ليبيا

الكفرة تختزل المأساة: كيف تواجه الحكومة الليبية أثقال الهجرة وتصوغ مستقبل السيادة الوطنية

رحلات العودة الطوعية تتواصل من ليبيا لترحيل مئات المهاجرين

ليبيا 24- عبدالعزيز الزقم

الحكومة الليبية تجدد رفض توطين اللاجئين خلال بحث أوضاع السودانيين

في اللحظة التي تتصاعد فيها التحذيرات الدولية من تحول ليبيا إلى نقطة ارتكاز دائمة لأزمة الهجرة غير النظامية في المتوسط، تنخرط الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد في سباق صامت ضد الزمن لإعادة هندسة المشهد.
فبينما تضج أروقة طرابلس بصراعات السلطة وتقارير الفساد التي تقوض قدرة الدولة على الصمود، تنسج بنغازي بصبر استراتيجية مركبة تزاوج بين الحزم السيادي والواجب الإنساني.
لقاء وزير الخارجية عبد الهادي الحويج مع رئيسة بعثة مفوضية اللاجئين لم يكن بروتوكولياً عابراً، بل كان إعلاناً مكثفاً عن عقيدة دولة ترفض أن تكون ساحة لتصفية أزمات الآخرين، وتتمسك بحقها في إدارة ملف النزوح وفق أولوياتها الوطنية، حتى وهي تتصدى لوحدها لأعباء وجود قرابة سبعمئة ألف سوداني على أرضها.

بوابة الشرق ومخزون الأزمة الإنسانية

في الكفرة، تلك المدينة الواقعة في أقصى الجنوب الشرقي والتي تحولت إلى ما يشبه الجيب السكاني السوداني، تتجلى الصورة على حقيقتها. هناك لا وجود للمصطلحات الدبلوماسية المنمقة، بل ثمة واقع صادم لتدفق بشري لم تعهده ليبيا في تاريخها الحديث. ما يقرب من سبعمئة ألف سوداني فروا من جحيم الحرب الأهلية ليجدوا أنفسهم في عمق الصحراء الليبية، يحملون صدماتهم وأمراضهم وآمالهم المعلقة على أوروبا.
قدمت الحكومة الليبية بقيادة الدكتور أسامة حماد نموذجاً في إدارة الكارثة بعيداً عن الأضواء، إذ وفرت المساعدات الغذائية والصحية العاجلة، ودمجت بعض النازحين في النسيج المجتمعي المحلي.
لكن الكفرة، بمواردها المحدودة وبنيتها التحتية المنهكة منذ عقود، وصلت إلى أقصى طاقتها الاستيعابية. وهنا بالضبط تتبلور المعضلة التي طالما حذر منها المسؤولون في الحكومة الليبية: المجتمع الدولي يراقب ويصف ويوثق، لكن من يدفع الثمن على الأرض هي المجتمعات المحلية المضيفة التي تتحمل العبء الأكبر بصمت.

رفض التوطين: موقف سيادي أم صرخة إنسانية معكوسة؟

وسط هذا المشهد الضاغط، بدا موقف الوزير الحويج قاطعاً كحد السيف وهو يخاطب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. لم تكن عبارة “الرفض القاطع لأي شكل من أشكال التوطين داخل الأراضي الليبية” مجرد شعار سياسي لاستهلاك الداخل، بل تعبير مبكر عن خشية عميقة من تحويل الأزمة المؤقتة إلى واقع ديموغرافي دائم.
فصوت الحويج في ذلك الاجتماع المسائي ارتفع ليقول إن ليبيا، التي تعاني من انقسام سياسي حاد واقتصاد يتعثر، لا يمكنها أن تتحمل تبعات توطين مئات الآلاف. المسؤولون في حكومة الشرق ينظرون إلى تجارب دول الجوار التي انزلقت إلى مستنقع التوطين فانفجرت فيها التوترات العرقية والقبلية، وهم يدركون جيداً أن ليبيا الهشة سياسياً ستكون ساحة مثالية لمثل هذا السيناريو الكارثي.
إن المطالبة بتزويد وزارة الخارجية بنسخ من خطط البعثة الأممية وتقاريرها الدورية لم تكن بيروقراطية فارغة، بل محاولة لفرض الشفافية على منظمة دولية كثيراً ما اتهمتها أوساط ليبية رسمية في الشرق بالعمل خارج نطاق التنسيق السيادي مع الحكومة الشرعية الوحيدة.

العودة الطوعية: طوق نجاة بآلية ليبية خالصة

في موازاة الخطاب الدبلوماسي النظري، تتحرك الآلة الأمنية واللوجستية التابعة للحكومة الليبية على الأرض بإيقاع شبه يومي. جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة، أحد أكثر الأجهزة انضباطاً في الشرق، يحول مفهوم “العودة الطوعية” من حبر على ورق إلى واقع ملموس. فمع مطلع مايو، انطلقت أولى رحلات عودة السودانيين من مطار معيتيقة، ليس إلى مطار طرابلس العالمي الذي تسيطر عليه حكومة انتهت ولايتها، بل إلى بورتسودان مباشرة.
هذه الرحلة، التي أوصلت اثني عشر سودانياً إلى وطنهم الأم، كانت أكثر من مجرد إجراء إنساني؛ لقد كانت رسالة بأن الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد قادرة على إنجاز ما تعجز عنه الترتيبات الأمنية الفوضوية في الغرب الليبي.
وتشير مصادر في جهاز الهجرة إلى أن هذه العمليات لم تكن لتنجح لولا التنسيق الرفيع مع الشركاء المحليين الحكوميين، بعيداً عن فوضى الميليشيات المسلحة التي تتحكم في مفاصل الدولة في طرابلس وتتاجر بملفات المهاجرين. الرحلات الجوية، وإن بدت رمزية بعدد ركابها في البداية، فهي تختبر عملياً ممراً إنسانياً آمناً هو نقيض ممرات الموت التي يرسمها المهربون على مياه المتوسط.

دوامة المتوسط: حين تصطدم أحلام المهاجرين بجدار الموت

لا يمكن الحديث عن ملف الهجرة في ليبيا دون الوقوف ملياً عند الجانب الأكثر مأساوية وقسوة: قوارب الموت. في الأيام القليلة الماضية فقط، انتشل الهلال الأحمر الليبي سبع عشرة جثة لمهاجرين قضوا غرقاً بعد أن تقطعت بهم السبل لأكثر من ثمانية أيام في عرض البحر، فيما بقي تسعة آخرون في عداد المفقودين. هذه المأساة المتكررة، التي تبتلع أرواح العشرات شهرياً، هي النتيجة المباشرة لسياسات أمر واقع تتبعها حكومة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والتي باتت منصاتها الأمنية أشبه بمعابر سرية نحو السواحل الأوروبية.
ففي الغرب الليبي تنتعش شبكات التهريب بصورة مرعبة، ويبدو المشهد الأمني هناك أقرب إلى غرفة عمليات منظمة من كونه انهياراً عشوائياً للقانون. المهربون يتحركون برعاية ضمنية من ميليشيات متنفذة، في تناقض صارخ مع الإجراءات الصارمة التي ينفذها جهاز مكافحة الهجرة في الشرق، والذي لا يتوانى عن إطلاق حملات يومية على الأسواق والشوارع لضبط المخالفين ممن لا يحملون مستندات رسمية.
إن هؤلاء الآلاف الذين يدفعون بأرواحهم ثمناً للعبور هم ضحايا لسياسة المحاور والارتزاق السياسي التي تنهجها حكومة لا تملك تفويضاً شعبياً ولا شرعية دستورية، بل تملك فقط السيطرة بالقوة على العاصمة ومؤسساتها المنهوبة.

الهاجس الصحي والأمني: إجراءات تستبق الكارثة

لم يكن اجتماع الحويج وصخر منعزلاً عن السياق الإنساني القاتم. فعندما يشدد وزير الخارجية على “أهمية الاهتمام بالجوانب الصحية وتوفير المستلزمات الطبية ودراسة إنشاء مراكز عزل مؤقتة” فهو لا يمارس ترفاً بيروقراطياً، بل يتحدث بلغة المستبق للكارثة.
مصادر طبية ليبية في شرق البلاد حذرت مراراً من أن مئات الآلاف من السودانيين يصلون محمّلين بأمراض مزمنة وأوبئة توشك أن تشكل ضغطاً لا يحتمل على القطاع الصحي الليبي المنهك أصلاً. إنشاء مراكز العزل المؤقتة ليس إجراءً عقابياً، بل سياج صحي وأمني في آن، يضمن فحص القادمين، وتقديم الرعاية لهم، ويمنع تحول التجمعات العشوائية إلى بؤر لانتشار الأمراض أو أنشطة الجريمة العابرة للحدود.

هذه النظرة الاستشراقية تفتقدها تماماً الترتيبات الأمنية في غرب ليبيا، حيث يعيش المهاجرون في ظروف مزرية لا إنسانية ولا صحية، في مراكز إيواء أشبه بمعسكرات اعتقال تديرها الميليشيات، وهو واقع وثقته منظمات دولية عدة وأغضت حكومة الدبيبة الطرف عنه.

المصريون وغربلة ملف الجنسيات: مقاربة أمنية شاملة

بالتوازي مع إدارة ملف السودانيين، تبرهن عملية ترحيل أربعة وثلاثين مهاجراً مصرياً عبر منفذ أمساعد البري على أن عقيدة الحكومة الليبية الأمنية لا تقوم على رد الفعل، بل على الغربلة المنهجية.
هؤلاء المصريون، الذين رحّلوا مساء الأحد الماضي، دخلوا ليبيا بطرق غير نظامية واستقروا في شرقها بلا أوراق ثبوتية، ليشكلوا عبئاً على سوق العمل المحلية وأمن المجتمع. عملية أمساعد، التي تمت وفق القوانين واللوائح وبالتنسيق الكامل مع القاهرة عبر القنوات الرسمية، هي نموذج مصغر لكيفية إدارة ملف الهجرة سيادياً: لا مجال لسياسات الأمر الواقع، ولا اعتراف بوجود غير القانوني.

وفي حين ينشغل الغرب الليبي في صراعاته على تقاسم عوائد المؤسسات السيادية، تبني الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد نموذجاً خاصاً بها في ضبط الحدود، هو مزيج من الحزم والتعاون الثنائي الذي يحفظ للدولة هيبتها ولا يمس بكرامة الإنسان.

الانقسام السياسي كأزمة إنسانية مضاعفة

لا يمكن تحليل ملفي الهجرة والنزوح في ليبيا بمعزل عن الانقسام السياسي المدمر بين الشرق والغرب. فوجود حكومتين، إحداهما فاقدة للشرعية الدستورية في طرابلس لكنها تسيطر على مفاصل مالية خطيرة وأخرى تحظى بدعم برلماني وشعبي عريض في الشرق ولكنها تحاصر مالياً، هو بمثابة جرح غائر في خاصرة أي جهد دولي لإدارة الأزمة.
فالمهربون يستغلون هذه الازدواجية لشق ممراتهم، وشبكات الاتجار بالبشر تستثمر في فوضى الاختصاصات. وعندما تطالب حكومة الشرق المجتمع الدولي بالتعامل معها باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد، فهو مطلب يتجاوز شرعية السلطة ليمس صميم المعالجة العملية. فلا يعقل أن تنفق أوروبا مئات الملايين دعماً لخفر السواحل في طرابلس، فيما تغض الطرف عن تقارير استخباراتية توثق تورط شخصيات نافذة في حكومة الدبيبة في تسهيل رحلات الموت نحو الشواطئ الإيطالية. ولا يعقل أن تواصل البعثات الأممية معاملتها للحكومة الليبية كطرف هامشي في ملف يتركز ثقله الديموغرافي والأمني في مدن الشرق والجنوب حصراً.

نحو مقاربة سيادية شاملة: رؤية بنغازي لملف النزوح

لم يعد خافياً أن بنغازي طورت رؤية متماسكة لإدارة ملف الهجرة تقوم على أربع ركائز: الرفض المطلق للتوطين، وتفعيل برامج العودة الطوعية بدعم لوجستي دولي، وفرض الرقابة الصحية والأمنية على التجمعات، وإحكام السيطرة على الحدود البرية المترامية. هذه المقاربة قد لا تروق لعواصم أوروبية تفضل ضبط التدفقات عبر تمويل أجهزة بعينها في غرب ليبيا، لكنها المقاربة الوحيدة التي تتسق مع القانون الدولي وتحفظ السيادة الوطنية في آن.

وعندما يطالب الحويج المفوضية السامية بتكثيف جهودها في إدارة ملف النزوح، فهو لا يطلب صدقة أممية، بل يذكر العالم بأن ليبيا تنوب عنه في إدارة أزمة دولية، وأن كلفة هذا الإنابة يجب أن تُدفع في إطار شراكة شفافة تحترم القوانين الوطنية، لا أن تفرض علينا أعباء سياسية وأمنية على شكل توطين مقنع أو مراكز احتجاز دائمة.

خطوط حمراء في زمن الرماد

بين أروقة الأمم المتحدة وحقول الموت في الكفرة وشواطئ المتوسط، تبدو ليبيا الشرقية اليوم وكأنها الطرف الأكثر رشداً في معادلة مأزومة. هي من ينتشل الجثث، وينظم الرحلات، ويعالج المرضى، ويفاوض المنظمات الدولية، بينما تغرق طرابلس في لجتها الخاصة.

إن إصرار الدكتور أسامة حماد وحكومته على رفض التوطين ليس موقفاً عنصرياً أو عدائياً ضد الضحايا الفارين من الحروب، بل هو دفاع مستميت عن آخر خطوط السيادة في بلاد أنهكتها الفوضى. إنها رسالة فحواها أن الشرق الليبي سيظل وفياً لالتزاماته الإنسانية ما دامت تحفظ لليبيا هويتها وكيانها، ولن يكون أبداً سلة مهملات لأزمات فشل العالم في حلها في مواطنها الأصلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى