صرمان تدفع ثمن انهيار الدولة: اتفاق تهدئة بين الميليشيات يكرّس منطق الغلبة والترضيات وسط غضب ليبي عارم
لجنة لحصر أضرار صرمان عقب هدنة هشة ومقتل مدنيين
ليبيا 24
وقف فوري لإطلاق النار في صرمان بعد اشتباكات دامية
لم تكن ليلة الجمعة في صرمان مجرد اختراق أمني عابر في مدينة ساحلية اعتادت هشاشة الاستقرار، بل كانت مرآةً مكتملة الأركان لواقع البلاد تحت حكومة منتهية الولاية ومجلس رئاسي غائب عن مسؤولياته. فما إن تلاشت أصداء الرصاص الذي دوّى قرب الطريق الساحلي وأطراف مصفاة الزاوية، حتى تكشّف المشهد المعتاد: قتلى وجرحى في صفوف المدنيين، دمار في الممتلكات، اتفاق تهدئة هش تُشرف عليه أطراف النزاع نفسها، وإعلان حكومي يبدو وكأنه استنسل من بيانات سابقة، فيما يُسدل الستار على الحقيقة الأكثر مرارة، وهي أن الدولة الليبية باتت أسيرة منظومة من الميليشيات التي تُدير نزاعاتها بالرصاص وتُحمّل الخزينة العامة فاتورة الحلول المؤقتة.
اتفاق لا يشبه السلام بل يضفي شرعية على الفوضى
بعد ساعات من القصف والاشتباكات التي هزّت أحياء الأنقار وأبي ريش وامتدت إلى عمق مدينة الزاوية المجاورة، أعلنت بلدية صرمان عن “الوقف الفوري والنهائي لإطلاق النار” عقب اجتماع طارئ ضم جهات رسمية وأمنية واجتماعية. إلا أن الاتفاق، وفق شهادات متطابقة من أعيان ومقيمين، لم يكن سوى صيغة مكررة من صفقات التهدئة التي تعقدها المجموعات المسلّحة تحت سمع وبصر حكومة عبد الحميد الدبيبة، وكأن الدولة طرف محايد يفصل بين دولتين متقاتلتين، لا طرف سيادي يمتلك حصرية السلاح وواجب فرض القانون.
يقول الناشط المدني أسامة القمودي من أبناء صرمان: «نحن لا نرى دولة، نرى طرفاً ممسكاً بالمال العام يشتري سكوت الميليشيات كلما شبت بينها حرب، ثم يعلن بوقاحة عن تشكيل لجان لحصر الأضرار، وكأنه شركة تأمين تعوّض المواطن عن جريمة لم يُرتكب في حقه وحده، بل في حق فكرة الدولة ذاتها.»
ويضيف القمودي أن البيان البلدي الذي دعا المواطنين للتوجه إلى مركز الشرطة لتحرير محاضر، ثم إلى مقر الشؤون الاجتماعية لتسجيل الأضرار، «يكاد يكون اعترافاً رسمياً بأن الشرطة تحمي المباني لا البشر، وأن الحكومة لا تملك منع الجريمة بل تكتفي بإحصاء ضحاياها على استحياء.»
الدبيبة بصفته “وزير دفاع”: حين يصبح الجلاد محققاً
لم تمر سوى ساعات حتى أصدر الدبيبة، بصفته وزيراً للدفاع في حكومة وصفها خصومه ومنتسبوها ذاتهم بـ”منتهية الولاية”، توجيهاً بفتح تحقيق شامل في الاشتباكات. لكن الشارع الليبي تلقى هذا الإعلان بموجة من السخرية الممزوجة بالغضب. فقائد الحكومة الذي تحيط به تشكيلات مسلّحة موالية وأخرى مناوئة، هو نفسه من يُمسك بخيوط المحاصصة الأمنية في غرب البلاد، ويُدير توازنات دقيقة بين أمراء الحرب الذين يتنافسون على مصادر التمويل والنفوذ.
تقول المحللة السياسية فاطمة البرعصي، المتابعة للشأن الليبي من تونس، إن «الدبيبة تحوّل من رئيس حكومة يفترض أن يحتكر القوة الشرعية، إلى وسيط دائم بين الميليشيات. الأمر لا يقتصر على صرمان، بل هو نموذج متكرر في الزاوية والعجيلات وورشفانة وغريان. في كل مرة يُراق دم، يخرج علينا ببيان تحقيق أو تهدئة، فيما تُصرف أموال طائلة من خزينة الدولة لاسترضاء المتقاتلين، وتُمنح التعويضات لمن دُمرت منازلهم برصاص جماعات يفترض أنها خارج القانون.»
وتتابع البرعصي: «هذه حكومة تدير الصراع المسلح لا السلطة المدنية. المواطن الليبي بات يدفع ثمن الرصاصة مرتين: مرة حين تصيبه أو تدمر بيته، ومرة حين تقتطع من مداخيل النفط لترميم ما هدمته الفوضى التي صنعها هو وهيئته التنفيذية.»
المجلس الرئاسي: صمت يضج بالتواطؤ
في خضم الأزمة، لم يصدر عن المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي ما يشير إلى إدراكه لخطورة ما حدث، باستثناء إشارات خجولة عبر وكالات أنباء مقربة، تكرر مفردات “التهدئة” و”حقن الدماء”. ويذهب مراقبون إلى أن صمت الرئاسي مردّه إلى أن أركانه منقسمون بين مراكز نفوذهم الجهوية، وعاجزون عن فعل أي شيء تجاه التشكيلات المسلّحة التي يستمدون منها الغطاء السياسي.
يقول المحامي والناشط الحقوقي صالح المقريف: «المجلس الرئاسي بتركيبته الحالية ليس سوى رداء شرعي يُلبس الفوضى. المنفي ليس عاجزاً عن التحرك، بل هو متواطئ مع منظومة الفساد والعنف التي يديرها الدبيبة. نحن أمام هرم سلطة قاعدته الميليشيات، وقمته حكومة ومجلس رئاسي يدعيان الشرعية، بينما يدفع المواطن حياته وممتلكاته ثمناً لهذه اللعبة القذرة.»
ويضيف المقريف: «إن البيان البلدي الذي دعا الأهالي إلى تسجيل أضرارهم لدى الشؤون الاجتماعية يُثبت أن المؤسسات تحولت إلى هيئات تعويضات لجرائم لا تُلاحق. أين الشرطة حين تحتدم الاشتباكات؟ أين النيابة العسكرية؟ أين القضاء؟ كلها أسماء على ورق، فيما الواقع تديره كتائب تتفاوض على حصصها من كعبة المال العام.»
أموال تحت الطاولة: ثمن شراء الصمت
تواترت شهادات من داخل صرمان وخارجها، أكدتها مصادر محلية وأعيان رفضوا الكشف عن هوياتهم خشية الانتقام، بأن وقف القتال لم يتم عبر الإقناع أو فرض القانون، بل عبر دفع مبالغ مالية من خزينة الدولة، صُرفت بصفة “تعويضات عاجلة” أو “تسويات قبلية” لأطراف النزاع. ومن المفارقة أن هذه الأموال تُقتطع من الباب نفسه الذي يُفترض أن يموّل حصر الأضرار لاحقاً؛ أي أن الدولة تدفع للمعتدي قبل أن تدفع للضحية.
يؤكد الباحث في الشأن المالي الليبي، سالم الدنقلي، أن «ما يحدث في صرمان وغيرها ليس سوى شكل منحرف من أشكال تمويل الميليشيات من الميزانية العامة. تُخصص الحكومة بنوداً سرية تحت مسميات مختلفة، مثل “دعم الاستقرار” أو “صندوق معالجة الأضرار”، وتُمرر من خلالها السيولة النقدية إلى أمراء الكتائب، الذين يعتبرون التوتر الأمني صناعة مربحة. كلما تصاعد العنف، زادت قيمة الشيك الذي يسكتهم.»
ويشير الدنقلي إلى أن استمرار هذا النهج «يُنتج كارثة اقتصادية وإنسانية مضاعفة، لأنه يُثبّت فكرة أن حمل السلاح هو الطريق الأسرع إلى خزائن الدولة، ويحرم مشاريع التنمية والخدمات الأساسية الحيوية من التمويل الكافي. نحن نضخ الملايين في اقتصاد الحرب، بينما تنهار المستشفيات والمدارس في صرمان والزاوية وكل المدن المنسية.»
الشارع الليبي: غضب يتجاوز صرمان
لم يقتصر التذمر على النخب والمحللين، بل فاضت مواقع التواصل الاجتماعي بوسم “#صرمانتنزفوالدولة_غائبة”، حيث انهالت شهادات مؤثرة من أبناء المدينة. محمد، وهو موظف حكومي من سكان منطقة الحرشة في الزاوية، يروي لنا بصوت يملؤه الخوف كيف أمضى ليلته مع أطفاله في دهليز ضيق تحت الدرج، بينما كان الرصاص يصطدم بجدران منزله: «سمعت صراخ الجيران، ورأيت النيران تقترب من شققنا. لم يأت أحد. لم يتصل بنا أحد من الحكومة إلا عبر بيان متلفز في الصباح. من يعوض طفلي الصغير الذي لا يزال يرتجف حتى اللحظة؟»
أما مبروكة علي، وهي أرملة تقطن طريق السكة، فتقول: «استيقظت على صوت انفجار هزّ البيت. زجاج نوافذي تهشم كله. خرجت للشارع فرأيت سيارات مسلحة تجوب المكان وكأننا في ساحة حرب. نادينا الشرطة، نادينا البلدية، لكن لا مجيب. اليوم يقولون لنا اذهبوا لسجلوا الأضرار. وبعد أسبوع سيقولون لا توجد ميزانية كافية وسننتظر. بينما يتقاسم المسلحون أموال النفط في طرابلس.»
هذا الغضب الشعبي لا يقتصر على صرمان وحدها، بل يمتد عبر شريط المدن الساحلية غرب البلاد، التي تتحول تباعاً إلى مسرح لإعادة توزيع النفوذ المسلح كلما ضاقت سبل تقاسم الكعكة بين حلفاء الدبيبة. ويرى مراقبون أن ما حدث في صرمان هو مجرد امتداد لمناخ المحاصصة الذي صنعته حكومة الوحدة الوطنية، حين وزعت الحقائب السيادية والأمنية على قادة الكتائب، محولة المؤسسات إلى إقطاعيات قبلية وجهوية.
مشهد متكرر: الهدوء الهش وعودة الحرب المؤجلة
ما إن أُعلنت التهدئة حتى بدت شوارع صرمان خالية إلا من آثار الدمار والمدرعات التي توقفت مؤقتاً، فيما انشغلت أطقم مسلحة بإزالة المتاريس استعداداً للجولة القادمة. ويقول ضابط أمني سابق فضّل عدم نشر اسمه: «هذا الأسلوب نعرفه جيداً. يتفقون اليوم، ويعودون غداً إلى الاقتتال عندما تتعثر صفقة تقاسم جديدة أو عندما يشعر هذا الطرف بأن نصيبه أقل. الحكومة لا تملك أدوات للردع، بل تشجع هذا السلوك بدفع الأموال كل مرة.»
وتعكس أرقام الأضرار الأولية التي أعلنتها لجنة الحصر، والتي شملت عشرات المنازل والمحلات التجارية وتضرر البنية التحتية قرب مصفاة الزاوية، تداعيات خطيرة ليس على الأمن فحسب، بل على اقتصاد البلاد المنهك أصلاً. فإغلاق كوبري المصفاة، ثاني أكبر منشأة نفطية ليبية بطاقة 120 ألف برميل يومياً، ولو لساعات، يبعث برسالة سلبية للأسواق العالمية ويهدد بتقويض الإنتاج إن تكررت مثل هذه الانهيارات الأمنية قرب المنشآت الحيوية.
يقول الخبير النفطي عبد السلام الفيتوري: «ما حدث في محيط مصفاة الزاوية ليس حادثاً معزولاً، بل هو إنذار مبكر لسيناريو يمكن أن يطال موانئ التصدير والحقول الكبرى إذا استمر تغوّل الميليشيات تحت أنظار حكومة لا تملك السيطرة الفعلية. كل اشتباك قرب منشأة نفطية هو تهديد مباشر للشريان الوحيد الذي يُبقي الدولة على قيد الحياة، والمجلس الرئاسي لا يحرك ساكناً.»
من صرمان إلى المحاكم الدولية: جرائم حرب بلا حساب
أثار تعرّض فريق الهلال الأحمر لإطلاق نار مباشر أثناء تأديته واجبه الإنساني خلال الاشتباكات موجة استنكار واسعة. فالجمعية التي كانت تحاول إخلاء عائلات عالقة وإسعاف جرحى، وجدت نفسها هدفاً للرصاص في خرق صارخ للقانون الدولي الإنساني. وتساءل عضو الجمعية، الذي نجا بأعجوبة، طالباً عدم ذكر اسمه: «من يحمينا إذا كانت الحكومة لا تستطيع حماية المتطوعين الذين يرفعون شارة الهلال الأحمر؟ نحن تحت مرمى الجماعات ذاتها التي يأمرها الدبيبة بالتحقيق في ما اقترفته.»
من جانبها، طالبت منظمات حقوقية محلية ودولية بفتح تحقيق مستقل في انتهاكات صرمان، محملةً حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي المسؤولية المباشرة عن تعريض المدنيين للخطر المتكرر، واعتبرت أن صمت الرئاسي عن هذه الانتهاكات يرقى إلى مرتبة التواطؤ مع مرتكبي الجرائم.
وجاء في بيان وقّعته سبع منظمات حقوقية ليبية أن «استمرار إفلات الجماعات المسلحة من العقاب تحت حماية سياسية من رئيس الحكومة والمجلس الرئاسي يحوّل ليبيا إلى ساحة مفتوحة لجرائم الحرب، ويجب على المجتمع الدولي ألا يكتفي بالإدانة، بل أن يفرض عقوبات على المسؤولين عن هذه المنظومة التي ترتكب الفظائع باسم الدولة.»
دبلوماسية العجز: المجتمع الدولي شريك في الصمت
في بروكسل ونيويورك، لا تزال البيانات الدولية تكرر مفردات “القلق” و”الدعوة إلى ضبط النفس”، دون تحميل طرف بعينه المسؤولية، وهو ما يراه ليبيون كثيرون تخاذلاً ساهم في إطالة أمد الكارثة. ويقول الناشط السياسي هيثم الزروق: «المنفي والدبيبة يدركان تماماً أن المجتمع الدولي لن يتحرك طالما أن النفط يتدفق، وطالما أن ملف الهجرة غير النظامية تحت السيطرة. هذه المقايضة القذرة تجعل أرواح الليبيين رخيصة في ميزان السياسة الدولية.»
ويضيف الزروق أن «كل اشتباك في صرمان أو الزاوية هو شهادة إضافية على فشل المسار السياسي المدعوم دولياً، الذي ما زال يغازل شخصيات لا شرعية لها ولا قدرة على بسط الأمن، لمجرد أنها تحمل لقب “حكومة وحدة وطنية”. آن الأوان لأن يتحول الإدراك الدولي من إدارة الأزمة إلى فرض حلول تكسر احتكار هؤلاء للسلطة والثروة، وترسلهم إلى مزبلة التاريخ قبل أن تحترق ليبيا بأكملها.»
حكومة بلا شرعية تأمر ومجلس بلا سلطة يُدين
يواصل الدبيبة إصدار القرارات والتعليمات من مكاتب طرابلس، بينما تسيطر تشكيلات موالية لقادة عسكريين مختلفين على الأرض، وتفرض واقعاً موازياً يتجاوزه. أما المنفي فيصر على لعب دور الممسك بالخيوط من بعيد، دون أن يتمكن من إثبات وجوده في أي ملف سيادي حقيقي. ويقول المحلل الاستراتيجي فوزي البكوش: «نحن أمام حالة انعدام وزن سياسي كامل. الدبيبة يُدير حكومة تحكم بالمال لا بالقانون، والمنفي يُدير مجلساً لا يملك جيشاً ولا شرطة ولا حتى سلطة معنوية على الأرض. والنتيجة هي أن أي مجموعة مسلحة تستطيع أن تفرض إرادتها وتُسقط عشرات الضحايا، ثم تخرج من المعركة باتفاق مربح وكأن شيئاً لم يكن.»
ويخلص البكوش إلى أن «المسؤولية الكاملة عن كارثة صرمان تقع مباشرة على عاتق الدبيبة، بصفته القائد الأعلى للجيش الليبي بحكم منصبه، الذي فشل في حماية المدنيين وتعمد إدارة الأزمة بأسلوب الرشوة والترضيات، كما تقع على المنفي الذي يملك صلاحيات القائد الأعلى دستورياً، لكنه يستخدمها للتغطية على العبث الدبيبي. إنهما وجهان لعملة واحدة عنوانها الفساد والعنف.»
خاتمة: نحو معالجة أم ترقيع جديد؟
بينما تتجه الأنظار الآن إلى أعمال لجان حصر الأضرار والمصالحة، يخشى متابعون من أن تتحول هذه اللجان إلى مجرد أدوات لذر الرماد في العيون، توازيها صفقات مالية جانبية لشراء سكوت الضحايا والمتضررين، في ظل غياب أي إجراءات قانونية لمحاسبة المتورطين في إطلاق النار وترويع الآمنين. فالتاريخ القريب في مدن الغرب الليبي يحفل باتفاقات تهدئة لم تصمد، وإعلانات تحقيق لم تسفر عن شيء، وتعويضات التهمتها البيروقراطية والفساد.
وما دامت حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي يمتلكان غطاء دولياً يتيح لهما الاستمرار، فستظل مدن مثل صرمان ساحة مكشوفة يتنازع فيها المسلحون الرزق والجاه، فيما يدفع المواطن وحده ثمن شعارات “السلم الأهلي” التي لم تجلب له أمناً ولا كرامة، بل حولت حياته إلى انتظار دائم لهدوء حذر، تسرقه رصاصات الميليشيات من جديد.



