مسؤول سابق بالمركزي يفضح وهم مجاراة السوق السوداء ويكشف تناقضات سياسات السيولة
غيث: طباعة النقد تعكس شح السيولة وتتناقض مع مسار الدفع الإلكتروني
ليبيا 24:
غيث: ضخ الدولار يخفض السوق السوداء مؤقتا ولا يجاري الطلب غير الشرعي
في مشهد اقتصادي معقد تتقاطع فيه تداعيات الانقسام المؤسسي مع تعقيدات التمويل، كشف العضو السابق في مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي، امراجع غيث، عن حجم التحديات التي تعيق قدرة المؤسسة المصرفية على كبح جماح السوق الموازية، معتبرا أن الإجراءات الرسمية، حتى في حال ضخ الدولار، لا تتعدى كونها مسكنات مؤقتة لا ترقى إلى مستوى المعالجة الجذرية للخلل القائم.
الطلب غير القانوني يتحدى آليات الضبط
وأوضح غيث، في تصريحات تلفزيونية، أن السوق السوداء تحركها معطيات غير معلنة بالكامل، مما يجعل مهمة مجاراتها مستحيلة بالنسبة لأي مصرف مركزي في الظروف الراهنة.
وأضاف أن المضاربين والمتعاملين في هذه السوق هم من يتحكمون في مؤشراتها، في مقابل عجز المؤسسة الرسمية عن تحديد حجم الاحتياجات الفعلية التي تتحكم في حركتها يوما بعد يوم.
وبينما يمكن تتبع السوق الرسمية عبر الاعتمادات المستندية والدراسات الميدانية، فإن السوق الموازية، بحسب غيث، تمثل منطقة رمادية يصعب معها رسم سياسات دقيقة قادرة على امتصاص الصدمات.
طباعة النقد.. حل مؤقت يعمق التناقض
في قراءة نقدية لسياسة إدارة السيولة، اعتبر غيث أن اللجوء إلى طباعة العملة من جديد لا يحمل سوى رسالة واحدة مفادها وجود نقص حاد في السيولة النقدية بالسوق المحلي.
غير أنه أثار إشكالية منهجية تتمثل في التناقض الظاهر بين هذا التوجه وبين الحملات الرسمية التي تشجع على التحول إلى الدفع الإلكتروني وتقليل الاعتماد على الورق النقدي.
ويرى غيث أن زيادة المعروض النقدي بهذا الشكل تتعارض تماما مع الاستراتيجية التي يسعى المصرف المركزي لترسيخها، مما يضع الساسة النقديين أمام معادلة صعبة تجمع بين ضرورة توفير السيولة للمواطنين والحاجة إلى تحديث البنية التحتية للدفوعات.
استعادة الثقة.. معادلة تتجاوز قدرات المركزي المنفرد
ورفض المراجع السابق اختزال ملف استعادة الثقة في القطاع المصرفي بدور المؤسسة الواحدة، مشددا على أن المصرف المركزي يمتلك الرغبة والأدوات الجزئية لإعادة الثقة إلى المتعاملين، لكن نجاح هذه المهمة يظل رهنا بتكامل أداء الأجهزة الحكومية الأخرى والوزارات ذات الاختصاص.
وأكد أن تحميل المركزي مسؤولية شؤون الدولة كلها في ظل تعقيد المشهد السياسي والاقتصادي يعد أمرا غير ممكن، في إشارة إلى تفاقم الأعباء الملقاة على عاتق المؤسسة المالية في ظل غياب رؤية موحدة للسياسات المالية العامة.
قصر الاستيراد شرط أساسي لكسر الاحتكار
وفي ختام حديثه، عاد غيث إلى الجذر الرئيسي لتفشي ظاهرة السوق السوداء، داعيا إلى حصر كافة عمليات الاستيراد عبر القنوات الرسمية التي يشرف عليها مصرف ليبيا المركزي، سواء من خلال الاعتمادات المستندية أو التحويلات النظامية.
ووصف السوق الموازية بأنها كيان غير شرعي وغير قانوني لا يعود على الدولة بأي فائدة، بل يسهم في تعميق الاحتكار واتساع رقعة المضاربة على العملة، ما يستدعي تشديد الرقابة على المنافذ وإغلاق أي منافذ للاستيراد الموازي الذي يغذي هذه السوق.
تأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه ليبيا حالة من الجمود السياسي تنعكس بشكل مباشر على أداء المؤسسات المالية، وسط توقعات مراقبين باستمرار الضغط على سعر صرف الدينار في السوق الموازية طالما بقيت إجراءات ضبط التجارة الخارجية دون المستوى المطلوب.



