منتصف يونيو الماضي، مسجلاً مكاسب أسبوعية تقارب 16% في أكبر ارتفاع له منذ أبريل.

هذه القفزة وضعت الاقتصاد الليبي، الذي يعتمد بنسبة تزيد على 90% من إيراداته على النفط، أمام اختبار جديد. ففي الوقت الذي تترقب فيه الأسواق تحركات الأسعار، يجد المواطن الليبي نفسه أمام مفارقة قاسية: ارتفاع أسعار النفط لا يترجم إلى تحسن في معيشته، بل على العكس، يرى الأسعار ترتفع من حوله دون أن يلمس عائداً يذكر من هذه الفوائض النفطية.

صندوق سيادي.. رؤية لحقبة ما بعد النفط

في هذا السياق، دعا وزير الاقتصاد والصناعة الأسبق، منير علي عصر، إلى وضع خطة واضحة لتوجيه عوائد الارتفاع في أسعار النفط، عبر إنشاء صندوق سيادي حقيقي يتولى عملية استثمار فعلي لهذه الفوائض.

وأوضح عصر في منشور له على صفحته الشخصية أن الميزانية العامة تُقدر سعر النفط عند 75 دولاراً للبرميل، وعندما يرتفع السعر إلى 90 دولاراً، فإن هناك هامش زيادة قدره 15 دولاراً للبرميل، ما يعني زيادة يومية تقارب 25 مليون دولار.

هذا المبلغ، كما يرى عصر، يخضع للحساب شهرياً وسنوياً، وهو مبلغ كافٍ لإنشاء صندوق سيادي حقيقي بإدارة عالمية اقتصادية رشيدة، يساهم في عملية تنمية حقيقية تعود على الوطن والمواطن، “لو صدقت النوايا والخطط والإدارة والوطنية”.

وتأتي هذه الدعوة في وقت أعلنت فيه المؤسسة الليبية للاستثمار (الصندوق السيادي) عن ارتفاع القيمة السوقية لمحفظتها الاستثمارية المباشرة إلى 51.8 مليار دولار بنهاية الربع الأول من 2026، مسجلة نمواً بنسبة 1.7% مدفوعاً بارتفاع قيمة محفظة الأسهم والعوائد المحققة.

كما تلقت ليبيا مؤشرات أممية بقرب الإفراج عن جزء من الاحتياطيات النقدية المجمدة في الخارج، ما يتيح استثمارها في الداخل أو الخارج.

ويرى مراقبون أن إنشاء صندوق سيادي جديد مخصص لفوائض ارتفاع الأسعار، بإدارة مستقلة وخبرات عالمية، قد يكون خطوة نوعية نحو تحويل الريع النفطي إلى استثمارات منتجة، بدلاً من استهلاك الفوائض في إنفاق جاري لا يترك أثراً تنموياً ملموساً.

أمن غذائي.. قضية سيادة لا رفاهية

لكن الجدل الاقتصادي في ليبيا لا يتوقف عند حدود إدارة الإيرادات النفطية، إذ يربط عصر بين الأمن الاقتصادي والأمن الغذائي في معادلة واحدة، محذراً من أن “الدول التي تستورد معظم غذائها تبقى اقتصاداتها رهينة لتقلبات الأسواق العالمية والأزمات الدولية”.

ويؤكد عصر أن السنوات الأخيرة أثبتت أن الأمن الغذائي لم يعد قضية زراعية فقط، بل أصبح قضية سيادة وطنية واستقرار اقتصادي وأمن قومي.

وهنا تكمن المفارقة الليبية: بلد يمتلك أراضي زراعية واسعة، ومياه جوفية، وتنوعاً مناخياً، وساحلاً طويلاً، وموقعاً يتيح الوصول إلى الأسواق الإقليمية، يظل رهينة للاستيراد بنسب مرتفعة.

وتشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن إنتاج الحبوب في ليبيا خلال عام 2026 سيشهد تراجعاً بنحو 20% مقارنة بمتوسط الإنتاج خلال السنوات السابقة، نتيجة موجات الجفاف التي أثرت على المساحات المزروعة. وفي المقابل، تحتاج ليبيا إلى استيراد نحو 3.3 ملايين طن من الحبوب خلال الموسم التسويقي 2026-2027، بينها 1.5 مليون طن من القمح.

هذه الأرقام تعكس حجم التحدي الذي يواجه البلاد، في وقت تعاني فيه الأسواق المحلية من تضخم في أسعار الغذاء بلغت نسبته 18%، وفق تقديرات الفاو.

زراعة ذكية.. لا اكتفاء مطلق

ويرى عصر أن الهدف ليس تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل في كل المنتجات، فهذا قد لا يكون اقتصادياً، وإنما تحقيق “أمن غذائي ذكي” يقوم على إنتاج السلع الإستراتيجية التي تمتلك ليبيا فيها ميزة نسبية، مع بناء مخزون إستراتيجي قادر على مواجهة الأزمات.

فالاستثمار في الزراعة، بحسب عصر، ليس دعماً لقطاع واحد، بل استثمار في استقرار الدولة واستقرار الأسعار وخلق فرص العمل وتقليل الاعتماد على الخارج. ويخلص إلى أن “كل هكتار يُزرع هو خطوة نحو استقلال القرار الاقتصادي”.

ويأتي هذا الطرح في وقت لا تتجاوز فيه نسبة الأراضي القابلة للاستثمار الزراعي المستغلة حالياً 5% فقط من إجمالي الأراضي القابلة للزراعة، ما يشير إلى هامش هائل للتوسع في الإنتاج المحلي لو توفرت الإرادة السياسية والخطط التنموية والتمويل اللازم.

معادلة الأمن الشامل

ما يطرحه منير عصر يجمع بين شقي المعادلة: إدارة الإيرادات النفطية بوعي استثماري، والاستثمار في القطاع الزراعي كخيار سيادي. فالصندوق السيادي يمكن أن يكون أداة لتمويل التنمية الزراعية، والتنمية الزراعية يمكن أن تكون ركيزة لتقليل الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل.

في النهاية، يبقى السؤال الأكبر: هل تمتلك النخبة السياسية والاقتصادية في ليبيا الإرادة والقدرة على تحويل هذه الرؤى إلى خطط تنفيذية، أم تظل الأموال النفطية رهينة للصراعات السياسية والإنفاق الاستهلاكي، بينما يظل المواطن يترقب تحسناً لا يأتي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى