مأساة في المتوسط: ستة أيام من العطش والموت وقارب المهربين يتحول إلى مقبرة عائمة
مهرب يجبر الناجين على إلقاء موتاهم في البحر
ليبيا 24
قارب مطاطي تائه ستة أيام يودي بحياة اثنين وعشرين
كريت، اليونان – في واحدة من أكثر حوادث الهجرة غير النظامية دموية منذ بداية العام، أعلن خفر السواحل اليوناني عن انتشال 22 جثة وإنقاذ 26 راكبا كانوا على متن قارب مطاطي انطلق من ليبيا قبل أن يضل طريقه في عرض البحر المتوسط، ليظل ستة أيام كاملة بلا ماء ولا طعام، في رحلة تحولت إلى كابوس جماعي.
مأساة بستة أيام
لم تكن الرحلة التي انطلق منها القارب المطاطي في الحادي والعشرين من مارس الماضي من سواحل ليبيا متجهة إلى اليونان سوى واحدة ضمن مئات المحاولات اليائسة التي يقوم بها مهاجرون غير نظاميين للوصول إلى أوروبا. لكن القدر كان له رأي آخر.
فقد أضل القارب طريقه في عرض البحر المتوسط، وبقي ركابه، وعددهم 48 شخصا، ستة أيام كاملة تحت وطأة العطش والجوع، إضافة إلى ظروف جوية سيئة استمرت 48 ساعة على الأقل. وبحسب رواية الناجين، فإن الحالة الصحية للركاب بدأت تتدهور منذ اليوم الثالث، حيث أرهقتهم الأمواج العالية والرياح القوية، فيما نفدت آخر قطرة ماء وشيء من طعام بحلول اليوم الرابع.
مع حلول اليوم الخامس، بدأت الوفيات تتوالى. جفاف، إرهاق، وانخفاض حاد في درجة حرارة الجسم بسبب العواصف، كلها عوامل اجتمعت لتجعل من القارب المطاطي مقبرة عائمة. وبحسب ما أفاد به الناجون للسلطات اليونانية، فإن جثث الضحايا الـ22 لم تبق على متن القارب طويلا، إذ صدر أمر من أحد المهربين بإلقائها في البحر.
أوامر بإلقاء الجثث
التفاصيل التي رواها الناجون تصدم الوعي الإنساني. فمع ارتفاع عدد الوفيات داخل القارب الضيق، وبدء الجثث تتحلل تحت أشعة الشمس الحارقة وفي حيز لا يتسع لأجساد الأحياء، أصدر أحد المهربين – وهما شابان من جنوب السودان يبلغان من العمر 19 و22 عاما – أمرا بإلقاء الموتى في البحر.
الناجون، الذين كان بعضهم على وشك الموت هم أنفسهم، لم يملكوا قوة الرفض. جرى إلقاء 22 جثة في مياه المتوسط العميقة، وسط صمت ثقيل وصدمة نفسية لا تزال ترافق الناجين حتى بعد إنقاذهم. وبعد ستة أيام من المعاناة، وبالقرب من جزيرة كريت اليونانية، تمكن خفر السواحل من إنقاذ 26 شخصا كانوا لا يزالون على قيد الحياة، وجميعهم في حالة متقدمة من الجفاف والإرهاق.
هوية الناجين وملاحقة المهربين
كشفت السلطات اليونانية لاحقا عن هوية الناجين الـ26، وهم: 21 شخصا من بنغلاديش، وأربعة من جنوب السودان، وشخص واحد من تشاد. جميعهم نقلوا إلى مستشفيات في جزيرة كريت لتلقي العلاج اللازم، فيما فتحت النيابة العامة تحقيقا عاجلا في الحادثة.
المهربان الشابان، المنحدران من جنوب السودان، لم يكونا مجرد راكبين على متن القارب، بل يتهمهما الناجون بتنظيم الرحلة وإدارة شؤونها خلال الأيام الستة الكابوسية. وقد جرى توقيفهما فور وصول القارب إلى المياه الإقليمية اليونانية، ويواجهان حاليا تهما خطيرة تشمل “الدخول غير القانوني إلى البلاد” و”القتل غير المعتمد نتيجة الإهمال”.
المحكمة اليونانية لم تصدر بعد حكمها في القضية، لكن مراقبين يتوقعون أحكاما مشددة بالنظر إلى عدد الضحايا والظروف المروعة التي رافقت الرحلة.
أرقام صادمة: وفيات المهاجرين تتضاعف
هذه المأساة ليست معزولة، بل تأتي في سياق تصاعد مقلق لعدد ضحايا الهجرة غير النظامية في البحر المتوسط خلال الشهرين الأولين من العام الجاري. وكشفت الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل “فرونتكس” أن عدد المهاجرين الذين لقوا حتفهم أثناء محاولة الوصول إلى الاتحاد الأوروبي قد تضاعف أكثر من مرتين مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي.
وبحسب أرقام المنظمة الدولية للهجرة، فقد لقي نحو 660 شخصا في البحر المتوسط حتفهم خلال شهري يناير وفبراير، مقابل 287 في الفترة نفسها من العام الماضي، أي بزيادة نسبتها 128 بالمئة. ومعنى ذلك أن الكلفة البشرية لهذه الرحلات المحفوفة بالمخاطر في تزايد مستمر، رغم انخفاض عدد محاولات العبور غير النظامي لحدود الاتحاد الأوروبي بنسبة 52 بالمئة خلال الفترة نفسها.
هذا التناقض – انخفاض عدد المحاولات مقابل ارتفاع حاد في عدد الوفيات – يشير إلى أن الرحلات التي تتم حاليا أصبحت أكثر خطورة مما كانت عليه، وأن المهربين يدفعون بالمهاجرين في قوارب أقل صلاحية وبظروف أكثر قسوة.
حوادث متكررة في طريق ليبيا – كريت
طريق البحر المتوسط بين ليبيا وجزيرة كريت اليونانية لم يعد مجهولا لدى خفر السواحل الأوروبيين، فالحوادث على هذا الخط تتكرر بشكل مقلق. ففي التاسع عشر من فبراير الماضي فقط، انقلب قارب هجرة غير نظامي منطلق من ليبيا على بعد حوالي 20 ميلا بحريا من جزيرة كريت، مما أسفر عن وفاة 30 شخصا، بينما تم إنقاذ 20 آخرين، من بينهم أربعة دون سن الثامنة عشرة.
هذه الحوادث المتكررة تثير تساؤلات جدية حول قدرة السلطات اليونانية والأوروبية على تأمين هذا الطريق البحري، وحول جدوى سياسات الردع والترحيل التي تنتهجها الدول الأوروبية في مواجهة تدفق المهاجرين.
الأمم المتحدة تحذر: شبكات التهريب تستغل اليائسين
من جانبها، علقت الأمم المتحدة على حوادث الغرق المتكررة، وخاصة مع بداية هذا العام، داعية إلى تكثيف جهود البحث والإنقاذ في وسط البحر المتوسط لإنقاذ الأرواح، وضمان الإنزال الآمن للمهاجرين، وتعزيز التعاون الإقليمي بين دول جنوب المتوسط وشماله.
وحذرت المنظمة الأممية من أن شبكات الاتجار بالبشر وتهريبهم لا تزال تستغل المهاجرين على طول طريق وسط البحر المتوسط، مستفيدة من عمليات العبور الخطرة في قوارب غير صالحة للإبحار، بينما تُعرض الناس لانتهاكات ومخاطر جسيمة على سلامتهم. وأشارت إلى أن هذه الشبكات غالبا ما تكون خلف إعطاء أوهام للمهاجرين بأن الرحلة آمنة، بينما الحقائق على الأرض تقول غير ذلك تماما.
طريق الموت لا يغلق
ما حدث قبالة سواحل كريت ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل من المآسي الإنسانية التي يشهدها البحر المتوسط عاما بعد عام. المهاجرون الذين يغامرون بحياتهم على متن قوارب مطاطية لا تتحمل أدنى عاصفة، ليسوا مجرد أرقام في تقارير المنظمات الدولية، بل بشر مثلهم مثل غيرهم، كانوا يحلمون بغد أفضل، فإذا بهم يواجهون الموت عطشا وجوعا وبردا في عرض البحر.
المهربان الشابان اللذان ينتظران المحاكمة في اليونان، وراءهما شبكات أكبر وأكثر تنظيما، تمتهن الاتجار بآلام البشر وأحلامهم. وحتى يتم تفكيك هذه الشبكات، وتوفير طرق آمنة وقانونية للجوء والهجرة، فإن مياه المتوسط ستظل شاهدة على المزيد من القوارب المطاطية التي تتحول إلى مقابر عائمة.



