ليبيا

انهيار هيبة الدولة في الغرب الليبي.. حرب عبثية تعصف بالزاوية وتوقف قلب الاقتصاد النفطي

حكومة الدبيبة المنتهية تغرق الزاوية في فوضى مسلحة عابثة

ليبيا 24:

حرب الزاوية تعطل شريان النفط وتهدد مقدرات الليبيين

في مشهد دموي تتقاطع فيه خيوط الصراع على النفوذ مع عجز مزمن لهياكل السلطة القائمة، تحولت مدينة الزاوية غربي طرابلس إلى ساحة حرب مفتوحة.

منذ ساعات الصباح الأولى، تدوي أصداء الأسلحة الثقيلة والمتوسطة في الأحياء السكنية المكتظة، مخلفةً وراءها قتلى وجرحى وموجة نزوح جديدة، في حلقة هي الأكثر دموية من مسلسل الاقتتال الذي لم يعد يستثني حتى أكثر المنشآت الحيوية حساسية.

وما يزيد الطين بلة أن هذه المأساة لا تعكس فشلاً أمنياً محضاً، بل تكشف عن جوهر الأزمة السياسية في غرب ليبيا، حيث تستخدم حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي أمن الناس ومقدراتهم كورقة مساومة للبقاء في السلطة، تاركين مدناً بأكملها رهينة لصراع ميليشيات تتقاضى رواتبها من خزينة الدولة.

الزاوية تحت النار: تشريح حرب عبثية

ما يجري في الزاوية لا يمكن وصفه بأنه “عملية أمنية” ضد خارجين عن القانون، كما حاولت مديرية الأمن والغرفة الأمنية المشتركة تسويقه في بياناتها الأولى. إنها حرب شوارع ضروس تشارك فيها تشكيلات مسلحة معروفة بولائها لشبكات نفوذ متشابكة في العاصمة.

شهود عيان من داخل المدينة يصفون الوضع بأنه “حرب حقيقية” تُستخدم فيها الأسلحة الثقيلة في قلب الأحياء السكنية، في مشهد يُذكّر بأحلك فصول الاقتتال الداخلي.

ومع تصاعد حدة الاشتباكات، انتقلت رقعتها الجغرافية بسرعة من محور طريق بن يوسف في منطقة الحرشة إلى محيط مجمع مصفاة الزاوية النفطي، أعظم منشأة اقتصادية في غرب البلاد.

ولأول مرة في تاريخ النزاعات المحلية بالمدينة، تم رصد استخدام طائرات مسيرة انتحارية ذات الاتجاه الواحد، في تطور نوعي خطير يرفع من سقف الكارثة الإنسانية والمادية.

ومع هذه الذخائر المتطورة، سقطت قذائف الهاون والمدفعية بشكل عشوائي على منازل المواطنين، حيث اخترقت إحداها جدران منزل في منطقة الصابرية، وأصابت أخرى منزل عائلتي أبو حربة والمقطوف، مخلفةً إصابات مؤكدة في صفوف المدنيين.

حصيلة الدم لم تتأخر. فقد أُعلن عن مقتل الشاب أدهم عجينة في معمعة الاشتباكات، بينما تضاربت الأنباء حول مصير قادة مليشيا، منهم محمد الزيتوني الملقب بالشلفوح التابع لتشكيل مسلح محلي.

وفي مؤشر على حجم الخسائر، تحدثت مصادر عن تدمير آليات عسكرية وغنم أخرى، في حرب استنزاف عبثية لا يمكن فهمها إلا في سياق صراع أوسع لإعادة تموضع القوى الموالية لأقطاب السلطة في طرابلس.

الشريان النفطي تحت المدفعية: إيقاف مصفاة الزاوية

وسط أزيز الرصاص ودوي الانفجارات، صدر البيان الأكثر كارثية من شركة الزاوية لتكرير النفط. فمع سقوط قذائف من العيار الثقيل داخل مواقع التشغيل، لم يعد هناك خيار أمام المهندسين والعمال سوى إعلان حالة الطوارئ القصوى، وإيقاف المصفاة بالكامل، وإخلاء الميناء النفطي من الناقلات.

هذه المنشأة الحيوية، التي تضخ نحو مئة وعشرين ألف برميل يومياً، وتُعتبر شريان الحياة لملايين الليبيين في المنطقة الغربية، باتت خارج الخدمة بسبب صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل.

إن إخراج المصفاة عن العمل ليس مجرد حادثة أمنية عابرة، بل هو تهديد وجودي للأمن الاقتصادي والاجتماعي في كامل التراب الليبي.

إنها ضربة قاسية لقطاع حيوي يرتبط بحقل الشرارة العملاق، الذي تبلغ طاقته الإنتاجية ثلاثمئة ألف برميل يومياً.

وبينما يتغنى صناع القرار في طرابلس باستقرار إنتاج النفط، تكشف أحداث الزاوية الهشاشة المطلقة لهذا الاستقرار، حيث يمكن لميليشيا مدعومة وممولة أن توقف نبض الاقتصاد الوطني في غضون ساعات.

النقابة العامة لعمال قطاع النفط والغاز أصدرت نداءً استغاثياً عبّرت فيه عن “بالغ القلق”. لقد كان بيان النقابة أكثر من مجرد إدانة؛ كان صرخة تحذير من أن أي ضرر يلحق بالمصفاة هو “ضرر مباشر بقوت الليبيين ومستقبل الدولة”.

وقول النقابة إن القاعدة الذهبية هي “لا إنتاج بلا أمان” هو بمثابة توجيه لإصبع الاتهام مباشرة نحو سلطة الأمر الواقع في طرابلس، التي تثبت يوماً بعد يوم أنها غير قادرة، أو غير راغبة، في توفير ذلك الأمان.

حماية المنشآت والمقدرات هي مسؤولية وطنية كبرى، كما قال البيان، لكن من الواضح أن هذه المسؤولية قد سقطت من جدول أعمال من يديرون المشهد من خلف واجهاتهم السياسية المهترئة.

فشل مزمن وتواطؤ مستتر: سلطة طرابلس في قفص الاتهام

إن ما يحصل في الزاوية ليس زلزالاً مفاجئاً، بل هو النتيجة المنطقية لحالة الانقسام داخل منظومة الحكم في طرابلس، وعجزها عن بناء جيش وشرطة وطنيين حقيقيين.

فالمجموعات التي تتبادل اليوم القصف بالأسلحة الثقيلة والطائرات المسيرة “تتقاضى مرتباتها من خزينة الدولة، ولها ميزانية سنوية، ولها رتب شرطية وعسكرية”، كما كشف نقيب الصحفيين في طرابلس منصور الأحرش في منشور يعكس صدمة الرأي العام.

إنها مفارقة سوداء: الدولة تدفع رواتب لمن يدمرون مدنها ويعيثون في مقدراتها فساداً، بل إن بعضهم يتقاضى ساعات عمل إضافية يوم الجمعة بينما يخوض حرب إبادة ضد جيرانه. واستفسار الأحرش اللاذع: “وتقولي ياعاشور حكومة دبيبة مش ديمقراطية!” يلخص السخرية من ادعاء هذه الحكومة التمثيل والشرعية.

وفي تناقض صارخ يكشف انعدام التنسيق في أعلى مستويات السلطة، سارعت المنطقة العسكرية الساحل الغربي، التابعة للمجلس الرئاسي، لإصدار بيان نفي قاطع.

البيان أنكر بشكل مطلق أي مشاركة أو تنسيق مسبق مع المنطقة العسكرية بخصوص العملية التي انطلقت اليوم. وجاء في نصه البالغ الدلالة: “مثل هذه العمليات تتطلب التريث والترتيب والتنسيق على أعلى المستويات”.

هذا البيان هو إعلان رسمي من جسم تابع للمجلس الرئاسي بأن ما يحدث هو عملية خارج نطاق الدولة، وتتم خارج إطار التنسيق المفترض.

إنه دليل إدانة بامتياز، يُظهر أن أجهزة الدولة نفسها غارقة في خلافاتها، وغير مدركة لما يجري في ميدان المعركة، أو أنها تعلم وتتفرج بينما تحترق مدينة بأكملها.

المحلل السياسي محمد قشوط وضع النقاط على الحروف عندما وصف ما يحدث بأنه “حرب عبثية مدمرة تم تحشيد لها منذ أسابيع”، مضيفاً بمرارة أن المدينة “أريد لها أن تعيش هذا الحال حتى يضمن من يصل لسلطة في طرابلس بقائه واستمراره”.

هذا التحليل ينسف الرواية الأمنية الرسمية المتهافتة، ويكشف أن الغرض الحقيقي ليس محاربة الخارجين عن القانون، بل ترسيخ حكم الأمر الواقع من خلال إدارة الفوضى، وإبقاء المدن في حالة ضعف واحتراب داخلي لتكون رهينة دائمة لمن في العاصمة. إنها استراتيجية قديمة قدم الطغيان، ولكن يجري تطبيقها الآن بوقود أموال الشعب الليبي.

صرخات تحت القصف: كابوس إنساني وصمت مدوٍّ

بعيداً عن التحليلات السياسية والاستراتيجية، ثمّة مأساة إنسانية تتكشف في أزقة الزاوية. نداءات عاجلة أطلقها الهلال الأحمر في المدينة، يتوسل فيها لفتح ممرات آمنة لإجلاء العائلات العالقة في المجمعات السكنية بمحيط المصفاة.

هؤلاء مدنيون حاصرتهم الحرب في منازلهم، نساء وأطفال وشيوخ، يدفعون ثمن صراعات لا يفهمون أبعادها.

وفي مشهد آخر يجسد الانفصام الذي تعيشه البلاد، أصدرت هيئة أوقاف الزاوية تعليماتها بإبعاد المصلين عن المساجد الواقعة في مناطق الاشتباكات ونقلهم إلى أخرى آمنة، داعية الخطباء إلى “التهدئة ونبذ الفتنة وحقن الدماء”.

هذا النداء، على وجاهته، يسلط الضوء على سؤال أكثر عمقاً وجهه الناشط السياسي محمد علي المبروك: لماذا خطب الجمعة “معزولة في موضوعها عما يجري في الزاوية”؟ أين هي كلمة الحق المدوية من منابر الجمعة التي تواجه آلة الموت الطائشة؟ إنه صمت مطبق يحمي القتلة ويخذل الضحايا، ويجعل من التساؤل حول ما إذا كان للإسلام علاقة بما يجري في الزاوية سؤالاً مشروعاً وموجعاً.

إن هزيمة القوة الأمنية المشتركة، كما يقول المبروك، لا تعني مجرد نصر لهذا الطرف أو ذاك، بل هي “هزيمة لأمن المدينة وإضعاف لسلطة القانون فيها وزيادة لسطوة العصابات المسلحة”.

وهذا يضع حكومة الدبيبة أمام استحقاق واضح: إذا كانت جادة في دعم الأمن، فعليها أن تثبت قدرتها على فرضه. أما الاستمرار في دفع رواتب لعصابات تتصارع على النفوذ فهو تفريط متعمد وممنهج بالسيادة.

ثمن البقاء في الكرسي

ما ترتكبه قوى السلطة منتهية الولاية في حق الزاوية الآن ليس مجرد تقاعس عن أداء الواجب، بل هو سياسة دولة متعمدة.

إنها سياسة إبقاء المدن خارج سيطرة الدولة الحقيقية، لضمان استمرار الحاجة للسلطة القائمة في طرابلس كوسيط وراعٍ للميليشيات، مقابل ضمان بقائها واستمرارها.

دماء أدهم عجينة، ودموع العائلات العالقة، ودوي القذائف الذي يسقط على مصفاة تغذي أمة، كلها ليست سوى شواهد إضافية على أن حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي المنقسم على نفسه لم يعدا جزءاً من حل، بل هما أصل المشكلة.

إن استقرار ليبيا واقتصادها لن يرى النور من رحم هذه المنظومة التي تحولت إلى تهديد مباشر للسلم الأهلي ومقدرات الدولة.

وطالما بقي هؤلاء في مناصبهم، فإن سيناريو الزاوية ليس سوى بروفة قاسية لمسلسل دموي طويل، سيكون الليبيون وحدهم من يدفع فاتورته، فيما يلهو الجلادون بصراع البقاء في أبراجهم العاجية في طرابلس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى