مستقبل الحكم في ليبيا: مبادرة واشنطن واتفاق الإنفاق يطويان صفحة حكومة الدبيبة والمنفي
صعود نجم الفريق أول ركن صدام حفتر يجبر الشرق على انتزاع حقوقه
ليبيا 24
مبادرة أميركية جديدة بضمانات دولية تهدد معرقلي التسوية الليبية
تتقاطع في المشهد الليبي ثلاثة متغيرات حاسمة ترسم ملامح مرحلة ما بعد حكومة الدبيبة منتهية الولاية والمجلس الرئاسي، وتعيد تشكيل مراكز الثقل السياسي والاقتصادي داخل البلاد.
المبادرة الأميركية الجديدة، التي تحمل لأول مرة ضمانات وضغوطاً دولية تتجاوز صيغ الحوار السابقة، إلى جانب اتفاق الإنفاق العام الموحد الذي رعته مؤسسات الشرق والجنوب، باتت ترسم خارطة طريق تتجاوز طرفَيْ السلطة في طرابلس، وتؤذن بتحول جوهري في طبيعة التسوية المنتظرة.
وفي قلب هذا التحول يبرز صعود الفريق أول ركن صدام حفتر كلاعب وطني لا يمكن للعواصم الكبرى تجاهله، في وقت تتآكل فيه شرعية وسيطرة الحكومة والمجلس الرئاسي على الأرض.
المبادرة الأميركية: اختبار نوايا يهدد الوجود السياسي لحكومة منتهية الولاية
تكشف التحركات الأميركية الأخيرة، وفقاً لمصادر دبلوماسية مطلعة في شمال أفريقيا، عن إعادة تموضع استراتيجي يقوم على قناعة مفادها أن استمرار الوصاية السياسية لحكومة عبد الحميد الدبيبة والمجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي يشكل العقبة الرئيسية أمام إنهاء الانقسام.
فعلى عكس مسارات الأمم المتحدة التي استنزفت السنوات في رعاية حوارات العقيلة والصخيرات وجنيف، تبدو المبادرة الجديدة أكثر التصاقاً بموازين القوى على الأرض، حيث يحظى التقارب الأميركي المصري التركي حول الملف الليبي بزخم غير مسبوق، وهو تقارب يقرأه المراقبون على أنه اعتراف ضمني بأن أية تسوية لا تمر عبر الشرق الليبي وقائده العام محكوم عليها بالانهيار.
وبقدر ما تثير هذه المبادرة ارتياح أوساط واسعة في برقة وفزان، فإنها تثير قلقاً عميقاً في أروقة صنع القرار في طرابلس. فحكومة الدبيبة، التي ظلت تراهن على استمرار الجمود الدولي والانقسام الإقليمي لإطالة أمد ولايتها المنتهية، تجد نفسها اليوم أمام مبادرة تحمل آليات ضغط حقيقية على “المعرقلين”، وهي صيغة لم تعتد عليها طبقة سياسية استفادت طويلاً من غياب المحاسبة.
ويخشى مقربون من الدبيبة أن تترجم هذه المبادرة إلى قرارات دولية تلزم حكومته بتسليم السلطة لجهة توافقية جديدة، أو على الأقل تحرمها من الغطاء الذي مكنها من إدارة مفاصل الإنفاق والتمثيل الخارجي طيلة السنوات الماضية.
اتفاق مالي يكرس عزلة الغرب الليبي ويضرب صميم نفوذ الدبيبة
لم يتلقَّ عبد الحميد الدبيبة ضربة أشد في الأسابيع الأخيرة من توقيع اتفاق الإنفاق العام الموحد برعاية مصرف ليبيا المركزي، بحضور ممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وعن صندوق إعادة الإعمار.
فالحدث يتجاوز بكثير إجراءات توحيد الميزانية؛ إنه إعلان سياسي بامتياز يُفقد حكومة منتهية الولاية أعظم أوراقها – ورقة التحكم في تدفقات النفقات العامة، ويكرس واقعاً تتعامل فيه مؤسسات الدولة الفاعلة مع الشرق والجنوب بوصفهما طرفين أساسيين في إدارة الموارد، وليسا مجرد ملحقين بقرارات مركزية تصدر من طرابلس.
ويشير مصرفيون ليبيون إلى أن الإشراف المباشر للمهندس بالقاسم حفتر، رئيس صندوق إعادة الإعمار، على هذا الاتفاق، وما صاحب ذلك من إشادة محافظ المصرف المركزي ناجي عيسى بشفافية الصندوق ونزاهته، يدحض عملياً الرواية التي ظلت تروجها دوائر غرب ليبيا حول ارتباط الصندوق بأزمتي السيولة وارتفاع أسعار الصرف.
والأهم من ذلك أن الاتفاق يبعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي وإلى دوائر المال والأعمال بأن إعمار ليبيا ومشاريعها التنموية الكبرى لم تعد رهينة لفصيل بعينه في طرابلس، بل باتت تدار بصيغة توافقية تجعل الشرق والجنوب شريكين في رسم الأولويات.
هذا التحول يهدد مباشرةً البنية الاقتصادية التي قام عليها نفوذ أسرة الدبيبة، المتهمة على نطاق واسع باستخدام مؤسسات الدولة في الغرب لتمرير عقود ومخصصات لشبكات مصالح ضيقة.
فالاتفاق الجديد يفرض آليات تدقيق وشفافية تصعّب على أي جهة احتكار القرار المالي، ويحرر مناطق برقة وفزان من التبعية المذلة لمركز يتحكم في الخدمات الأساسية ويستخدمها أداة ضغط سياسي.
هشاشة الأمن في طرابلس: الميليشيات تحكم وقصور الرئاسي تغيب
بالتوازي مع الانكشاف المالي، تتدهور صورة حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي أمنياً بوتيرة متسارعة. ففيما تتحول طرابلس إلى مسرح دائم للاشتباكات بين التشكيلات المسلحة المتناحرة، يقف كل من الدبيبة والمنفي عاجزين عن فرض سلطة الدولة، بل إن بقاءهما في منصبيهما يظل مرهوناً بتوازنات هشة بين هذه الميليشيات نفسها.
ويصف دبلوماسيون غربيون المشهد في طرابلس بأنه “دولة داخل فوضى”، حيث تسيطر مجموعات خارجة عن القانون على مفاصل القرار والموارد، بينما تنحصر سلطة المجلس الرئاسي في الشكليات البروتوكولية وإصدار بيانات الإدانة التي لا يخشاها أحد.
في المقابل، تقدم مناطق سيطرة القيادة العامة للجيش العربي الليبي نموذجاً مغايراً تماماً: استتباب أمني ملموس، وانضباط في عمل المؤسسات، وقدرة على تنفيذ مشروعات إعمار واسعة النطاق. هذه الفجوة بين الشرق المستقر والغرب الخاضع للميليشيات لم تعد مجرد تفصيلة داخلية؛ لقد أصبحت حجر الزاوية في نظرة القوى الدولية والإقليمية إلى الشركاء المحتملين في ليبيا. فبينما تطلب حكومة الدبيبة الاعتراف بها كممثل شرعي، تسأل العواصم الكبرى: كيف يمكن الوثوق بحكومة لا تملك قرارها الأمني وتحتجز رهينة بيد جماعات مسلحة؟
الفريق أول ركن صدام حفتر: مهندس الاستقرار الذي تتجه إليه أنظار العواصم الكبرى
في الفراغ الذي تتركه حكومة منتهية الولاية ومجلس رئاسي بلا سلطة فعلية، يبرز اسم الفريق أول صدام حفتر، نائب القائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية، كأبرز المرشحين للعب دور محوري في صياغة مستقبل البلاد. لا ينظر المجتمع الدولي إلى صدام حفتر بوصفه مجرد قائد ميداني خلف والده، بل باعتباره مهندساً لنمط جديد من إدارة النفوذ يجمع بين الحسم العسكري والبراغماتية السياسية والقدرة على الإمساك بالملفات الحساسة من الأمن إلى العلاقات القبلية وصولاً إلى التنسيق مع الفاعلين الخارجيين.
مصادر أمنية ودبلوماسية تؤكد أن إشراف الفريق صدام على تحركات عسكرية نوعية في الجنوب والوسط لم يوفر الأمن فحسب، بل فتح الباب أمام مسار تنموي غير مسبوق في مناطق عانت طويلاً التهميش.
كما أن طريقته الهادئة في إدارة العلاقات مع القاهرة وأنقرة وواشنطن جعلت منه شخصية تحظى بثقة أطراف كانت حتى الأمس القريب على طرفي نقيض. وفي أروقة مراكز الأبحاث، تتزايد الكتابات التي تصفه بـ”الرجل القوي” القادر على ضمان الاستقرار، ليس بالاعتماد على التسويات الهشة، بل عبر بناء بنية أمنية وسياسية متماسكة تمنع تكرار سيناريو انهيار الدولة.
هذا الصعود لا يخدم فقط طموحات الشرق، بل يربك حسابات الدبيبة والمنفي اللذين راهنا طويلاً على أن المجتمع الدولي لن يقبل بشخصية من خارج المنظومة السياسية التي أنتجها اتفاق جنيف. غير أن الحاصل اليوم هو أن العواصم الغربية والإقليمية باتت تنظر إلى المؤسسة العسكرية في الشرق بوصفها الضامن الوحيد لأي اتفاق مستقبلي، وهو ما يجعل تهميش صدام حفتر أمراً مستحيلاً في أي تسوية جادة.
برقة وفزان: نموذج الحكم الذاتي الذي يهدد شرعية المركز
أحد أخطر التداعيات التي يواجهها المجلس الرئاسي وحكومة الدبيبة يتمثل في التحول التدريجي الذي تشهده مناطق برقة وفزان نحو إدارة شؤونها بنفسها بعيداً عن المركز. ففي الوقت الذي تظل فيه طرابلس غارقة في صراع النفوذ بين عائلة الدبيبة والميليشيات، تسير مدن الشرق والجنوب بخطى ثابتة في مجالات الخدمات الأساسية والإعمار وإدارة الموارد، مدعومة ببنية المؤسسة العسكرية التي توفر الاستقرار وتمنع اختراق الفوضى.
ويحذر باحثون ليبيون من أن استمرار العقلية المركزية التي تصر على احتكار القرار والخدمات في الغرب، دون اعتبار لحقوق بقية المناطق، سيدفع حتماً نحو إعادة تعريف العلاقة بين الأقاليم والدولة. والمبادرة الأميركية، بانحيازها الضمني للتوازنات الجديدة، قد تكون العامل المسرّع لتكريس حكم ذاتي موسع شرقاً وجنوباً، خصوصاً بعد أن أثبتت التجربة أن انتظار حلول من عاصمة مختطفة بقبضة الميليشيات وشبكات الفساد لا ينتج إلا مزيداً من الانهيار.
في هذا السياق، يبدو مصير حكومة عبد الحميد الدبيبة والمجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي أكثر غموضاً من أي وقت مضى. فالمتغيرات الدولية والإقليمية والمالية والعسكرية تصب جميعها في اتجاه واحد: إنهاء مرحلة الاحتكار الفاسد للسلطة، وفتح الباب أمام ترتيبات جديدة تعترف بحقائق القوة على الأرض، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية التي أثبتت قدرتها على صناعة الاستقرار.
وكلما تأخر المعنيون في طرابلس عن قراءة هذه المتغيرات، ازدادت حدة الأزمة واقتربت ساعة الحسم السياسي الذي لم تعد العاصمة قادرة على فرض شروطها فيه.



