إدريس احميد يكتب.. أولوية ليبيا: بناء الدولة أولًا أم ديمقراطية مؤجلة؟
ليبيا 24:
في ليبيا، لم يعد السؤال الحقيقي: هل نريد الديمقراطية؟ بل: هل يمكن أصلًا الحديث عن الديمقراطية في ظل غياب الدولة، وانتشار السلاح، وتراجع القانون، وغياب الحد الأدنى من الأمن والاستقرار؟ فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات وصناديق اقتراع، بل هي منظومة تبدأ من الإنسان، من وعيه، ومن احترامه للقانون، ومن إيمانه بحق الآخر في الاختلاف، ثم تُبنى على مؤسسات قوية تحميها.
لقد ظن كثير من الليبيين، عند الخروج على النظام في عام ثورة 17 فبراير، أن إسقاطه سيكون كافيًا لفتح الطريق نحو دولة المؤسسات والمصالحة والعدالة.
ساد وقتها تفاؤل واسع بأن البلاد ستدخل مرحلة جديدة، وأن الاستبداد سينتهي لتحل محله دولة القانون. لكن ما حدث لاحقًا كشف أن إسقاط النظام لا يعني بالضرورة بناء الدولة، وأن غياب رؤية واضحة لليوم التالي قد يحول الأمل إلى فراغ، والحرية إلى فوضى.
الخطأ الأكبر لم يكن في الرغبة في التغيير، بل في الاعتقاد بأن سقوط رأس النظام كفيل وحده بإنتاج نظام جديد. فقد كانت ليبيا، بحكم طبيعة نظامها السابق، تعتمد بشكل كبير على مركزية السلطة وضعف المؤسسات الوسيطة.
وكان من الواضح أن أي انتقال يحتاج إلى خطة دقيقة تحفظ مؤسسات الدولة، وتضبط الأمن، وتمنع الانهيار لكن المرحلة الانتقالية شهدت قصورًا واضحًا في إدارة الملفات الحساسة، وعلى رأسها ملف السلاح، وإعادة بناء الأجهزة الأمنية، وإدارة التوازنات الوطنية.
وهنا يطرح الليبي سؤالًا مشروعًا: أين كانت القيادات التي أدارت المرحلة الانتقالية، وفي مقدمتها المجلس الوطني الانتقالي؟ وكيف لم يُؤخذ في الحسبان خطر الفراغ، مع معرفة الجميع بأن الدولة كانت شديدة الارتباط بالنظام المركزي؟ صحيح أن المرحلة كانت معقدة، لكن من الواضح أن غياب خطة جادة لليوم التالي، وضعف آليات نزع السلاح، وغياب العدالة الانتقالية والمصالحة، فتح الباب أمام اختلالات خطيرة.
لقد برزت بعد 2011 مجموعات مسلحة متعددة، بعضها برر استمرار حمله للسلاح بأنه يحمي الثورة، بينما تشكلت أيضًا مليشيات جديدة بعد إعلان التحرير، تحولت في حالات كثيرة إلى مراكز نفوذ تتنافس على السلطة والموارد.
وفي المقابل، كانت هناك أطراف ومناطق سلّمت سلاحها، ولم تنخرط في مسارات الانتقام أو الفوضى وهذا يعني أن التعميم لا يخدم الحقيقة، لكن من الواضح أيضًا أن استمرار السلاح خارج الدولة كان من أكبر أسباب تعثر ليبيا.
ولا يعقل أن تفرض أطراف مسلحة نفسها وصية على ملايين الليبيين، فتحتفظ بسلاحها، وترفض الاندماج في مؤسسات الجيش والشرطة، ثم تتحدث في الوقت نفسه عن الديمقراطية.
فالديمقراطية لا تُبنى تحت تهديد السلاح، ولا يمكن أن تنجح في ظل جماعات تفرض إرادتها بالقوة، أو تعتبر نفسها فوق الدولة.
الليبيون وحدهم أصحاب الحق في تقرير مستقبلهم، وهم الأقدر على تحديد أولوياتهم، بعيدًا عن فرض الأمر الواقع أو ابتزاز القوة.
كما أن المشكلة لا تقتصر على السلاح وحده، بل تمتد أيضًا إلى بعض من يرفعون خطاب الديمقراطية في الإعلام والسياسة والثقافة، بينما يمارسون في الواقع سلوكًا يناقضها.
فالديمقراطية ليست كلمات تُقال في البرامج والندوات، ولا شعارات تُستخدم لتصفية الحسابات أو خدمة مصالح ضيقة ومن يرفض الرأي الآخر، أو يبرر الإقصاء، أو يحرّض على الكراهية، أو يربط مواقفه بأجندات خاصة، لا يخدم الديمقراطية مهما رفع من شعاراتها.
كما يجب الإشارة إلى أن جزءًا من الإشكال لا يتعلق فقط بالداخل الليبي، بل أيضًا بمدى إدراك الليبيين لطبيعة التحولات في المصالح الدولية.
فالعالم لا يتحرك وفق العواطف أو الشعارات، بل وفق المصالح والوقائع على الأرض. وفي ظل هذا الواقع، ومع استمرار حالة الهشاشة والانقسام داخل ليبيا، تصبح الدولة غير قادرة على حماية مصالحها أو فرض إرادتها بشكل كامل.
والأخطر من ذلك أن الأطراف الدولية، التي تدرك تفاصيل المشهد الليبي بدقة، قد تتعامل مع هذا الواقع كفرصة أو ذريعة لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية أو استراتيجية، لا تكون بالضرورة منسجمة مع المصلحة الوطنية الليبية.
لذلك فإن ضعف الدولة لا يفتح فقط باب التدخل، بل يفتح أيضًا باب إعادة تشكيل المصالح فوق الأرض الليبية بعيدًا عن قرارها السيادي.
ثم إن الديمقراطية، في معناها العميق، ليست مجرد آلية حكم، بل ثقافة تبدأ من البيت، ومن طريقة تعامل الأب مع أسرته، ومن قبول الرأي الآخر، ومن احترام المرأة، ومن تعليم الأبناء الحوار بدل الطاعة العمياء.
فكيف نبني دولة ديمقراطية، إذا كنا لا نمارس أبسط قيمها في حياتنا اليومية؟ وكيف نطلب من المجتمع قبول الاختلاف السياسي، إذا كان كثير منا لا يقبل الاختلاف داخل أسرته أو قبيلته؟
ولذلك، فإن الحديث عن الديمقراطية لا يرتبط فقط بالمدن الحديثة أو بالمجتمعات المتعلمة، بل يرتبط أساسًا بمدى احترام الإنسان للعدل والنظام والقانون. فقد يكون الإنسان بسيط التعليم، لكنه أكثر التزامًا واحترامًا للحق من غيره.
ومع ذلك، فإن التعليم الجيد، والبيئة العمرانية المنظمة، والمدارس، والحدائق، والأنشطة، كلها عناصر تساعد في بناء مواطن أكثر وعيًا واتزانًا، وأقل ميلًا للعنف والتعصب.
وفي ليبيا، لا يمكن تجاهل أثر التركيبة القبلية والاجتماعية فالقبيلة ليست مشكلة في ذاتها، لكنها تصبح عائقًا حين تتحول إلى بديل عن الدولة، أو حين يُقدَّم الولاء الضيق على المواطنة، أو حين يصبح العرف أقوى من القانون ففي غياب دولة عادلة، تضيع الحقوق، ويعلو صوت النفوذ، ويشعر الضعيف بأنه بلا حماية.
كما لا يمكن تجاهل أن المواطن الليبي اليوم يعيش أزمة حقيقية تتجاوز السياسة إلى تفاصيل حياته اليومية فهو يعاني من تراجع الأمن، ومن الفساد المالي والإداري، ومن ضعف التعليم، وتردي الخدمات الصحية، وارتفاع الأسعار، وضعف الدخل، وأزمة السكن، وغياب فرص العمل.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح من الطبيعي أن تكون أولوية الليبي اليوم: دولة تحميه، وقانون ينصفه، وخدمات تحفظ كرامته فالإنسان الذي لا يجد علاجًا، أو وظيفة، أو أمانًا، لن يرى الديمقراطية أولوية عاجلة، مهما كانت أهميتها على المدى البعيد.
لكن هذا لا يعني أن الحل هو العودة إلى الاستبداد، ولا أن الاستقرار يبرر غياب الحقوق المطلوب ليس الفوضى باسم الحرية، ولا القبضة المطلقة باسم الأمن، بل دولة قوية عادلة، تحتكر السلاح، وتفرض القانون على الجميع، وتعيد بناء المؤسسات، وتخضع للمساءلة.
ولهذا، فإن الطريق الواقعي لليبيا اليوم يبدأ من الأولويات الحقيقية: بسط الأمن، وتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، وإنهاء السلاح خارج الدولة، ومحاربة الفساد، وإصلاح التعليم والصحة، وخلق فرص عمل، وتنشيط القطاع الخاص، ودعم الأسرة، وبناء ثقافة الحوار.
فالديمقراطية ليست نقطة البداية، بل ثمرة بناء طويل. وهي لا تُفرض بالشعارات، ولا تُولد من الفوضى، بل تُبنى بصبر، وبمؤسسات قوية، وبمجتمع يتعلم احترام القانون قبل المطالبة بالسلطة.
ولهذا، فإن أولوية ليبيا اليوم ليست الاختيار بين الديمقراطية والدولة، بل بناء دولة قوية عادلة، تحمي السيادة، وتصون الثروات، وتعيد للمواطن ثقته، لتكون الطريق الحقيقي نحو ديمقراطية ممكنة ومستدامة.



