لأول مرة.. اجتماع مصغر يكسر الجمود الليبي ويمهد الطريق لانتخابات وطنية
لجنة 4+4 تخترق عقبة المفوضية وتمهد لانتخابات وطنية
ليبيا 24
خطوة روما.. كسر لحلقة الانسداد المزمن
ثمة مشهد نادر تقدمه الساحة الليبية من العاصمة الإيطالية روما، حيث أسفر أول لقاء للمجموعة المصغرة المنبثقة عن خارطة الطريق الأممية عن اختراق ملموس في واحد من أشرس معارك الجمود السياسي التي عطلت المسار الانتخابي لأعوام. ففي التاسع والعشرين من أبريل عام 2026، وتحت رعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وبضيافة إيطالية، جلس الأطراف الممثلون لمجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إلى طاولة لم تكن عادية، ونجحوا في صياغة اتفاق يعيد تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ويحوّل خلاف رئاسة المجلس إلى بوابة توافق غير مسبوقة. الاتفاق الذي قوبل بموجة من الترحاب الحذر والترقب الواسع، لا يحمل في طياته مجرد تبديل أسماء أو إعادة ترتيب مقاعد، بل يطرح أسئلة جوهرية عن قدرة الفاعلين على تحويل هذا الاختراق الإجرائي إلى زخم سياسي ـــ اقتصادي ينهي حقبة الانقسام ويفتح الباب أمام الاستحقاق الذي سجّل 2.8 مليون ليبي أنفسهم من أجله.
خلفية الانسداد: لعبة الكراسي وتعطيل المسار
حتى ساعات قليلة قبل بيان روما، كان الملف الانتخابي الليبي يراوح مكانه داخل حلقة مفرغة من التجاذبات، حيث عجز مجلسا النواب والدولة طيلة عام كامل عن استكمال تشكيل مجلس المفوضية الوطنية للانتخابات، فضلاً عن التوافق على قاعدة دستورية وقوانين انتخابية تصلح أداةً لإرادة الناخبين. هذا الجمود لم يكن مجرد خلاف تقني حول أسماء أو صلاحيات، بل كان تعبيراً مكثفاً عن صراع أعمق حول شكل الدولة ومراكز القوى في مرحلة ما بعد الانتخابات، وهو صراع تحول مع الزمن إلى اقتصاد سياسي قائم بذاته، تستفيد منه نخب معطلة وتيارات متعددة المصالح، وتدفع تكاليفه الباهظة شرائح واسعة من المواطنين والقطاع الخاص والمستثمرين المحتملين. لقد أظهرت التجربة الليبية أن كل شهر إضافي دون مفوضية مكتملة ودون تشريعات انتخابية واضحة، لا يعني فقط تأجيلاً زمنياً، بل يعني استنزافاً متراكماً للثقة الداخلية وتراجعاً في مؤشرات الحوكمة وارتفاعاً في كلفة التأمين السياسي على أي نشاط اقتصادي.
في هذا السياق، تنزل مقاربة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه، التي أعلنتها أمام مجلس الأمن في فبراير الماضي، بوصفها محاولة لاختراق العجز المتبادل بين المجلسين. فالخطوة الأولى من هذه المقاربة ركزت على المعالجة الجراحية لملف المفوضية، فيما تركت الخطوة الثانية المتمثلة في تعديل القوانين الانتخابية لمشاورات لاحقة. وبهذا التصميم المدروس، انتقلت البعثة الأممية من دور الميسر العام إلى دور المهندس الإجرائي لمسار مضبوط، وهو انتقال تزامن مع ضغط دولي متصاعد مصدره العواصم المعنية بالاستقرار الليبي، وعلى رأسها روما التي تستشعر تداعيات أي فراغ أمني أو موجة هجرة غير منضبطة على خاصرتها الجنوبية.
تفاصيل الاتفاق: هندسة توافقية تحت مظلة الأمم المتحدة
جاء البيان الصادر عن اللقاء ليكشف عن صيغة مبتكرة تجاوزت حالة الاستقطاب الحادة حول شخص رئيس المفوضية. فعوضاً عن استمرار المعركة المباشرة بين المجلسين على الاسم، أوصى المجتمعون بأن يتولى النائب العام ترشيح أحد رجال القضاء المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة والحياد، على أن يتم التعيين وفق القواعد القانونية السارية، في خطوة نقلت النقاش من مربع المحاصصة الحزبية والجهوية إلى فضاء المعايير المهنية والقضائية. هذه الآلية، وإن بدت إجرائية في ظاهرها، فإنها تحمل بعداً سياسياً عميقاً: إنها المرة الأولى التي يُسند فيها لشخصية قضائية محايدة مهمة تسمية رأس المؤسسة التي ستدير العملية الانتخابية، مما يقلص مساحة الاتهامات بالتبعية السياسية، ويُلبس المفوضية الجديدة ثوباً من الشرعية التقنية التي طالما افتقدتها.
أما في ما يخص الأعضاء، فقد أخذ الاتفاق بالاعتبار الإجراءات السابقة لمجلسي النواب والدولة في جلستيهما يومي 29 ديسمبر 2025 و12 يناير 2026، وأسفر عن تسمية علي الطايع عبد الجواد وهيثم علي الطبولي وعلي أبو صلاح ممثلين عن مجلس النواب، في حين مثل المجلس الأعلى للدولة كل من سناء الليشاني وبديوي محمد بديوي وعلي مفتاح المبروك. وبهذا المزيج، يكون المجلس قد استعاد عافيته المؤسسية، ليفتح الطريق فوراً أمام المهمة الثانية والأكثر تعقيداً: مناقشة الإطار الانتخابي وبلورة قوانين توافقية تصلح للتنفيذ وتستجيب لتطلعات 2.8 مليون ناخب.
ردود الفعل: ترحيب حذر وتحذيرات من معرقلي الانتقال
عكست ردود الفعل المتقاطعة عقب بيان روما طبيعة المشهد الليبي المعقد، الذي يختلط فيه الأمل الحقيقي بالشك الممنهج. فقد احتفى عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة بما وصفه “إنجازاً مهماً بعد صراع دام قرابة عام”، ودعا إلى استثمار هذه المرحلة بروح المسؤولية بعيداً عن محاولات التعطيل، في إشارة ليست خفية إلى قوى تتربص بأي اختراق. وعلى المنوال نفسه، عدّ عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي إسناد تسمية رئيس المفوضية للنائب العام “بداية عملية للتوافق بين المجلسين”، معتبراً أن استكمال بناء المفوضية يمهد لمراجعة القوانين الانتخابية وتجاوز الركود السياسي. وأكد العرفي أن المجموعة المصغرة تحظى بدعم دولي، وهو ما يُفهم منه أن ثمة غطاءً سياسياً خارجياً يمنح هذه اللجنة ثقلاً يتجاوز وزنها العددي المحدود، ويجعل أي محاولة لنسف مخرجاتها مكلفة دبلوماسياً.
غير أن نبرة التحذير لم تغب. فقد هاجم عضو مجلس النواب سعيد امغيب وجود شخصيات وصفها بـ”المثيرة للجدل والمرتبطة بملفات خطيرة تتعلق بدعم الإرهاب” داخل اللجنة، مسمياً وليد اللافي تحديداً ومشيراً إلى ماضيه في إدارة قناة وصفها بأنها “تحرض على القتل والتفجير”، وهو اتهام يحيل إلى شرخ عميق في النسيج السياسي الليبي، حيث تختلط خيوط المصالحة مع ملفات الماضي المسلح. وفي الاتجاه المعاكس، رأى عضو الحوار المهيكل أشرف بودوارة أن ما جرى في روما يمثل “خطوة عملية طال انتظارها لكسر الجمود”، فيما ذهب المحلل السياسي أحمد المهداوي إلى التأكيد أن ثمة مدناً وأطرافاً تستفيد من استمرار الانقسام وتخشى أي مشروع يوحد المؤسسات وينهي الفوضى، في توصيف يلامس جوهر الاقتصاد السياسي للصراع الليبي.
البعد الاقتصادي: الانتخابات كمحفز للاستقرار والاستثمار
لا يمكن فصل المسار السياسي في ليبيا عن مصير الموارد الاقتصادية وخرائط التدفقات المالية، ذلك أن كل خطوة نحو انتخابات وطنية نزيهة تُترجم مباشرة إلى مؤشرات مخاطر أقل في نظر المستثمرين وصناديق الثروة والمؤسسات المالية الدولية. فليبيا، التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا وموقعاً متوسطياً استراتيجياً، تظل أسيرة معادلة قاسية: من دون حكومة موحدة وتشريعات مستقرة ومؤسسات ذات شرعية انتخابية، تبقى عوائد النفط- رغم ضخامتها- عُرضة للتجاذبات والفساد والإنفاق غير المنتج، وتغدو المشاريع الكبرى محفوفة بمخاطر قانونية وأمنية تحول دون دخول شركات عالمية بكامل ثقلها.
في هذا المشهد، يمثل اتفاق روما أكثر من مجرد تسوية سياسية، إنه إشارة للأسواق والمراقبين بأن ثمة إطاراً أممياً قابلاً للتطبيق، وأن العواصم المؤثرة بدأت تراهن على صيغة التوافق الجزئي بدل انتظار التسوية الشاملة المستحيلة. وقد عبّر الخبير الاقتصادي عبد الرحيم الشيباني عن هذه الرؤية حين أوضح أن اللجنة المصغرة “ليست مشروعاً بديلاً، بل آلية لمعالجة نقاط الانسداد دون المساس بالتشريعات الانتخابية”، مشيراً إلى ارتباط تحركات البعثة الأممية بقرارات مجلس الأمن والاتفاقات السياسية القائمة، وهو ما ينفي أي طابع ارتجالي ويعطي الفاعلين الاقتصاديين حداً أدنى من القدرة على التنبؤ بمسار الأمور.
ويكتسب البعد الاقتصادي زخماً خاصاً حين يُقرأ إلى جانب تصريحات المحلل السياسي فيصل الفيتوري الذي رأى أن ليبيا ليست مجرد دولة نفط، بل “مفتاح تدفقات” عالمية، وأن موقعها الجغرافي بين أوروبا وأفريقيا، إلى جوار ممرات بحرية حيوية، يمنحها فرصة استراتيجية غير مستغلة. الفيتوري لخّص جوهر التحول المطلوب بقوله إن العالم لم يعد يُدار عبر الموارد فقط، بل عبر التدفقات: “من يسيطر على حركة السلع يملك جزءاً كبيراً من القرار”. وبالتالي، فإن الانتقال السياسي الذي يضمن الاستقرار ويوحّد المؤسسات التنفيذية والتشريعية، من شأنه أن يفتح الباب لتحويل ليبيا من مجرد دولة منتجة ومصدرة للنفط الخام إلى مركز عبور وتوزيع إقليمي يملك شبكات لوجستية وموانئ متطورة وشراكات ذكية مع الأسواق الأوروبية والأفريقية.
غير أن هذا الأفق الاقتصادي الطموح يصطدم بواقع مرير: فغياب الموازنة الموحدة واستمرار ازدواجية المؤسسة النقدية والرقابية يُنتج بيئة تشريعية ومالية مشوهة، حيث تتنازع أطراف الصلاحيات على إدارة العقود والصفقات العمومية. وقد أشار الناشط السياسي أنس الزيداني إلى أن هناك أحكاماً قضائية يُراد تمريرها لنقل إدارة العقود من الرقابة الإدارية إلى نفوذ جهات أخرى، مما يكرّس سيطرة تيارات محددة على عقود الدولة، ويجعل من القضاء- بدلاً من أن يكون حكماً- طرفاً في صراع المصالح الاقتصادية. هذه التشوهات البنيوية تجعل أي حديث عن انتعاش استثماري مرهوناً أولاً بإعادة بناء أسس الحوكمة الرشيدة، وهو ما أشار إليه السفير السابق محمد البرغثي حين أكد أن “المواطنة المتساوية والحوكمة الرشيدة” هما أساس استعادة الدولة، معدّداً عناصر الحوكمة من مشاركة وسيادة قانون وشفافية ومساءلة ومساواة وشمول وفعالية. فمن دون هذه العناصر، تتحول الانتخابات إلى مجرد تداول نخبوي للكراسي، وتبقى العوائد النفطية أسيرة لنظام ريعي لا يُنتج قيمة مضافة ولا يخلق فرص عمل حقيقية للشباب.
الجغرافيا السياسية: ليبيا بين مطرقة الفوضى وسندان التدفقات
في قلب تحليل الفرص والتحديات الليبية تقف الجغرافيا شاهداً صامتاً على مفارقة كبرى: فالبلد الذي يقع على تقاطع أهم طرق التجارة والطاقة، ويملك سواحل طويلة غير مستثمرة، يُعاني من غياب إستراتيجية وطنية لتحويل هذه الميزات إلى ثروة مؤسسية. وبينما تتسابق دول الجوار لخلق ممرات لوجستية بديلة، تبقى ليبيا خارج خريطة الربط الإقليمي الكبرى، رغم أن الربط بين حقولها النفطية والغازية وشبكات التوزيع الأوروبية والأفريقية يمكن أن يختصر زمن التكلفة ويعيد تشكيل معادلات الطاقة في المتوسط. الفيتوري عبّر عن ذلك بقوله إن التحول “لا يحتاج نظريات معقدة، بل قرارات عملية: تنظيم سلاسل الإمداد، تطوير الموانئ، بناء شراكات ذكية، وتأمين بيئة مستقرة تسمح بالحركة”. وهنا تحديداً تكمن أهمية المسار السياسي: فكل خطوة نحو انتخابات ناجحة تقود إلى توحيد السلطة التنفيذية، وتخلق حداً أدنى من الثقة المتبادلة بين الشرق والغرب الليبيين، مما يسمح للحكومة الموحدة بالتفاوض مع الشركاء الدوليين من موقع السيادة الكاملة، لا من موقع التنافس بين حكومتين تدّعي كل منهما الشرعية.
أوروبا، وعلى رأسها إيطاليا، تتابع هذه التطورات بحسابات دقيقة. فاستضافة روما للاجتماع المصغر لم تكن مجرد مجاملة دبلوماسية، بل ترجمة لمخاوف إستراتيجية أوروبية من استمرار الفراغ في خاصرة المتوسط الجنوبية، وما يولّده من موجات هجرة غير نظامية وتهديدات أمنية عابرة للحدود. وبالنسبة لواشنطن، يظل ملف الطاقة الليبية عنصراً متغيراً في معادلة الأمن الطاقوي العالمي، بينما تنظر روسيا والصين إلى أي اختراق سياسي عبر بوابة الأمم المتحدة بحساسية تنافسية. غير أن المعطى الأهم هو أن ديناميكية روما أثبتت أن التوافق الليبي-الليبي المُيسر دولياً لا يزال ممكناً حين يركّز على إجراءات محددة وقابلة للتنفيذ، وحين تتراجع مطامح الفاعلين من البحث عن تسويات شاملة مستعصية إلى معالجة عقبات جزئية تتراكم لتشكل مساراً متكاملاً.
العقبات القادمة: القوانين الانتخابية ومعضلة السلطة التنفيذية
رغم الانفراجة الواضحة، فإن التفاؤل المفرط سابق لأوانه. فبيان روما نفسه أشار إلى أن المجتمعين “شرعوا في مناقشة القضايا المتعلقة بالإطار الانتخابي، واتفقوا على مواصلة مشاوراتهم للتوصل إلى قوانين انتخابية توافقية وقابلة للتطبيق”، مما يعني أن الأفق الزمني لإنجاز هذه القوانين لا يزال مفتوحاً على احتمالات التأخير والمناورات. والتجارب السابقة تُظهر أن الصراع حول طبيعة النظام الانتخابي (رئاسي، برلماني، مختلط) وحجم الدوائر ونسبة التمثيل، قادر على إغراق العملية برمتها في مستنقع من التفاصيل التقنية التي تخفي تحتها صراعاً سياسياً صلباً حول مستقبل الحكم. وقد لمس الليبيون ذلك في أكثر من محطة، حين انهارت اتفاقات بدت قريبة من الإنجاز عند الاقتراب من ترجمة النوايا إلى مواد قانونية ملزمة.
وعلاوة على ذلك، يبرز على سطح النقاش ملف توحيد السلطة التنفيذية. فعضو مجلس النواب جبريل أوحيدة جدد الدعوة إلى “انتخابات رئاسية وبرلمانية نزيهة في أقرب الآجال” تحقق مبدأ التداول السلمي للسلطة، ولكن الوصول إلى هذه المحطة يتطلب بالضرورة وجود حكومة واحدة تدير شؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية وتشرف على العملية الانتخابية بحياد. وهنا تتعقد الصورة: فبينما تركز المجموعة المصغرة على مفوضية الانتخابات والقوانين الانتخابية، تظل مسألة السلطة التنفيذية معلقة بانتظار المراحل اللاحقة من خارطة الطريق، وهي مراحل قد تشهد عودة مربعات الاستقطاب نفسها التي عطلت مسارات سابقة. ويبقى الخطر قائماً في أن تُستخدم ورقة القوانين الانتخابية كورقة ضغط لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية بطريقة تخدم توازنات القوى القائمة، مما يفرغ فكرة الانتخابات من مضمونها التغييري الحقيقي.
دور المجتمع الدولي: الضمانات والضغوط
لا يخفى على أحد أن النجاح النسبي الذي تحقق في روما يدين بالكثير لتغير نبرة المجتمع الدولي، وتحديداً للدور الذي لعبته المبعوثة الأممية هانا تيتيه، التي اختارت منهجاً واقعياً يركز على خطوات صغيرة قابلة للإنجاز تحت مظلة قرارات مجلس الأمن، بدل الرهان على مؤتمرات حوار وطنية كبرى غالباً ما تتعثر. وقد أثنى أشرف بودوارة على أن “الرسالة اليوم واضحة”، وأن ما حدث تحوّل من النقاشات المفتوحة إلى مرحلة اتخاذ القرار، عازياً ذلك إلى جهود البعثة الأممية. بيد أن عنصر الحسم الدولي يظل سلاحاً ذا حدين: فهو من جهة يوفر ضمانات للأطراف المشاركة ويحميها من تداعيات الإخلال بالاتفاقات، لكنه من جهة أخرى قد يدفع بعض القوى الوطنية إلى التعامل مع المخرجات بوصفها إملاءات خارجية، مما يضعف ملكيتها الشعبية ويُبقيها عرضة للطعن في أي لحظة، كما حدث مع اتفاقات سابقة.
ويزيد من تعقيد المشهد أن اللاعبين الخارجيين أنفسهم ليسوا على قلب رجل واحد؛ فبعض العواصم الإقليمية والدولية لها أجندات متباينة حيال شكل الدولة الليبية: من دعم قوى الشرق إلى رعاية مصالح غرب البلاد، ومن تفضيل نموذج رئاسي قوي إلى دعم نظام برلماني يوزع الصلاحيات. لكن ما يميز مرحلة ما بعد روما هو أن الاتفاق حظي بغطاء أممي واضح، وأصبح جزءاً من مسار مقيد زمنياً أمام مجلس الأمن، مما يرفع كلفة التعطيل على الجميع.
سيناريوهات المستقبل: من التوافق إلى صناديق الاقتراع
في ضوء ما تقدم، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار الأزمة الليبية بعد اختراق روما:
الأول، وهو السيناريو الأكثر تفاؤلاً: أن تنجح المجموعة المصغرة وتساندها البعثة الأممية في ترجمة الزخم الحالي إلى إنتاج قوانين انتخابية توافقية خلال بضعة أشهر، يتلوها إقرار قاعدة دستورية مؤقتة، ثم الذهاب إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية تفرز سلطة موحدة، وتفتح الباب لمرحلة انتقالية حقيقية نحو الاستقرار. وفي هذا السياق، سيكون للمفوضية الجديدة، برئيسها القاضي الذي يرشحه النائب العام، دور محوري في بناء ثقة الناخبين والمجتمع الدولي، مما قد يُحدث أثراً اقتصادياً إيجابياً سريعاً يتمثل في عودة تدريجية للاستثمارات الأجنبية، وتحرك مشاريع إعادة الإعمار، وزيادة إنتاج النفط وتصديره ضمن بيئة قانونية شفافة.
أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور، فيتمثل في نجاح جزئي: استكمال تشكيل المفوضية وبدء مراجعة القوانين، مع استمرار التجاذبات حول النظام الانتخابي والسلطة التنفيذية، مما يؤدي إلى جدول زمني متعثر يمتد لأشهر إضافية، لكنه يظل محكوماً بإطار تفاوضي مستمر يمنع العودة إلى حالة الجمود المطلق. وفي هذا السيناريو، سيختبر الاقتصاد الليبي تحسناً طفيفاً في مؤشرات الثقة، لكن من دون طفرات حقيقية، لأن المستثمرين يظلون في وضع “انتظار ورؤية”، بينما تتعمق معاناة المواطن العادي من تضخم وهشاشة في الخدمات.
أما السيناريو الثالث، فهو السيناريو الأسوأ: أن تنقض قوى الممانعة الاتفاق من خلال إشعال جبهات إضافية، سواء برفع سقف المطالب في ملف القوانين الانتخابية، أو عبر تصعيد عسكري محدود يعيد خلط الأوراق، أو عن طريق استخدام القضاء لإصدار أحكام متضاربة تشل عمل المفوضية الجديدة. وقد لمسنا بوادر هذا السيناريو في تحذيرات أنس الزيداني من وجود أحكام يُراد تمريرها لخدمة أطراف بعينها، وفي هجوم امغيب على رموز تثير ملفات الماضي المسلح، مما يشي بأن الائتلاف الداعم للاتفاق ليس محصناً بالكامل ضد مفاجآت قد تطيح بالمسار من الداخل.
خاتمة: رهان 2.8 مليون صوت على صناديق الاقتراع
في نهاية المطاف، سيبقى اتفاق روما مجرد حبر على ورق ما لم يُترجم إلى خطوات ملموسة تلامس حياة الليبيين وتقنعهم بأن الانتخابات هذه المرة ليست وعظاً يُراد به تمديد أزمتهم. فالأرقام وحدها تعكس عمق المأساة: 2.8 مليون ناخب سجلوا أسماءهم طوعاً، في رسالة مدوية بأن شرائح واسعة من الشعب لم تفقد بعد إيمانها بالصندوق وسيلةً لانتزاع حقها في تقرير المصير. هؤلاء الناخبون هم “الضامن الحقيقي” الوحيد لأي اتفاق سياسي، لأن أي محاولة لتجاهل إرادتهم أو إفراغ المسار الانتخابي من محتواه، ستفجر احتقاناً شعبياً قد يُخرج الأمور عن سيطرة النخب والمجتمع الدولي معاً.
إن استعادة الدولة، كما قال السفير محمد البرغثي، لا تقوم إلا على مواطنة متساوية وحوكمة رشيدة، تبدأ من انتخابات نزيهة وتنتهي بمؤسسات تدار بالشفافية والمساءلة. وكل شهر يُقتطع من عمر الأزمة هو فرصة ضائعة لتحويل الموقع الجغرافي إلى قوة اقتصادية، ولتحويل الموارد النفطية من لعنة إلى أداة بناء، ولإعادة ليبيا إلى مصاف الدول التي تتحكم في تدفقات الطاقة والتجارة لا تلك التي تكتفي بكونها مصدراً للمواد الخام تحت رحمة المتغيرات الدولية. لقد وضعت المجموعة المصغرة حجر الأساس، لكن بناء الصرح الانتخابي يتطلب حكمة وشجاعة لا تقل عن تلك التي أظهرها المجتمعون في روما، بل تتطلب أكثر: إدراكاً بأن الرهان لم يعد على كراسي النخبة، بل على مصير ملايين الليبيين الذين يستحقون وطناً يعمل لهم لا عليهم.



