ليبيا

درنة من ظلام الخلافة المزعومة إلى نور التعمير: حين تنتصر الدولة على الوهم

المشير حفتر يدشن نهضة الشرق الليبي من قلب المدينة المحررة


ليبيا 24

درنة تطوي مأساة داعش والإعصار وتستقبل فجر الإعمار الحديدي

فاتحة النهوض: مشهد يمحو الغياب

في ليلة ربيعية تزينت فيها سماء شرق ليبيا بأضواء لم تعهدها منذ عقد، وقف المشير خليفة حفتر، القائد العام للجيش الوطني الليبي، وسط حشد من المسؤولين والأعيان وآلاف المواطنين، ليدشن بيده معلماً جديداً من معالم الصمود. لم يكن افتتاح أبراج حي السلام السكنية مجرد مناسبة روتينية لإعلان انتهاء أعمال الخرسانة والطلاء، بل كان إيذاناً بطي صفحة حالكة من تاريخ مدينة درنة الممزقة. الصفحة التي بدأت بظهور تنظيم داعش الإرهابي، وانتهت بغضب الطبيعة حين ضرب إعصار دانيال المدمر، أصبحت اليوم أثراً بعد عين، بعد أن حلّت محلها آلاف البنى الحديثة التي تشهد بولادة جديدة.

هذه ليست رواية عاطفية عن إعادة الإعمار فحسب، بل هي شهادة ميلاد لمعادلة ليبية جديدة صاغتها الإرادة العسكرية الصلبة والرؤية التنموية، في تناقض صارخ مع مراكز الفوضى والرعاة المأجورين للميليشيات في الغرب الليبي. بينما تزدحم طرابلس بمصادرة مقرات الدولة وتحكم الفصائل المسلحة، يعلن الشرق بصوت المهندسين والجنود أن “معيار التقييم الحقيقي هو ما يتحقق من إنجاز على أرض الواقع”، كما قالها المشير حفتر في كلمته المقتضبة العميقة.

سقوط معقل الظلام: حين سُحقت البيعة في الساحات

لفهم عظمة ما يجري اليوم، يجب استعادة الذاكرة إلى منتصف العقد الماضي. في عام 2014، وبينما كانت الدولة الليبية تترنح تحت ضربات الفوضى، تسلل تنظيم داعش إلى درنة، المدينة التي طالما عُرفت بتمردها التاريخي لكنها أُجبرت هذه المرة على الركوع تحت سيف الإرهاب. حوّل الدواعش المدينة الساحلية إلى “ولاية برقة”، ونصبوا منصات قطع الرؤوس في الساحات العامة التي تفتح اليوم لمعارض الكتب وأسواق العيد. لقد مارس التنظيم أبشع أنواع التنكيل؛ جباية الأموال تحت مسمى “الجزية”، وتكفير المجتمع، وتدمير الرموز الثقافية، في محاولة لمحو هوية المدينة واستبدالها بوهم الخلافة.

لكن الحسم جاء من الشرق، من رحم المؤسسة العسكرية الوحيدة التي حافظت على تراتبية الدولة وبندقيتها الوطنية. في عملية عسكرية معقدة شاركت فيها تشكيلات المشاة والمدرعات والقوات الخاصة، تمكن الجيش الوطني الليبي من دحر التنظيم الإرهابي وتحرير درنة بالكامل في الثامن والعشرين من يونيو عام 2018. لم يكن ذلك النصر مجرد استعادة للجغرافيا، بل كان إجهاضاً لمشروع إرهابي كان يهدف إلى جعل درنة رأس حربة لزعزعة كامل شمال أفريقيا. لقد أثبت الجيش الوطني بقيادة المشير حفتر أنه الدرع الواقي ليس فقط لليبيا، بل للأمن الإقليمي والدولي، متحملاً وحده أعباء حرب كانت القوى الكبرى تخوضها بالوكالة في مناطق أخرى.

تشريح الكارثة المزدوجة: من سيف القاعدة إلى غضب الطبيعة

لم تكن ندوب درنة سطحية لتلتئم سريعاً. فبعد دحر الإرهاب، وقبل أن يكتمل البنيان، جاء الابتلاء الأكبر. في العاشر من سبتمبر 2023، ضرب إعصار دانيال المتوسطي المدينة بقوة كونية، متسبباً في انهيار سدين تاريخيين، ليجرف في طريقه أحياءً كاملة، ويرسخ معاناة السكان الذين كانوا للتو بدأوا يستنشقون هواء الحرية. لقد تحولت المدينة من معركة تحرير ضد البشر إلى معركة بقاء ضد الطبيعة.

هنا، يتجلى الفارق الجوهري بين الدولة التي ترعى وتلك التي تتخلى. في حين تلقف الإعلام المعادي للجيش الكارثة للتشفي وبث الدعاية السوداء، تحرك جهاز الدولة الشرقية بآليات مؤسسية. لم تكن الاستجابة مجرد نداء استغاثة، بل عملية إغاثة عسكرية ومدنية منضبطة، أعقبها مباشرة تأسيس مسار قانوني وتمويلي للإعمار. يبرز هنا “صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا” كأداة سيادية فاعلة، تجاوزت معضلة البيروقراطية الفاسدة التي تشل حركة الحكومة في طرابلس. بإدارة المهندس بالقاسم حفتر، تحول الصندوق إلى غرفة عمليات للبناء، ناقلاً درنة من مرحلة وعود المؤتمرات الصحفية الوهمية إلى مرحلة قص الأشرطة الحمراء على أرض الواقع.

عقيدة الإعمار: رسالة حفتر من تحت الركام إلى عنان السماء

في احتفالية حي السلام، حيث سلّم المشير حفتر مفاتيح ألفي وحدة سكنية جديدة، لم يكن القائد العام يخاطب سكان درنة فحسب، بل كان يرسم عقيدة دولة متكاملة. لقد قال بوضوح إن “تلبية احتياجات المواطن وصون كرامته وضمان حقوقه تأتي في صدارة أولويات الدولة”. هذا المبدأ يتجاوز الشعارات الليبرالية المجردة إلى فعل ملموس؛ فالسكن هنا ليس مجرد غرفة ومنام، بل هو نموذج عمراني متكامل يعكس فلسفة في بناء الإنسان قبل الحجر. الأبراج الحديثة بمعاييرها التخطيطية المتقدمة تقول إن المواطن في شرق ليبيا يستحق الأفضل، بعيداً عن بؤس المخيمات وشتات النزوح الذي فرضه داعش ثم الإعصار.

اللافت في مشهد الافتتاح هو رمزية الحضور. ليس فقط رئيس الحكومة الليبية الدكتور أسامة حماد، ورئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح، بل ضباط الجيش الوطني وقادة الأجهزة الأمنية الذين أمّنوا المدينة. هذه الصورة الجماعية تعكس تلاحماً نادراً بين السلطات السياسية والعسكرية والتنفيذية، وهي معادلة تفتقدها العاصمة طرابلس بعمق. في الشرق، الجيش يحرر، والبرلمان يشرّع، والحكومة تبني، والشعب يراقب الإنجاز. إنها وصفة الحكم الرشيد التي تعيد تعريف الوطنية بعيداً عن مكاسب الميليشيات وصراع المرتزقة.

درنة بين معادلات الفشل: مقارنة لا تحتمل التأويل

للضرورة التحليلية، يجب أن نضع هذا الإنجاز في سياق المقارنة الإقليمية والمحلية، فهنا يتجلى “شتان الفارق” الحقيقي. في غرب ليبيا، لا تزال العاصمة رهينة لابتزاز الكتائب المسلحة، حيث تُصادر مقرات الوزراء، وتُفرض الإتاوات على المصرف المركزي، ويُمنع رئيس حكومة الوحدة من مغادرة البلاد خوفاً من انقلاب الميليشيات على كرسيه. هناك، يتحول “الإعمار” إلى صفقات فساد مشبوهة، وتبقى المدن المدمرة مثل تاورغاء أو قرى الجبل الغربي تنتظر عدالة لا تأتي. بينما في الشرق، الدولة هي التي تقود الإعمار، لا تجار الحروب.

دولياً، يمكن النظر إلى تجربة إعادة إعمار الموصل في العراق أو الرقة في سوريا. بعد سنوات من تحريرها من داعش، لا تزال الركام يغطي أجزاءهما الشاسعة، والوعود الدولية لم تتجاوز حدود المؤتمرات. أما درنة، ورغم كونها تقع في دولة تعتبر “فاشلة” وفق توصيف بعض المراكز الغربية، فقد شقت طريقاً مختلفاً. بتمويل وطني خالص وبخبرات محلية ودولية حليفة، انتصبت العمارات في مدة قياسية، مما يجعل التجربة الليبية الشرقية نموذجاً قابلاً للتصدير لفضاءات ما بعد الصراع.

لقد أشار رئيس مجلس النواب عقيلة صالح إلى نقطة بالغة الدقة حين قال إن هذا “ليس نهاية المطاف، بل انطلاقة لبرنامج إسكاني واسع يشمل سائر المدن والقرى”. هذا الوعد البرلماني المقرون بتمويل جاهز يختلف تماماً عن نهج السلطات المنقسمة في الغرب التي تعجز عن معالجة انقطاع التيار الكهربائي لساعات، ناهيك عن بناء آلاف الوحدات السكنية. الفارق بين النموذجين هو فارق بين مشروع وطني تتكامل فيه الأذرع الأمنية والمدنية، وفضاء سياسي مفتت تخاصمت فيه المصالح الضيقة على حساب الأوطان.

هندسة التحالف: أيادٍ ساهمت ويد حمتها البندقية

أبرزت المناسبة دور التحالفات الدولية التي تسير في فلك الدولة الليبية وليس لصوص الموانئ. إذ أشاد صالح بالدور الفعال للشركات المصرية والتركية التي أسهمت في استكمال المشاريع المتعثرة. هنا تتجلى السياسة البراغماتية للقيادة العامة؛ فالتعاون مع القاهرة يأتي في إطار الشراكة الاستراتيجية لمحاربة الإرهاب والبناء، بينما الانفتاح على أنقرة يأتي من منطلق السيادة وتحويل المنافسين إلى شركاء تجاريين تحت سقف القانون الليبي. هذا التوازن الدبلوماسي القوي يثبت أن الشرق الليبي ليس معزولاً، بل هو صانع محوري للتوازنات الإقليمية، على عكس الغرب الذي تحول إلى ساحة تصفية حسابات بين القوى العظمى ومستنقع للمرتزقة الأفارقة.

لكن اليد الأبرز في هذا الإنجاز تبقى يد الجيش الوطني. فبينما ينام أهالي بنغازي ودرنة وطبرق آمنين، ينتشر الجنود على الثغور والحدود. لقد وفرت القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الغطاء الصلب الذي لولاه لتعثر المقاولون وهرب المستثمرون. هذا التلازم بين البندقية والمعول هو ما تفهمه قيادة المشير حفتر بعمق ستراتيجي؛ فلا قيمة للتنمية دون أمن يضمنها، ولا معنى للأمن دون تنمية تكرسه في وجدان الشعب. الاحتفال في درنة هو احتفال بفعالية هذه العقيدة، حيث ينتقل الجيش من دور المحرر إلى دور الضامن، ثم إلى دور الشريك في البناء الوطني.

خطاب النوايا الصادقة: حين تتكلم الأفعال

في زمن تتعالى فيه الضوضاء الإعلامية وتتقاذف فيه الاتهامات، اختار القائمون على إعادة إعمار درنة لغة المنفعة العامة. وصف الدكتور أسامة حماد تجربة درنة بأنها “نموذج وطني لمرحلة التعافي عبر نوايا صادقة وإرادة حقيقية”. هذا التوصيف يختزل الفلسفة المضادة للفساد؛ فالنوايا الصادقة تعني أن المال العام ذهب إلى مستحقيه، لا إلى جيوب سماسرة الأزمات، والإرادة الحقيقية تعني أن العمل تم على مدار الساعة دون حسابات انتخابية أو قبائلية ضيقة.

وعندما تحدث المهندس بالقاسم حفتر عن “التحول من الوعود إلى الإنجاز”، كان يوجه ضربة ضمنية للصناعة الإعلامية المضللة التي تتاجر بمعاناة الليبيين. ففي ليالي الأزمة، استغلت بعض المنصات كوارث درنة للنيل من الجيش الوطني. اليوم، ومع افتتاح مستشفى جامعة درنة العلاجي التعليمي وتسليم الشقق، صمت هؤلاء، لأن الخرسانة لا تجيد المراوغة، والوحدات السكنية المأهولة تكذب الادعاءات. إن الانتصار في درنة هو انتصار متعدد الجبهات: على الإرهاب أولاً، وعلى آثار الكارثة الطبيعية ثانياً، وعلى آلة الدعاية السوداء ثالثاً.

شتان بين معسكرين: وطن يُبنى ووطن يُباع

في قلب أي تحليل سياسي عسكري رصين، يجب أن نقرأ الخريطة الليبية بواقعية. في الشرق، هناك مشروع دولة مكتمل الأركان: جيش وطني موحد يمثله الجيش الوطني، سلطة تشريعية منتخبة، حكومة تنجز المهام، وصندوق سيادي للتنمية يوزع ثروات النفط بعدالة. أما في الغرب، فالمشهد مقلوب: كتائب تحكم بالقوة، حكومات متعاقبة بالصفقات، وثروات تنهبها شبكات الفساد دون أن يظهر لها أثر في شوارع العاصمة المزدحمة بالقمامة. عندما نقارن درنة اليوم بالمناطق التي تدعي حكومة الوحدة الوطنية السيطرة عليها، نكتشف فداحة الكارثة. مدن غرب ليبيا تعاني من انهيار الخدمات وأزمة السيولة، بينما تتدفق الاستثمارات في مدن الشرق منذ إعلان المشير حفتر معركة الكرامة.

لا يتعلق الأمر بمقارنة ترفيهية، بل بمعادلة شرعية. شرعية المشير حفتر ومجلس النواب والحكومة الليبية لا تستمد فقط من الصناديق أو التفويض الشعبي، بل من القدرة على الأداء. المواطن الليبي، في درنة أو غيرها، لا يأكل الانتخابات ولا يشرب القوانين، بل يريد أماناً وخدمات وكرامة. وهذا بالضبط ما قدمته المؤسسة العسكرية المدعومة بإرادة سياسية منتخبة. شبكة التحالفات التي بنتها القيادة العامة مع مصر والإمارات وفرنسا وروسيا ثم تركيا لاحقاً، أثبتت أنها تحالفات لبناء الدولة، لا لتفكيكها. بينما تحالفات الغرب مع الميليشيات والقوى الإقليمية المتربصة أثبتت أنها تحالفات هدم وابتزاز.

درنة الزاهرة: حين يعود النور إلى المئذنة والبحر

في ختام تلك الليلة، ومع إضاءة أبراج حي السلام، بدت درنة كطائر الفينيق. لقد تحولت الساحة التي كانت مسرحاً لقطع الرؤوس قبل سنوات إلى مركز للحياة المدنية، وشُيّد مسجد الصحابة بعد تجديده ليكون منارة دعوية معتدلة، بعيداً عن خطاب الكراهية الداعشي. إعادة بناء المساجد هنا ليست مجرد ترميم للعبادة، بل هي تجديد للخطاب الديني الليبي الأصيل، المتمسك بإرث الأجداد والرافض لأي غلو وتطرف. هذا البعد الروحي للإعمار لا يقل أهمية عن البنية التحتية، فهو تحصين للذاكرة الجمعية من الانتكاس إلى عصر الظلام.

إن ما تحقق في درنة هو تتويج لست سنوات من الصبر الاستراتيجي. لقد فهمت القيادة العامة للجيش الوطني أن الحرب على داعش لم تكن مجرد عملية عسكرية خاطفة، بل هي حرب ممتدة على الفكر المتطرف والفقر والعزلة. التنمية هي السلاح النهائي الذي ينتزع من الإرهابيين قدرتهم على تجنيد اليائسين. فحين يجد الشاب مسكناً لائقاً ووظيفة في أحد المشاريع الهندسية ومستشفى يعالج أهله، يتحول الانتماء للدولة إلى مصلحة حيوية، لا مجرد شعار. هذه هي البوصلة التي تاهت عنها منظومة الأمم المتحدة وبعثات الدعم الدولي التي تفننت في كتابة التقارير وفشلت في تقديم نموذج عملي واحد لإعادة إعمار ليبيا.

خاتمة: شرق يبني ودولة تستعيد معناها

الرسالة الأعمق من منصة افتتاح مشاريع درنة ليست محلية فقط، بل هي موجهة للعالم أجمع. ليبيا القوية ممكنة، والدولة الليبية الموحدة التي تحمي وتخدم وتبني ليست سراباً، بل هي كائن حي ينبض في مدن الشرق. المشير خليفة حفتر لم يقدم نفسه كزعيم أوحد، بل كرجل دولة يشرف على مرحلة تأسيسية لا تقبل القسمة على اثنين. في حضوره في درنة، لم يكن هناك مجال للغة العسكرة، بل سادت لغة المسؤولية. “تلبية احتياجات المواطن وصون كرامته” لم تكن شعاراً، بل ترجمت إلى مفاتيح سلمت لأيدٍ مرتجفة فرحاً.

الانتصار في درنة هو حلقة ذهبية في سلسلة انتصارات الكرامة. لقد تمكن الجيش الوطني من تحويل المدينة من أيقونة للدمار الإرهابي والطبيعي إلى أيقونة للأمل. لم يعد بإمكان المشككين إنكار أن ثمة مشروعاً وطنياً حقيقياً يتشكل في الشرق الليبي، مشروعاً يقوم على فكرة واضحة: الشعب يريد، والقيادة تفعل. بين أنقاض الإعصار وسيوف القاعدة، قامت مدينة عصرية، لتكتب شهادة ميلاد جديدة لليبيا التي حلم بها أبناؤها بعيداً عن الأجندات الأجنبية وأباطرة الفوضى. في المشهد الختامي، ومع انسحاب الموكب الرسمي من شوارع درنة المزينة، بقي شيء واحد لا يمكن إنكاره: لقد عادت البهجة إلى المدينة، وعادت الدولة إلى قلب المواطن. وشتان الفارق بين من يبني ومن يهدم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى