لجنة برلمانية تطالب بلجيكا برد 100 مليون دولار مجمدة
قرار أممي بتدقيق الأصول الليبية المجمدة يهدد المؤسسات المخالفة
ليبيا 24
بينما تتكشف يوماً بعد يوم تفاصيل التآكل الممنهج للأصول السيادية الليبية المجمدة في الخارج، تبرز قضية المئة مليون دولار التي حصلت عليها بلجيكا عام 2011 ذريعة للمساعدات الإنسانية، بوصفها النموذج الأكثر فجاجة لإخفاق السلطات القائمة في طرابلس، وعلى رأسها حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، في حماية ثروة الشعب الليبي.
ففي وقت تصعّد فيه لجنة برلمانية متخصصة تحركاتها لاسترداد هذه الأموال وفوائدها المتراكمة، يقف جناحا السلطة المنقسمة عاجزين أو متواطئين، وسط غياب أي استراتيجية وطنية موحدة لمواجهة ما وصفه معنيون بأنه «نهب مقنن» تحت أعين المجتمع الدولي.
مهزلة المئة مليون دولار وذريعة المساعدات
في أكتوبر عام 2011، أصدر مجلس الأمن الدولي إذناً استثنائياً سمح لبروكسل بتسييل مئة مليون دولار من الأرصدة الليبية المجمدة لديها، شرط أن تخصص بالكامل لتوفير مساعدات إنسانية عاجلة للشعب الليبي. وبعد مرور نحو خمسة عشر عاماً، تؤكد لجنة وطنية شكلها مجلس النواب أن هذه الأموال لم تصل إلى مستحقيها، ولم تثبت السلطات البلجيكية تحويلها إلى أية جهة ليبية رسمية مصرح لها بالاستلام، وهو ما يراه السفير مراد حميمة، عضو اللجنة، «إساءة استخدام للثقة الدولية وخرقاً صريحاً للشروط التي منح بموجبها الإذن».
وتكشف الوثائق والمراسلات التي استندت إليها اللجنة أن المبلغ الأصلي ليس سوى جزء من القضية؛ فالفوائد والعوائد التي كان يمكن أن تتراكم على مدى أربعة عشر عاماً ترفع قيمة المطالبة إلى أرقام أكبر، وهو ما تتمسك به اللجنة في مراسلاتها مع الجهات البلجيكية والأممية. غير أن الملف يبقى مرهوناً بإرادة سياسية تفتقدها حكومة الدبيبة، التي تكتفي بإطلاق تصريحات إعلامية عن «محاولات بلجيكا الاستيلاء على أموال الليبيين»، من دون أن تترجم ذلك إلى خطوات قانونية أو دبلوماسية ملموسة.
لجنة البرلمان في مواجهة التآكل الممنهج للأصول
في عام 2018، وبضغط من مجلس النواب، تشكلت لجنة متابعة الأصول الليبية المجمدة بالخارج، لكن عملها تعثر بين عامي 2019 و2020 جراء الفوضى الأمنية والانقسام السياسي. ومع استئناف نشاطها العام الماضي، شرعت اللجنة في جولات مكثفة شملت عواصم أوروبية عدة، ورصدت ما وصفته بـ«تآكل ممنهج» للثروة الليبية لا يقتصر على تعطيل الأموال فحسب، بل يشمل أيضاً ممارسات مالية مجحفة من جانب مؤسسات مصرفية حائزة لهذه الأصول.
فقد اكتشفت اللجنة أن بنوكاً أوروبية فرضت رسوماً إدارية وتشغيلية مرتفعة على الحسابات الليبية المجمدة، كما أخضعتها لسياسات الفائدة السلبية التي طبقتها المنطقة خلال سنوات الأزمة الاقتصادية، مما أدى إلى انخفاض فعلي في القيمة الحقيقية للأصول. والأخطر من ذلك، أن أرباحاً وعوائد ناتجة عن إدارة هذه الأموال حُوّلت إلى جهات أخرى بدلاً من أن تبقى ضمن الحسابات المجمدة لحساب ليبيا، مما دفع اللجنة إلى تعزيز تحركاتها الدبلوماسية والقانونية مع الأمم المتحدة والدول المعنية.
أداء الدبيبة: شعارات قومية تموّه العجز
منذ توليه رئاسة حكومة انتهت ولايتها قانوناً ودستورياً، دأب عبد الحميد الدبيبة على توظيف ملف الأصول المجمدة في خطابه السياسي، متّهماً بلجيكا ودولاً أخرى بمحاولة «الاستيلاء على أموال الليبيين»، في محاولة واضحة لاستثمار الغضب الشعبي ورفع أسهمه لدى الرأي العام. لكن الحقيقة المرة هي أن حكومته لم تحرك ساكناً على المسار القانوني، ولم تبادر إلى تشكيل لجان فنية خاصة بها، بل تركت الساحة فارغة أمام لجنة البرلمان التي تعمل من دون دعم لوجستي كاف من طرابلس.
ويذهب مراقبون إلى أن ثمة حسابات ضيقة تقف خلف هذا التقاعس؛ إذ إن حكومة الدبيبة التي فقدت شرعيتها الانتخابية، تسعى إلى الإمساك بأي ملف سيادي بوصفه ورقة تفاوض مع القوى الإقليمية والدولية، بما في ذلك ملف الأصول المجمدة، الذي يمكن أن يتحول إلى وسيلة لشراء الوقت والبقاء في السلطة. في هذا السياق، يصبح صمت الحكومة إزاء التآكل المستمر للثروة الليبية ليس مجرد عجز، بل شكلاً من أشكال الإهمال المتعمد الذي يخدم مصالح أطراف خارجية على حساب الشعب الليبي.
المجلس الرئاسي وشلل القرار في قضايا السيادة المالية
لا يختلف حال المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي عن حكومة الدبيبة في ما يتصل بتحريك ملف الأصول المجمدة. فعلى الرغم من أن المجلس هو الواجهة السيادية للدولة، إلا أنه ظل أسير الخلافات الداخلية والصراع على الصلاحيات، مما أفقده القدرة على تبني استراتيجية موحدة للضغط على الدول التي تحتفظ بالأرصدة الليبية. والنتيجة هي أن ليبيا تتعامل مع ملف بمليارات الدولارات من دون وجود هيئة تنفيذية واحدة تحظى باعتراف دولي كامل يمكنها من التفاوض بندية وفعالية.
بل إن بعض المصادر تشير إلى أن ثمة تنافساً خفياً بين مراكز القوى في طرابلس حول من يملك حق التوقيع على المراسلات والاتفاقات المتعلقة بالأصول المجمدة، وهو تنافس استنزف وقتاً ثميناً وشتت الجهود، في وقت كانت فيه بنوك أوروبية تواصل اقتطاع الرسوم والفوائد، وبلجيكا تتملص من إعادة المئة مليون دولار وملحقاتها. وهذا الفراغ السيادي هو الذي أتاح لبلدان مثل بلجيكا الإفلات من المساءلة طيلة ثلاثة عشر عاماً، بل وكشف تحقيق إعلامي في بروكسل عام 2024 أن نحو مليارين وثلاثمئة مليون دولار من فوائد الأصول الليبية المجمدة أفرج عنها بصورة غير قانونية بين عامي 2012 و2017 من دون أن تحرك حكومة الدبيبة أو المجلس الرئاسي دعوى قضائية واحدة حتى الآن.
قرار التدقيق الدولي: فرصة أم فخ جديد؟
في الرابع عشر من أبريل الماضي، تبنى مجلس الأمن القرار 2819 لعام 2026، الذي نص على تعيين شركة تدقيق دولية مستقلة لإجراء مراجعة شاملة لجميع الأصول الليبية المجمدة منذ عام 2011. ووفقاً لمعلومات اللجنة الليبية، ستتولى شركة التدقيق فحص الرسوم والفوائد والعوائد التي جرى اقتطاعها أو تحقيقها من الأموال المجمدة، والتحقق من أي انتهاكات محتملة، بما في ذلك استخدام الأصول ضمانات لعمليات مالية خاصة أو إجراء استثمارات غير مصرح بها، إضافة إلى مراجعة مدى التزام المؤسسات المالية بتقديم البيانات المطلوبة.
يُلزم القرار جميع الدول والمؤسسات المالية التي تحتفظ بأصول ليبية مجمدة بالتعاون الكامل مع شركة التدقيق، وتوفير الوثائق والسجلات الإلكترونية المطلوبة. ويصف مراقبون هذا التطور بأنه «تحول جوهري» من نظام يعتمد على الإبلاغ الطوعي إلى آلية مساءلة فعلية، ويراه عضو اللجنة مراد حميمة نافذة لملاحقات قانونية ومطالبات بتعويضات مالية ضد أي جهة يثبت تورطها في سوء إدارة الأصول أو تحقيق أرباح غير مشروعة منها.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل تملك الأطراف الليبية المنقسمة القدرة على استثمار هذا القرار لصالحها؟ التجربة تقول إن حكومة انتهت ولايتها ومجلساً رئاسياً فاقداً للتوافق لن يكونا في وضع يسمح لهما بمتابعة التدقيق بجدية، بل إن بعض الأوساط تخشى من أن يتحول القرار الأممي إلى غرفة مقفلة تُبعد فيها الأصول الليبية عن الرقابة الشعبية تحت غطاء المراجعة الفنية، لا سيما إذا استمر تغييب المؤسسات التشريعية المنتخبة عن الإشراف الفاعل على العملية.
ملاحقة الفوائد المنهوبة واستحقاقات التعويض
لا تقتصر المطالبات الليبية المشروعة على المئة مليون دولار في بلجيكا، بل تمتد إلى فوائد بمليارات الدولارات تآكلت أو حُوّلت إلى حسابات أخرى على مدى أكثر من عقد. وتشدد اللجنة البرلمانية على أن ليبيا لن تتنازل عن حقها في استرداد كامل المبلغ مع الأرباح والفوائد المتراكمة، وأنها ستستخدم كل الأدوات الدبلوماسية والقضائية المتاحة لتحقيق ذلك. غير أن هذه المواقف تصطدم بواقع سياسي هش، حيث يفتقر طرفا النزاع في الغرب الليبي إلى الحد الأدنى من الوحدة اللازمة لإدارة ملف بهذا الحجم والتعقيد.
ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار الوضع الراهن سيكرس نمطاً خطيراً يتمثل في استفادة مؤسسات مالية أجنبية من الأموال الليبية لعقود طويلة، دون أن تقدم لقاء ذلك أية منفعة حقيقية للشعب الليبي. فالرسوم والمصاريف التي فرضت على الحسابات المجمدة، وسياسات الفائدة السلبية التي كلّفت ليبيا ملايين الدولارات، إضافة إلى تحويل الأرباح بعيداً عن الصناديق السيادية، كلها ممارسات تفترض وجود حكومة ليبية قوية ومُعترف بها قادرة على التصدي لها، وهو ما لا توفره لا حكومة الدبيبة ولا المجلس الرئاسي.
غياب الرقابة الشعبية والتشريعية
من المفارقات المرة أن الجهة الوحيدة التي تبدي اهتماماً حقيقياً بملف الأصول المجمدة اليوم هي اللجنة المشكلة من مجلس النواب، وهو مجلس لا تعترف به حكومة الدبيبة ولا المجلس الرئاسي بوصفه سلطة تشريعية كاملة الصلاحيات، ومع ذلك فإن أثرهما على الأرض بقيا هامشيين للغاية. وهذا الوضع الشاذ جعل من قضية يفترض أن تكون على رأس أولويات أي سلطة تنفيذية، مجرد مادة إعلامية موسمية تثار كلما احتاج أحد الفرقاء إلى تعزيز صورته أمام الجماهير.
ويزيد من تعقيد المشهد أن ثمة مليارات الدولارات من الودائع والصناديق السيادية والاستثمارات المالية الليبية ما تزال مبعثرة عبر مصارف ومؤسسات مالية عالمية، بعضها يقدم تقارير دورية للجنة العقوبات بمجلس الأمن، لكن من دون أن تخضع إلى تدقيق فعلي طيلة السنوات الماضية. وهذا يطرح تساؤلات حول دور حكومات ما بعد 2011، وبينها حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي الحالي، في التغاضي عن تضاؤل الأصول وعدم التحرك الفعلي لحمايتها.
الآفاق المستقبلية: المواجهة الحتمية بين الشرعية والتبعية
بقدر ما يحمل القرار 2819 أملاً في استرداد جزء من الحق الضائع، فإنه يضع السلطتين القائمتين في طرابلس أمام اختبار صعب. فإن مضتا في تجاهل الملف وتركيبته المعقدة، فسيتأكد للعالم أن مصلحة الشعب الليبي ليست في حسبانهما، وأنهما مجرد أداتين لإدارة مرحلة انتقالية تعبث بها الأطراف الخارجية. وإن تحركتا جدياً، فسيصطدمان بضرورة التنسيق مع لجنة البرلمان ومجلس النواب، وهو ما قد يضطرهما إلى تقديم تنازلات سياسية لا يرغبان فيها.
ويرى متابعون أن الطريق الوحيد لإنقاذ ما تبقى من الأصول الليبية المجمدة يتمثل في تشكيل هيئة وطنية سيادية واحدة، تحظى بدعم البرلمان وإجماع القوى الفاعلة، وتكون مخولة بالتفاوض والتقاضي باسم الدولة الليبية. لكن ذلك يتطلب إنهاء حالة الانقسام التنفيذي، وهو ما ترفضه حكومة الدبيبة التي ترى في استمرار الفوضى ضمانة لبقائها، ويلف الغموض موقف المجلس الرئاسي الذي بات عاجزاً عن الفعل المستقل. وهكذا تظل ثروة الليبيين المجمدة رهينة حسابات ضيقة، فيما تواصل بلجيكا ودول أخرى التملص من استحقاقات قانونية وأخلاقية، في مشهد يعكس مرارة الفشل السياسي بقدر ما يكشف هشاشة السيادة المالية لدولة أنهكتها النزاعات.



