ليبيا 24:
ليبيا.. حيث تسعى الدولة لاقتحام الجدران المغلقة
في بلد أنهكته الانقسامات السياسية وحروب الميليشيات وصراع الموارد، تبدو المعارك التي تدور رحاها خلف أبواب البيوت المغلقة في ليبيا أقل ظهوراً للعيان، لكنها قد تكون الأكثر دموية من حيث تراكم الضحايا على المدى البعيد.
مشروع “قانون مكافحة العنف الأسري”، الذي يخضع حالياً للتمحيص في أروقة مجلس النواب، ليس مجرد وثيقة قانونية جديدة ترمى في أدراج التشريعات المعطلة، بل هو محاولة غير مسبوقة لإعادة تعريف العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، وبين الفرد ومحيطه الأكثر حميمية.
إنه اختبار حقيقي لمدى قدرة المشرع الليبي على النفاذ إلى مربع لطالما ظل بعيداً عن متناول السلطة التنفيذية والقضائية: مربع الأسرة.
تشريح ظاهرة في مهب العواصف الاجتماعية
لطالما تعاملت المنظومة القانونية الليبية مع جرائم العنف داخل الأسرة من خلال النصوص العامة في قانون العقوبات، وهي نصوص وُضعت في الأساس لمعاقبة اعتداءات تحدث في الفضاء العام بين غرباء.
هذا النهج، بحسب مختصين ومشرعين، يغفل الطبيعة المركبة والمعقدة للعنف الذي يمارسه قريب أو زوج أو أحد الوالدين.
إنه عنف يختبئ وراء مفهوم “الستر العائلي” و “حق التأديب”، ويستند إلى تبعية اقتصادية أو هيمنة نفسية تعجز النصوص التقليدية عن تفكيكها.
وتجادل انتصار شنيب، رئيسة لجنة شؤون المرأة والطفل بمجلس النواب، بأن اللحظة الراهنة تستدعي جرأة تشريعية غير معتادة.
فالفراغ القانوني لا يقتصر على غياب تعريف دقيق للعنف النفسي الذي يدمّر الشخصية دون ترك كدمة زرقاء، ولا للعنف الاقتصادي الذي يحوّل الزوجة أو الأبناء إلى رهائن مال، بل يمتد إلى غياب آليات التدخل المبكر.
في الواقع، كانت أجهزة إنفاذ القانون تصل دائماً متأخرة، إما بعد أن يكون الضرر الجسيم قد وقع، أو بعد أن تكون ديناميكيات الخوف والترهيب قد حسمت المعركة لصالح الجاني داخل الجدران الأربعة.
من منطق رد الفعل إلى هندسة الوقاية
يمثل التحول من “رد الفعل” إلى “الوقاية” حجر الزاوية الفلسفي في مشروع القانون الجديد.
فبدلاً من انتظار بلاغ يصل إلى مركز الشرطة عن ضرب مبرح أو تهديد بالقتل، يسعى المشروع إلى تمكين الدولة من رصد المؤشرات المبكرة للخلل الأسري.
هذا يتطلب بالضرورة خلق أدوات قانونية جديدة، مثل أوامر الحماية العاجلة التي تسمح بإبعاد المعتدي عن بيت الضحية مؤقتاً، أو إخضاعه لبرامج تأهيل نفسي وسلوكي إلزامية، وهو ما يعد اقتحاماً تشريعياً غير مسبوق للسياج الذي طالما حظيت به الأسرة في المنطقة.
لكن هذه النقلة النوعية تثير أسئلة شائكة حول حدود تدخل الدولة، ففي مجتمع محافظ مثل المجتمع الليبي، حيث تمثل العائلة شبكة الأمان الاجتماعي الأولى في غياب مؤسسات الدولة القوية، يُنظر إلى أي تدخل “خارجي” بعين الريبة.
هناك خشية مشروعة من أن تتحول النصوص التشريعية الحميدة إلى أداة لتفكيك وحدة الأسرة بدلاً من حمايتها، أو أن تُستخدم كذريعة في نزاعات النفقة والحضانة.
غير أن شنيب تؤكد أن فلسفة المشروع تقوم على معادلة صعبة لكنها ضرورية: حماية تماسك الأسرة لا تكون بالتغاضي عن انتهاكات تحدث داخلها، بل بوقف نزيف هذه الانتهاكات الذي يقوض الثقة ويدمر القدرة على الاستمرار ككيان سليم.
فما الفائدة من أسرة متماسكة شكلاً بينما هي مفككة من الداخل بالعنف والصمت؟
شمولية الحماية.. نسف للصورة النمطية
من أبرز التحولات التي يكرسها هذا المشروع هو توسيع نطاق مفهوم “الضحية”، فعلى النقيض من الصورة النمطية التي تحصر العنف الأسري في علاقة الزوج بزوجته، فإن النقاش البرلماني يتجه نحو إقرار نص يغطي كل من يشارك سقفاً واحداً.
وهذا يعني أن القانون لن يقتصر على حماية النساء فقط، بل سيشمل الأطفال الذين قد يكونون ضحايا لإهمال أو إيذاء نفسي من أحد الوالدين، وكبار السن الذين قد يُستغلون مالياً أو يُهملون صحياً، وذوي الإعاقة الذين قد يكونون الأكثر عرضة للاستغلال بسبب ضعفهم الجسدي.
المفارقة التي تثيرها اللجنة التشريعية أن نطاق الحماية يمتد ليشمل الرجال أيضاً، وهذه النقطة بالذات تُعد نقلة نوعية في فهم الظاهرة في السياق الليبي، حيث يكاد الحديث عن “الرجل المعنف” أن يكون من الطابوهات.
ومع أن الإحصاءات العالمية تشير إلى أن الغالبية العظمى من الضحايا هن النساء، إلا أن الإقرار القانوني بأن الأب أو الأخ أو الابن قد يكون في موضع ضعف نفسي أو اقتصادي داخل أسرته، وأنه يستحق الحماية أسوة بغيره، يمنح القانون قوة أخلاقية ومنطقاً دفاعياً ضد اتهامات “التحيز الجندري”.
إنه يحوّل القضية من صراع بين الجنسين إلى معركة مجتمعية ضد الظلم أياً كان مصدره أو متلقيه.
بين جدران البرلمان وصخور الواقع
لكن التحدي الأبرز لا يكمن في لغة الصياغة القانونية، بل في مسافة الاشتباك مع واقع الدولة الليبية الممزقة.
فالحديث عن “تدخل مبكر” و”أوامر حماية عاجلة” يبدو نوعاً من الترف الفكري في بلد يعاني فيه القضاء من انقسام حاد، وتعاني فيه مراكز الشرطة من نقص في العتاد والتدريب، وتغيب فيه بالكلية دور الإيواء الآمنة التي يمكن إرسال الضحايا إليها.
كيف يمكن تطبيق قانون يمنح الشرطة سلطة إخراج معتدٍ من منزله في ظل غياب جهاز شرطة محايد ومهني في كل ربوع البلاد؟ وكيف يمكن إخضاع الجناة لبرامج تأهيل نفسي في ظل انهيار المنظومة الصحية والدعم النفسي؟ هذه الأسئلة تجعل مشروع القانون يبدو أحياناً كقصر مشيد على رمال متحركة.
يدرك المشتغلون على النص هذه الإشكالية جيداً، ويقرون بأن القانون وحده لن يصنع المعجزات، لكنهم يرون فيه ضرورة تأسيسية.
فوجود نص تشريعي متكامل هو الخطوة الأولى نحو بناء المؤسسات، وليس العكس، إنه يمنح الضحايا المحتملين سنداً قانونياً يمكن الاستناد إليه في المستقبل، ويمثل ضغطاً على السلطات التنفيذية لتهيئة البيئة الحاضنة له.
الإرث القضائي والاختبار المجتمعي
ثمة عقبة أخرى تتمثل في المزاج القضائي السائد. فالقضاة في ليبيا، مثلهم مثل أغلب شرائح المجتمع، متأثرون بثقافة “عدم التدخل في شؤون الأسرة”.
قد يجد القاضي في النصوص القديمة ما يبرر به تخفيف العقوبة على زوج معتدٍ بحجة “الشرف” أو “الغيرة”.
مشروع القانون الجديد، إن أُقر، سيكون بمثابة صفعة لهذا المزاج، وسيختبر مدى استعداد السلطة القضائية لتجاوز الأعراف الراسخة نحو تطبيق حرفية القانون.
إن نجاح أي تشريع لا يقاس بنبل مقاصده فحسب، بل بجرأة من يطبقه، ففي نهاية المطاف، سيكون القاضي الذي يجلس خلف منصته الخشبية هو الذي سيقرر ما إذا كان التهديد اللفظي المستمر يشكل عنفاً نفسياً يعاقب عليه القانون، أم مجرد “سوء تفاهم زوجي” يُطوى في ملف.
يبقى مشروع قانون مكافحة العنف الأسري في ليبيا وثيقة مفعمة بالطموح بقدر ما هي محفوفة بالمخاطر.
إنه يحاول أن يبني جسراً هشاً بين ضرورة حماية الحريات الفردية وكرامة الإنسان، وبين رغبة المجتمع في الحفاظ على هويته وقيمه.
في بلد أنهكته الحروب، قد يكون أشد الحروب ضراوة تلك التي لا تسمع دوي قذائفها، بل أنين ضحاياها خلف جدران لا تجرؤ الدولة على هدمها بعد.
النجاح في تمرير هذا القانون سيكون انتصاراً رمزياً كبيراً، لكن الانتصار الحقيقي سيكون يوم يجد هذا القانون طريقه من أدراج البرلمان إلى واقع يحمي فيه الأبرياء، ويؤدب فيه الجناة، ويصون فيه كرامة الأسرة الليبية دون أن يهدم أركانها.



