طرابلس تشهد تحولاً نقدياً: الدينار يستنشق هواء التعافي وبوادر اصطفاف مالي
المركزي الليبي يضخ المليار دولار الأولي نقداً ويُعلن موعد الصرف
ليبيا 24
ليبيا تفتح خزائن النقد الأجنبي للمواطنين لترويض السوق الموازية
من مقر مصرف ليبيا المركزي المطل على كورنيش طرابلس، انطلقت صباح اليوم شرارة عملية مالية يصفها مراقبون بأنها قد تعيد تعريف علاقة الليبيين بعملتهم الوطنية بعد عقد من الفوضى النقدية. ليس هذا بياناً سياسياً عابراً، ولا إجراءً بيروقراطياً روتينياً، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة العميقة اقتصادياً على استعادة أداتها الأكثر حساسية: إدارة النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية.
في التاسع والعشرين من أبريل، شرعت المصارف التجارية في تسلّم أولى شرائح الدفعة النقدية البالغة خمسمئة مليون دولار، من أصل مليار مقررة كمرحلة أولى، تمهيداً لبدء الصرف الفعلي للمواطنين في الثالث من مايو. هذا التاريخ ليس مجرد يوم في روزنامة مصرفية؛ إنه تتويج لمسار معقد من إعادة بناء الثقة المحلية والدولية، ومحاولة محسوبة لانتزاع شريان الحياة المالي من قبضة تجار السوق السوداء الذين تحكموا في سعر صرف الدينار طيلة سنوات الانقسام.
فك اشتباك العقدة المستحيلة: لماذا الآن؟
يكشف عضو لجنة السياسة النقدية بالمصرف المركزي، أيوب الفارسي، في حديث خاص، عن الإطار الاستراتيجي الذي سبق هذه اللحظة. لم يكن القرار وليد صدفة، بل تحركاً مبنياً على تقدير مفصل لمعادلة السيولة. فبعد أن نجح النظام المصرفي الليبي في تجاوز عقبة العزلة الدولية تدريجياً، واستعادة الحد الأدنى من الثقة المتآكلة عبر سلسلة إجراءات تصحيحية، بات من الممكن نقل المعركة ضد السوق الموازية إلى ميدان جديد.
يقول الفارسي: “إن توفير العملة الصعبة نقداً عبر المصارف هو تتويج لدور المركزي كوسيط بين الأطراف السياسية المختلفة. لقد حثثنا الحكومات على ترشيد الإنفاق والوصول إلى ميزانية موحدة، وكان المصرف المركزي حجر الزاوية في هذا المسار. هذه الخطوة تمثل دفعة كبرى لإعادة الثقة في القطاع المصرفي الذي عانى طويلاً من كونه مجرد واجهة بينما النشاط الحقيقي يدور في الأزقة الخلفية للصرافين غير المرخصين”.
جوهر التحول يكمن في طبيعة الخدمة. لعقود، كانت العملة الأجنبية المتاحة للمواطن الليبي محصورة في بطاقات ائتمانية دولية صالحة للاستخدام خارج البلاد حصراً. هذا القيد الوظيفي خلق سوقاً موازية مركبة، حيث كان المواطن العادي يلجأ إلى بيع “حدوده الائتمانية” لتجار العملة مقابل خصم فوري، في عملية مالية ملتوية أفقدت التدخل الرسمي أي أثر إيجابي على معيشة الناس داخل ليبيا. يوضح الفارسي: “الآلية الجديدة ستسحب هذا الحافز من التاجر والمضارب. فالمواطن بات بإمكانه استلام قيمته المالية كاملة نقداً بيده، دون وسيط ودون خصم. هذا سيقلل الطلب على السوق الموازي لهذا الغرض تحديداً، وسيعيد النقد الأجنبي لوظيفته الطبيعية كأداة للمبادلات الحقيقية، لا أداة للمقامرة على سعر الصرف”.
الانتصار الرمزي للسعر: من 10.75 إلى 7.75 دينار
لا يمكن فصل إعلان اليوم عن الحركة الزلزالية التي ضربت السوق السوداء فور تسريب أنباء الآلية الجديدة. يقدم المحلل الاقتصادي ورئيس منتدى بنغازي للتطوير، خالد بوزعكوك، صورة بالأرقام لفجوة كانت تبتلع أي أمل بالاستقرار. يقول: “في السوق الموازي، سجل سعر صرف الدولار انخفاضاً مذهلاً ليستقر عند 7.75 دينار، بعد أن كان وصل في ذروة جنون المضاربة إلى حدود 10.75 ديناراً. هذا الانخفاض المتسارع، الذي قلص الفجوة مع السعر الرسمي البالغ 6.40 دينار إلى نحو دينار وربع فقط بعد أن كانت تتراوح بين خمسة وستة دنانير، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الإجراءات المتبعة سليمة وأن هناك مخزوناً كبيراً من السيولة يمكن المركزي من إدارة السياسة النقدية بكفاءة”.
هذه ليست مجرد عملية تصحيح سعري، بل هي عملية إعادة توزيع رمزية للثقة من شبكات الظل إلى مؤسسات الدولة. يصف بوزعكوك إجراء الحصول على المبلغ بأنه “نقلة نوعية في التسهيل”. فالمواطن يحصل على رمز إلكتروني خاص خلال أربع وعشرين ساعة، يتوجه بعدها إلى مصرفه التجاري لإيداع القيمة بالدينار أو تحويلها، ليحصل بعد ذلك على مبلغ ألفي دولار نقداً. إنها عملية تضاهي في سرعتها معاملات الأسواق المتقدمة، وتضرب بعرض الحائط سنوات من البيروقراطية القاتلة. ويضيف: “هذا يأتي في إطار طمأنة السوق. حديث المصرف المركزي عن توفر كميات من العملة الصعبة تتجاوز الملياري دولار يغطي الطلب على بطاقات الأغراض الشخصية لثلاثة أشهر، بخلاف المبالغ المخصصة للاعتمادات المستندية والعلاج في الخارج والدراسة، وهو ما يعطي رسالة واضحة بأن المؤسسة النقدية لا تخادع السوق بل تستند إلى أرضية صلبة من الأصول”.
رصاصة الرحمة على السوق السوداء: تفاؤل حذر
وسط هذه الأجواء الاحتفالية لدى شريحة واسعة من الاقتصاديين، يرتفع صوت واحد أقرب إلى جرس الإنذار. الخبير الاقتصادي الهادي عبد القادر لا يشارك الحماسة ذاتها، بل يرى في المشهد جذور أزمة قادمة. يقول عبد القادر في تصريحاته: “نحن نكرر الأخطاء السابقة. لن تستطيع هذه الآلية توفير كل ما هو مطلوب. الطلب الكامن على العملة الصعبة في الاقتصاد الليبي هائل، والعرض الحكومي سيبقى أقل منه حتماً. ما سيحدث هو انخفاض مؤقت في سعر الدولار بالسوق الموازية، تتبعه موجة ارتفاع جديدة وإقبال محموم فور أن تظهر بوادر شح في نوافذ المصارف. لم نقض على الفجوة بالكامل ولن نقضي عليها بهذه الطريقة”.
تحذير عبد القادر ليس مجرد تشاؤم نظري، بل يستند إلى ديناميكيات الاقتصاد الريعي في ليبيا. نقطة ارتكازه واضحة: لا يمكن بناء صرح على أرض متصدعة. يطالب بتوحيد سعر الصرف بشكل تدريجي لا ارتجالي، ويفرض رقابة مشددة على مكاتب الصرافة التي يراها امتداداً للسوق السوداء وليست بديلاً عنها، مع مزيد من الشفافية في جداول ضخ السيولة لمنع عودة حلقات المضاربة التي تستشعر الخطر قبل حدوثه. إنه يمثل صوت المدرسة التي ترى أن السوق السوداء ليست مجرد مجموعة من الصرافين يمكن سحقهم بتوفير العرض لمرة واحدة، بل هي نسيج معقد من المصالح يضم سياسيين ورجال أعمال وميليشيات، وقد ابتكرت على مدى السنوات آليات للبقاء لا يمكن لمنظومة حجز العملة وحدها تفكيكها.
رحلة الإصلاح من بطن المعاناة: إنفاق مزدوج وعجز مرير
لا يمكن فهم حجم المجازفة التي يقدم عليها المركزي دون الغوص في كهف المالية العامة الليبية خلال السنوات الأخيرة. الأرقام التي خرجت بها تقارير المراقبة المالية ترسم صورة لانتحار اقتصادي بطيء. فقبل أسابيع فقط من إعلان الآلية الجديدة، وتحديداً في أبريل 2025، كشف المركزي أن الإنفاق المزدوج لعام 2024 بلغ 224 مليار دينار، ما كان يعادل وقتها نحو 46 مليار دولار. هذا الرقم لا يمثل فقط هدراً، بل هو سيف مسلط على قيمة العملة. ولم يكن الخفض الذي أقر في 18 يناير الأخير، بنسبة 14.7% لسعر الصرف الرسمي، سوى اعتراف مرير بهذا الواقع بعد أن كان المركزي يحرق الاحتياطيات لمقاومة المنطق الاقتصادي. كان ذلك ثاني خفض رسمي في أقل من عام، ليصل السعر إلى 5.5677 دينار مقابل الدولار، ثم عدل لاحقاً إلى 6.40 في خطوة لاحقة.
يقول الفارسي عن هذه الخلفية الدرامية: “هذه الإجراءات الجديدة ستساهم في التخفيف من حدة الهيمنة المالية التي كانت سبباً رئيسياً في تخفيض قيمة العملة لأكثر من مرة. السياسة المالية المتساهلة والإنفاق خارج السيطرة كانا كالعدو الذي يضرب الدينار من الداخل. اليوم، مع الآلية الجديدة لبيع النقد، ومع الميزانية الموحدة التي نأمل تثبيتها، يمكن للمركزي إدارة السياسة النقدية بأريحية. الدينار الليبي سيبدأ في مرحلة استعادة قوته والتنفس مجدداً أمام العملات الأجنبية”.
الميزانية الموحدة: المفتاح المفقود وانفراجة الـ190 مليار دينار
وصلت ليبيا قبل أقل من أسبوعين من إعلان اليوم إلى لحظة فارقة. بعد ثلاثة عشر عاماً من الانقسام المالي، توافق مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة على ميزانية موحدة بقيمة 190 مليار دينار ليبي (ما يعادل زهاء 29.95 مليار دولار بسعر الصرف الحالي). هذه الميزانية، التي أعلن عنها عبدالجليل الشاوش ممثل المجلس الأعلى للدولة، ليست مجرد وثيقة محاسبية. إنها تتويج لجهود المركزي الذي جعل من إصدار أي ميزانية دون غطاء قانوني موحد خطاً أحمر. هنا تكمن العبقرية الاستراتيجية لتوقيت الإعلان عن بيع الدولار نقداً. فمن جهة، توجد الآن خريطة إنفاق معتمدة تمنح المركزي غطاءً لإدارة السيولة دون مفاجآت مالية طارئة. ومن جهة أخرى، يأتي ضخ النقد كعربون ثقة بأن هذا التوافق السياسي الهش سيعود بثمار فورية على حياة الليبيين، مما يمنح النخب السياسية حافزاً للاستمرار في مسار الوحدة.
يقول بوزعكوك: “المواطن لن يلمس فقط سعر الصرف وهو يتحسن، بل سيرى أن التوافق السياسي أدى إلى أن يمسك بعملة صعبة حقيقية في يده. هذا رابط نفسي واقتصادي في غاية القوة”. ويضيف: “الآلية الجديدة تأتي كترجمة فورية لاتفاق الميزانية. عندما يكون هناك إنفاق منضبط، تقل الحاجة لطباعة الدينار أو الاقتراض من المركزي، فيقل التضخم ويستقر سعر الصرف الحقيقي. وحينها فقط تصبح آلية توزيع النقد عبر المصارف مستدامة، لا مجرد مسكن مؤقت”.
النفط الذي يخرج من حقول العرق ويدخل متاهات التبديد
المفارقة التاريخية للاقتصاد الليبي تبقى شاهدة على العبث. بلد يحوز أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا بما يقدر بـ 48.4 مليار برميل، وينتج حوالي 1.5 مليون برميل يومياً، ويدر النفط عليه قرابة 96% من صادراته و98% من إيرادات خزينته، يعاني في نفس اللحظة من عجز في العملات الأجنبية بلغ 9 مليارات دولار، رغم أن عائداته النفطية ارتفعت في العام 2025 إلى 22 مليار دولار، بزيادة تخطت 15% عن العام السابق.
هذه الفجوة بين الإيراد الضخم والحاجة الماسة للسيولة الأجنبية هي جوهر الداء. الـ 22 مليار دولار تذهب أين؟ جزء منها يبتلعه الإنفاق المزدوج على مؤسسات متوازية. جزء آخر يذهب لاستيراد سلع في اقتصاد مستورد بالكامل تقريباً. وجزء ثالث يتسرب عبر فساد التوريدات وعقود النفط غير الشفافة. وهنا تظهر حكمة الآلية الجديدة: سحب الطلب على الدولار من دورة المجهول والعبث إلى دورة المراقبة والتدقيق عبر القنوات المصرفية. فبدلاً من أن تذهب المليارات لشراء سلع في أسواق موازية أو تمويل عمليات استيراد غامضة عبر اعتمادات يسيطر عليها متنفذون، سيحصل مئات آلاف المواطنين على سقف محدد يعادل حاجتهم الشخصية، مما يعيد هيكلة الطلب الكلي على العملة الصعبة نحو قاعدة عريضة من الأفراد، بدلاً من قلة من كبار التجار.
ومع ذلك، يشير الهادي عبد القادر إلى أن هذا وحده لا يكفي ما لم يتم ربطه بإصلاح هيكلي لسوق النفط والإنفاق العام. يقول: “المركزي يضخ من احتياطياته، لكن الاحتياطيات تتآكل إذا لم تترجم العائدات النفطية إلى إيداعات فعلية في خزينته. المشكلة أن جزءاً من إيرادات النفط يذهب مباشرة لصناديق وترتيبات خارج الميزانية. إذا استمر هذا، قد نجد أنفسنا أمام أزمة سيولة حادة بعد ستة أشهر من الآن، حينها سينفجر سعر الصرف مجدداً بشكل أخطر”.
ترقب عالمي ونموذج للخروج من الفوضى
بعيداً عن شوارع طرابلس وبنغازي، تراقب الدوائر المالية الدولية هذه التجربة الليبية باهتمام بالغ. ليبيا تقدم دراسة حالة حية لاقتصاد ريعي يمر بمرحلة ما بعد الصراع، حيث المؤسسات النقدية هي الأكثر تماسكاً وقدرة على فرض الأمر الواقع. نجاح أو فشل نموذج “بيع الدولار النقدي المباشر” سيصبح مادة دسمة لخبراء صندوق النقد والبنك الدوليين الذين طالما بحثوا عن وصفات للدول الخارجة من الحروب الأهلية والتي تمتلك عملة محلية محاصرة.
تدرك إدارة المركزي هذه الحساسية. الإعلان عن آلية الحجز المسبق عبر منظومة إلكترونية، والوعد بأعلى معايير الأمان والشفافية، وتخصيص مليار دولار كدفعة أولى، هي رسائل موجهة للداخل بقدر ما هي للشركاء الدوليين. إنها تقول: “لدينا نظام، ولدينا شفافية، ونحن نتحكم في الزمام”. ويرى الفارسي أن ذلك يعكس “نجاح النظام المصرفي الليبي في اكتساب الثقة الدولية”.
بين ضفتي التفاؤل والفشل المتوقع
مع دقات افتتاح المصارف يوم الثالث من مايو، ستبدأ ليبيا اختباراً لم يسبقها إليه إلا دول قليلة عانت من انفصام نقدي حاد. الشارع الليبي، الذي اعتاد على رؤية صورة المركزي كقلعة محاصرة وإجراءاته كتعليمات نظرية لا تلامس واقعه المعاش، سيتحول بنفسه إلى مراقب ومنتفع في آن واحد.
إذا نجحت التجربة وتمكن المواطنون فعلياً من سحب مبلغ الألفي دولار بسلاسة واستمرارية، دون طوابير مذلة أو عراقيل، فإن الضربة ستكون قاضية لسوق سوداء فقدت مبرر وجودها: الوصول إلى العملة الصعبة. أما إذا اصطفت الطوابير لأسابيع، ونفدت المبالغ المخصصة خلال أيام، أو عادت عمليات تسريب المعلومات لتظهر بأن التنفيذيين في المصارف يوجهون السيولة لجهات محددة، فإن المشروع برمته سيتبخر، وستعود السوق السوداء كطائر الفينيق من رماد هذه المحاولة، حاملة معها سعراً أشد فتكاً.
في كواليس القطاع المصرفي، تنتظر كوادر عانت من التهميش دورها في كتابة فصل جديد. موظف الصرافة الذي سيعد أوراق الدولار ويسلمها بيده للمواطن، هو الجندي الأول في حرب استعادة السيادة النقدية. والمحافظ الذي وقع على الإذن بالضخ يدرك أنه وضع رهاناً وجودياً على طاولة صامتة لا ترحم: طاولة سعر الصرف. فإما أن ينخفض سعر الدولار في الأسابيع المقبلة إلى ما دون 7 دنانير، فيكون بذلك قد كتب وصفة علاج لأكبر أمراض الاقتصاد الليبي، وإما أن تبتلع شهية السوق المليار دولار دون أن يتزحزح السعر الموازي قيد أنملة، لتتحول الآلية إلى شاهد قبر آخر يضاف إلى مقبرة الإصلاحات في بلد اعتاد على أن يبدأ من جديد مرات لا تُحصى.
المسألة لم تعد تتعلق بالاقتصاد وحده. إنها عن ثقة المواطن في دولته. فكل ورقة من فئة المئة دولار تسلم عبر الشباك الرسمي هي تصويت صامت لصالح بناء الدولة، في مواجهة اقتصاد الظل الذي ازدهر على أنقاض الوحدة الوطنية. وعندما يمسك الليبي بتلك الورقة في مايو، سيعرف ما إذا كان بإمكانه الرهان على وطنه في رحلة التعافي الطويلة القادمة.



