لقاءات فاليتا.. عندما تتحدث الدبلوماسية العسكرية لغة الاستقرار في البحر الأبيض المتوسط
الفريق أول ركن صدام حفتر في فاليتا.. اعتراف دولي متصاعد بدور المؤسسة العسكرية في صياغة استقرار ليبيا
ليبيا 24- عبدالعزيز الزقم
مالطا تفتح أبوابها للقيادة الليبية.. شراكة أمنية واستراتيجية تعيد تشكيل ديناميكيات المتوسط
الفريق أول ركن صدام حفتر يرسم خارطة تحالفات ليبية أوروبية جديدة من بوابة مالطا
فاليتا ــــــ في مشهد يعكس تحولات عميقة في المشهد الليبي وحضوره الإقليمي والدولي، اختتم نائب القائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية الفريق أول ركن صدام حفتر سلسلة لقاءات رفيعة المستوى في العاصمة المالطية فاليتا، في زيارة وصفتها أوساط دبلوماسية وأكاديمية ليبية بأنها تتجاوز الأطر البروتوكولية التقليدية لتؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات الثنائية بين البلدين الجارين، وترسخ مكانة المؤسسة العسكرية الليبية كفاعل رئيسي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تهدف إلى تحقيق الاستقرار في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
الزيارة التي جرت وقائعها يوم الأحد، حملت في طياتها رسائل متعددة الأبعاد، سياسية وأمنية واستراتيجية، وتوجت بلقاءات متتابعة مع نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية المالطي إيان بورغ، ووزير الداخلية والأمن والعمل المالطي بايرون كاميليري، إضافة إلى لقاء خاص مع رئيس الوزراء المالطي السابق جوزيف موسكات، في تناغم لافت يعكس إدراكا مالطيا راسخا بأن بوابة الاستقرار في الضفة الجنوبية للمتوسط تمر حتما عبر دولة ليبية متماسكة وقوية، وأن المؤسسة العسكرية الليبية تمثل العمود الفقري لهذا التماسك المنشود.
فاليتا تدرك المعادلة.. أمن ليبيا هو أمن مالطا
لم تكن التصريحات الصادرة عن كبار المسؤولين المالطيين خلال هذه الزيارة مجرد مجاملات دبلوماسية عابرة، بل هي خلاصة تقدير استراتيجي عميق فرضته الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة. فعندما يقول نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية إيان بورغ إن “ليبيا الآمنة والمزدهرة أمر لا غنى عنه لتحقيق الأمن والصمود في منطقة البحر الأبيض المتوسط بأكملها”، فإنه يعبر عن قناعة راسخة في أروقة صنع القرار الأوروبي بأن استقرار ليبيا ليس رفاهية أو خيارا، بل هو ضرورة وجودية لدول الضفة الشمالية للمتوسط.
هذه القناعة تجد جذورها في ملفات أمنية شائكة تتقاطع فيها المصالح الليبية المالطية بشكل يومي، وفي مقدمتها ملف الهجرة غير الشرعية الذي يشكل هاجسا مقيما للحكومات الأوروبية المتعاقبة، وملف مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وشبكات التهريب التي حولت البحر المتوسط إلى مسرح لعملياتها. وفي هذا السياق، جاءت المباحثات الموسعة بين الفريق أول ركن صدام حفتر ووزير الداخلية المالطي بايرون كاميليري لتركز على ثلاثة محاور جوهرية: تبادل المعلومات الاستخباراتية، ومكافحة الجريمة المنظمة، والجهود المشتركة للحد من تدفقات الهجرة غير الشرعية.
الوزير كاميليري وضع النقاط على الحروف عندما أكد أن “أمن ليبيا له تأثير مباشر على وسط البحر الأبيض المتوسط وجنوب أوروبا”، مشددا على أهمية التعاون الوثيق لحماية مصالح مواطني البلدين. هذا التصريح لا يحتمل التأويل، وهو اعتراف صريح من مسؤول أوروبي رفيع بأن أي خلل أمني في ليبيا سيمتد تأثيره كالدوائر المتسعة إلى قلب الاتحاد الأوروبي، وهو ما يجعل من دعم المؤسسة العسكرية الليبية في جهودها لبسط الأمن والاستقرار مصلحة أوروبية مباشرة قبل أن تكون مجرد تعاون ثنائي.
جيل جديد من القيادة.. حضور يتجاوز الحدود التقليدية
في تقريرها الذي تزامن مع هذه الزيارة، قدمت صحيفة “تايمز أوف مالطا” توصيفا دقيقا للفريق أول ركن صدام حفتر، واصفة إياه بأنه “شخصية برزت في السنوات الأخيرة داخل الجيش الوطني الليبي، حيث تولى أدوارا عملياتية وقيادية رئيسية”. وأضافت الصحيفة المالطية العريقة أن “المحللين ينظرون على نطاق واسع إلى صدام حفتر باعتباره جزءا من جيل جديد من القيادة داخل الجيش الوطني الليبي”، مشيرة إلى أنه “يتمتع بنفوذ متزايد على القرارات العسكرية والاستراتيجية”.
هذا التوصيف الصادر عن وسيلة إعلام أوروبية محايدة يكتسب أهمية خاصة، فهو يعكس صورة نمت بشكل عضوي في دوائر التحليل الاستراتيجي الغربية حول طبيعة التحولات الجارية داخل المؤسسة العسكرية الليبية. إنه جيل قيادي جديد لا يكتفي بالأداء العملياتي الميداني، بل يتقن أدوات الدبلوماسية العسكرية، ويبني الجسور مع العواصم المؤثرة، ويفهم بعمق تعقيدات المشهد الدولي ومتطلباته.
ولعل ما يعزز هذا التوصيف أن اللقاءات التي عقدها نائب القائد العام في فاليتا لم تقتصر على الجانب الأمني فحسب، بل امتدت لتشمل لقاء مع رئيس الوزراء السابق جوزيف موسكات، في دلالة على بناء شبكة علاقات تمتد لما هو أبعد من الحكومات الحالية، لتشمل شخصيات سياسية مؤثرة ومراكز تفكير وقوى ناعمة تساهم في صياغة صورة ليبيا الجديدة في المحافل الدولية. موسكات نفسه كتب بعد اللقاء: “ناقشنا الوضع في ليبيا والعلاقات بين البلدين”، في عبارة مقتضبة لكنها تحمل إشارات إلى حوار استراتيجي معمق حول مستقبل العلاقات الثنائية.
صوت الداخل الليبي.. إجماع على قراءة جديدة للمشهد
ما ميز هذه الزيارة أيضا هو التفاعل اللافت الذي أبدته النخب الليبية بمختلف توجهاتها، حيث خرجت تحليلات وتدوينات لشخصيات سياسية وأكاديمية ودبلوماسية سابقة، أجمعت في مجملها على أن ما جرى في فاليتا ليس حدثا عابرا، بل هو مؤشر على تحول بنيوي في موقع ليبيا ضمن دوائر التأثير الإقليمية والدولية.
فقد اعتبر المحلل السياسي أحمد المهدوي أن هذه الزيارة “تمثل مؤشرا على تنامي الحضور الليبي في المشهدين الإقليمي والدولي”، مضيفا أن مستوى الاستقبال الرسمي الذي حظي به الفريق أول ركن صدام حفتر “يعكس تقديرا لدور المؤسسة العسكرية في دعم الاستقرار، إلى جانب وجود رغبة في بناء شراكات قائمة على المصالح المشتركة بين الجانبين”. وأشار المهدوي إلى نقطة جوهرية عندما قال إن مثل هذه الزيارات “تتجاوز الطابع البروتوكولي”، واعتبرها “خطوات عملية لتعزيز العلاقات الثنائية وفتح مجالات جديدة للتعاون، بما قد يسهم في دفع مسار الاستقرار وإعادة البناء في ليبيا”. وختم المهدوي تحليله بعبارة بليغة ودالة: “ليبيا لم تعد كما كانت”، في إشارة إلى تنامي حضورها وقدرتها على فرض صوتها في المحافل الدولية.
في السياق ذاته، قدم الكاتب والمحلل محمد قشوط قراءة تاريخية تحليلية للمشهد السياسي الليبي منذ عام 2011، معتبرا أنه شهد “إهدارا لفرص ذهبية كان من الممكن أن تحدث تحولا تاريخيا في مسار الدولة، لولا تورط بعض الفاعلين في الصراع والطموحات الضيقة”. وأوضح قشوط أن أغلب الشخصيات التي برزت خلال السنوات الماضية لم تنجح في استثمار تلك الفرص، مستثنيا القائد العام المشير خليفة حفتر من هذا التوصيف.
ثم انتقل قشوط إلى تحليل الظاهرة الأبرز التي أفرزها المشهد الليبي مؤخرا، وهي صعود الفريق أول ركن صدام حفتر، الذي قال إنه “دخل بثبات ورؤية واضحة”، معتبرا أنه “يمثل نموذجا مختلفا مقارنة ببعض القيادات الشابة التي ظهرت بعد 2011”. ورأى قشوط أن أداءه داخل المؤسسة العسكرية “ساهم في تطويرها وتعزيز حضورها، إلى جانب توسيع شبكة العلاقات الخارجية”. ولم يخف الكاتب دلالات هذا الصعود على خصوم المشروع الوطني، مشيرا إلى أن هذه الشخصية “باتت مصدر قلق لخصومها، خصوصا التيارات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين”.
أما السفير الليبي السابق محمد المرداس فقدم توصيفا بالغ الدلالة للمؤسسة العسكرية، قائلا: “الجيش مثل القطار يسير بانضباط ويتوقف باحترام على الرصيف ينقلك ويحميك ويوصلك إلى وجهتك بأمان تام”. لكن المرداس أضاف تحذيرا بليغا: “إذا فقدت عقلك ووقفت على السكة وقلت سأوقفه بيدي فسيسحقك ولن يتحرك عن مساره شعرة”. هذه الاستعارة البلاغية القوية تلخص ببراعة ثوابت المؤسسة العسكرية الليبية: الانضباط، الالتزام بالمهمة الوطنية، حماية المسار، والثبات على المبادئ في وجه أي محاولات لعرقلتها.
جغرافيا السياسة والأمن.. لماذا مالطا تحديدا؟
لفهم الأهمية الاستراتيجية لهذه الزيارة، لا بد من قراءة الخارطة بعيون جيوسياسية. فمالطا، هذه الدولة الجزرية الصغيرة حجما والكبيرة تأثيرا، تقع في قلب البحر الأبيض المتوسط على بعد مئات الكيلومترات فقط من السواحل الليبية. هذه القرب الجغرافي جعل من البلدين شريكين طبيعيين في ملفات لا حصر لها، وجعل من أي اضطراب في ليبيا تهديدا مباشرا للأمن القومي المالطي.
لكن أبعد من الجغرافيا، هناك اعتبارات سياسية وتاريخية. فمالطا عضو فاعل في الاتحاد الأوروبي، ولها حضورها المؤثر في دوائر صنع القرار الأوروبي. وهي دولة لعبت تاريخيا أدوارا دبلوماسية مهمة في الملف الليبي، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف. واختيار المؤسسة العسكرية الليبية لتعزيز حضورها الدبلوماسي عبر هذه البوابة تحديدا ينم عن قراءة ذكية للمشهد الأوروبي، وإدراك بأن الطريق إلى العواصم الأوروبية الكبرى يمر عبر بناء علاقات استراتيجية مع دول الجوار المباشر التي تملك القدرة على إيصال الصوت الليبي إلى قلب المنظومة الأوروبية.
اللقاء مع وزير الخارجية المالطي إيان بورغ، الذي يشغل أيضا منصب نائب رئيس الوزراء، كان له دلالته الخاصة. فبورغ ليس مجرد وزير خارجية، بل هو أحد صانعي القرار في حكومة فاليتا، ولقاؤه مع نائب القائد العام يعكس أن مالطا تنظر إلى المؤسسة العسكرية الليبية كشريك استراتيجي في رسم سياسات المتوسط، وليس مجرد جهة أمنية يمكن التعامل معها في ملفات محددة. وقد ركز الاجتماع على “آخر التطورات في ليبيا، فضلا عن فرص التعاون بين البلدين الجارين”، وهي عبارة تشير إلى حوار شامل تجاوز الملفات الأمنية ليشمل آفاق التعاون الاقتصادي والتنموي والسياسي.
تبادل المعلومات الاستخباراتية.. درع مشترك في مواجهة التهديدات العابرة للحدود
لعل أحد أهم محاور الزيارة التي تستحق التوقف عندها بإسهاب هو الاتفاق على تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية بين البلدين. هذا الملف تحديدا يكشف طبيعة التحديات التي تواجهها دول المنطقة، والتي لا يمكن لأي دولة منفردة التصدي لها بنجاح.
فشبكات الجريمة المنظمة التي تنشط في المتوسط لا تعترف بالحدود، وتستخدم أحدث التقنيات وأكثرها تطورا. وهي شبكات تجمع بين تهريب البشر والمخدرات والسلاح، وتضرب جذورها في دول المصدر ودول العبور ودول المقصد على حد سواء. مواجهتها تتطلب تعاونا استخباراتيا وثيقا بين الأجهزة الأمنية في مختلف الدول، وهذا بالضبط ما تمت مناقشته بين نائب القائد العام ووزير الداخلية المالطي بايرون كاميليري.
التعاون الاستخباراتي ليس مجرد تبادل للمعلومات، بل هو بناء ثقة متبادلة بين المؤسسات الأمنية، وتطوير آليات عمل مشتركة، وخلق لغة تفاهم موحدة في مواجهة التهديدات. وبالنسبة لليبيا، فإن تعزيز هذا التعاون مع دولة أوروبية محورية يعني الحصول على تقنيات وخبرات وتدريب متقدم، كما يعني إيصال رسالة واضحة للشبكات الإجرامية بأن المتوسط لم يعد ساحة مفتوحة لنشاطها، وأن ثمة درعا أمنيا يتشكل تدريجيا بمشاركة فاعلة من المؤسسة العسكرية الليبية.
الهجرة غير الشرعية.. معضلة إنسانية وأمنية تحتاج شراكة حقيقية
لا يمكن الحديث عن العلاقات الليبية الأوروبية دون التوقف مليا عند ملف الهجرة غير الشرعية، الذي كان حاضرا بقوة في مباحثات فاليتا. فليبيا، بحكم موقعها الجغرافي وامتداد حدودها الجنوبية الشاسعة، تحولت خلال سنوات الفوضى التي أعقبت 2011 إلى معبر رئيسي لتدفقات المهاجرين الأفارقة الساعين للوصول إلى السواحل الأوروبية. هذه الظاهرة خلقت معاناة إنسانية هائلة، وخلفت آلاف الضحايا في البحر، وشكلت ضغطا متزايدا على الدول الأوروبية التي وجدت نفسها أمام موجات متلاحقة من المهاجرين غير الشرعيين.
لكن ما ينبغي التأكيد عليه أن ليبيا وحدها لا يمكنها تحمل أعباء هذه المعضلة. فالأمر لا يتعلق فقط بضبط الحدود أو مكافحة المهربين، بل يتطلب معالجة جذرية للأسباب التي تدفع مئات الآلاف لركوب قوارب الموت. وهنا تبرز الحاجة إلى شراكة حقيقية ومتوازنة تقوم على مبدأ المسؤولية المشتركة، تستثمر فيها الدول الأوروبية في التنمية في دول المصدر، وتدعم فيها ليبيا لتعزيز قدراتها في ضبط حدودها وفي توفير أوضاع إنسانية لائقة للمهاجرين الموجودين على أراضيها.
اللقاءات التي جرت في فاليتا أظهرت أن الطرفين يدركان هذه التعقيدات، وأن هناك إرادة مشتركة للتعامل مع الملف في إطاره الشامل. وبالنسبة للمؤسسة العسكرية الليبية، فإن ملف الهجرة غير الشرعية ليس مجرد بند في جدول أعمال اللقاءات الدولية، بل هو تحد وطني يومي له انعكاسات مباشرة على الأمن والاقتصاد والنسيج الاجتماعي في ليبيا.
الإعلام الغربي يرصد.. صورة جديدة للمؤسسة العسكرية الليبية
لم تكن “تايمز أوف مالطا” مجرد ناقل للخبر، بل كانت صانعا للصورة ومرسخا لانطباعات تصل إلى دوائر صنع القرار الأوروبية. فعندما تكتب الصحيفة أن الفريق أول ركن صدام حفتر “يتمتع بنفوذ متزايد على القرارات العسكرية والاستراتيجية”، وعندما تصفه بأنه “جزء من جيل جديد من القيادة”، فهي بذلك تقدم للقارئ الأوروبي صورة عن مؤسسة عسكرية ليبية متطورة ومتجددة، تمتلك قيادات شابة قادرة على التواصل وفهم العالم، وقادرة على بناء التحالفات وإدارة العلاقات الدولية المعقدة.
هذه الصورة تتناقض بشكل صارخ مع الصور النمطية التي حاولت بعض وسائل الإعلام والدوائر السياسية ترويجها عن ليبيا خلال سنوات الفوضى. إنها صورة مؤسسة دولة حقيقية، ذات عقيدة راسخة، وهيكل قيادي متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة للمستقبل. وهي صورة تخدم المصالح الوطنية الليبية في المحافل الدولية، وتصحح الانطباعات المغلوطة التي تراكمت خلال سنوات الصراع.
ما بعد الزيارة.. أي آفاق للعلاقات الليبية المالطية؟
بعد اختتام هذه الزيارة الناجحة، يمكن القول إن العلاقات الليبية المالطية تقف على أعتاب مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: الشراكة الاستراتيجية القائمة على المصالح المتبادلة. فاللقاءات المتعددة التي جمعت نائب القائد العام بكبار المسؤولين المالطيين وضعت أسسا صلبة للتعاون في المجالات كافة، الأمنية والاقتصادية والسياسية.
ومما يعزز هذا التوجه أن الجانبين يدركان أن استقرار ليبيا وازدهارها سيخلق فرصا اقتصادية هائلة لدول الجوار. فليبيا تمتلك من الموارد الطبيعية والبشرية ما يؤهلها لتكون قاطرة للنمو في منطقة المتوسط، ومالطا بما تملكه من خبرات في قطاعات السياحة والخدمات المالية والتعليم، يمكن أن تكون شريكا مثاليا في عملية إعادة الإعمار والتنمية.
كما أن التقارب مع مالطا يفتح الباب أمام المؤسسة العسكرية الليبية لتعزيز حضورها في المحافل الأوروبية الأوسع، ولبناء شبكة علاقات تمتد إلى عواصم أخرى تدرك أن أمن المتوسط كل لا يتجزأ. إنها خطوة على طريق طويل، لكنها خطوة تحمل في طياتها وعودا بمستقبل أكثر استقرارا وأمنا وازدهارا.
الإرث والأفق.. قيادة وطنية ترسم معالم الطريق
في خضم هذه التحولات، لا بد من التوقف عند الأبعاد الوطنية العميقة لهذه الزيارة. ففي الوقت الذي ينشغل فيه الفريق أول ركن صدام حفتر ببناء الشراكات الدولية وتعزيز مكانة المؤسسة العسكرية إقليميا ودوليا، يظل الهدف النهائي لكل هذه الجهود هو خدمة المواطن الليبي وإرساء دعائم دولة آمنة مستقرة مزدهرة.
فرسالة الزيارة إلى الداخل الليبي واضحة: المؤسسة العسكرية الليبية ليست منعزلة عن العالم، وليست غارقة في صراعات الماضي، بل هي تنظر إلى المستقبل وتخطط له، وتبني الجسور مع الدول التي تشاركها المصالح والرؤى. وهي مؤسسة قادرة على حماية حدود البلاد، وعلى بناء علاقاتها الخارجية في آن واحد، وهذا هو بالضبط ما تحتاجه ليبيا في هذه المرحلة الفارقة من تاريخها.
الطريق إلى الاستقرار الشامل في ليبيا لا يزال محفوفا بالتحديات، لكن الرسالة التي خرجت بها زيارة فاليتا هي أن ثمة قيادة وطنية تمتلك الرؤية والإرادة لمواجهة هذه التحديات، وأن ثمة شركاء دوليين بدأوا يدركون أن الرهان على المؤسسة العسكرية الليبية هو الرهان الأكثر واقعية وعقلانية لتحقيق مستقبل أفضل لليبيا والمنطقة بأسرها. وكما قال المحلل أحمد المهدوي ببلاغة: “ليبيا لم تعد كما كانت”. نعم، ليبيا تتغير، وتستعيد عافيتها، وتشق طريقها نحو مكانتها الطبيعية بين الأمم، بثبات القطار الذي وصفه السفير محمد المرداس، ذلك القطار الذي يسير بانضباط ويحمي ركابه ويوصلهم إلى وجهتهم بأمان.



