ليبيا

الزاوية تنزف والسلطة تشاهد.. فشل الدبيبة والمنفي يفاقم مأساة الليبيين

ميليشيات تفتك بالزاوية والمواطن يدفع ثمن صراع النفوذ المستمر

ليبيا 24:

اشتباكات الزاوية تودي بقتلى وتكشف فشل حكومة الدبيبة

تحت سماء يلفها دخان الاشتباكات العبثية، استفاقت مدينة الزاوية على وقع رصاص لا يفرق بين مسلح ومدني، في مشهد دموي جديد يضاف إلى سجل الفوضى الليبية الممتد منذ أعوام.

خمسة قتلى على الأقل وعشرات الجرحى، بينهم نساء وأطفال علقوا في مرمى الاقتتال، تشير حصيلة أولية يصعب تأكيدها بالكامل بسبب توزع الضحايا على عيادات خاصة، وإغلاق الطرق الذي منع فرق الإسعاف من أداء واجبها.

ومع كل طلقة وقذيفة تسقط على الأحياء السكنية، يتجدد السؤال: أين الدولة التي يفترض أن تحمي أبناءها؟

المشهد لا يحتمل التأويل؛ إنه الإفلاس الكامل لحكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، وللمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، اللذين عجزا عن فرض هيبة القانون، وتركا المواطن وحده يواجه جحيم السلاح.

تحقيقات ميدانية، وشهادات من قلب الزاوية، وتحليلات خبراء ومراقبين، ترسم صورة قاتمة لجريمة متواصلة ترتكب بحق وطن فقد بوصلته.

جحيم في الأزقة.. حرب بلا هوادة على جسد المدينة

لم تكن المواجهات التي شهدتها مناطق الحرشة والصابرية ومحيط مصفاة الزاوية لتكرير النفط مجرد صراع عابر؛ لقد تحولت الأزقة إلى ساحات معارك حقيقية، استُخدمت فيها أسلحة ثقيلة ومتوسطة، وسقطت قذائف عشوائية على منازل آمنة.

شهود عيان تحدثوا لـ«وكالة أنباء العالم العربي» عن أصوات انفجارات هزت المباني، وعن أسر هرعت إلى الملاجئ المؤقتة دون أن تدري إن كانت ستعود.

المصادر الطبية أكدت صعوبة إحصاء الضحايا، إذ حالت الاشتباكات دون وصول سيارات الإسعاف إلى كثير من المصابين، فيما اضطر آخرون إلى نقل ذويهم في سيارات خاصة إلى عيادات ومستوصفات تفتقر إلى الإمكانات.

وتزامن هذا الجنون الأمني مع وجود رئيس الحكومة منتهية الولاية، عبدالحميد الدبيبة، في العاصمة الإيطالية روما، في زيارة وصفها مراقبون بأنها استعراضية في وقت يحترق فيه وطنه.

الكاتب الصحفي علي أوحيدة علّق على هذه المفارقة الصارخة قائلاً:

«التوتر في مصفاة الزاوية يتزامن مع زيارة الدبيبة لروما، ويؤكد أن المليشيات هي التي تدير الموقف وفق ما تراه».

إنه اعتراف ضمني بأن السلطة التنفيذية باتت أسيرة بيد التشكيلات المسلحة، لا تستطيع حماية المدنيين، ولا حتى تأمين منشأة استراتيجية كالمصفاة.

سلطة غائبة والمواطن يدفع الثمن

في وقت تنشغل فيه حكومة الدبيبة بتصفية الحسابات السياسية وتثبيت أركان نفوذها، يستمر نزيف المدن الليبية.

المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا حمّلت، في بيان شديد اللهجة، وزارة الداخلية ورئاسة الأركان «المسؤولية القانونية الكاملة حيال فشلهم في حماية أمن وسلامة السكان وممتلكاتهم وتعريض حياتهم للخطر».

البيان، الذي وصف الاشتباكات داخل الأحياء السكنية بأنها «انتهاك واضح ومتكرر وممنهج للقانون الدولي الإنساني»، يختصر مأساة عشرات الآلاف من الليبيين الذين يكتوون بنار الفوضى، فيما المسؤولون منهمكون في تقاسم المغانم.

أما المجلس الرئاسي، الذي يرأسه محمد المنفي، فبدا كالمتفرج على المذبحة. لم يصدر عنه سوى بيانات خجولة لا ترقى إلى حجم الكارثة، بينما يتحرك أعضاؤه في أروقة السياسة بمنطق المحاصصة نفسه الذي أوصل البلاد إلى حافة الانهيار.

عضو مجلس النواب ميلود الأسود اختصر الموقف بقوله:

«لا استعادة لاستقرار الدولة بدون إيجاد حل للتشكيلات المسلحة».

إنها الحقيقة التي يتهرب منها قادة المشهد الحالي خوفاً على مصالحهم الضيقة.

أصوات من الشارع.. غضب وإحباط وخوف على ما تبقى من وطن

تحت الرماد، يغلي غضب الليبيين.

نقيب الصحفيين في طرابلس، منصور الأحرش، كتب بنبرة يملؤها الألم على صفحته:

«انتهت الحرب، وعاد المحاربون إلى بيوتهم، إلا عشرة شباب عادوا إلى المقابر… لم يربح أحد، بل خسرت عشر أمهات أولادهن. انتهت الحرب وخلفت وراءها خسائر مادية تكبدها المواطن المسكين، وانقطعت الكهرباء… لن تنتهي الحرب إلا بقيام الدولة، ولن تنتهي وكل من في المشهد باقون في مناصبهم».

كلماته تلخص إحساساً عاماً بأن النخبة الحاكمة تراهن على إدامة الأزمة لتبقى في كراسيها، فيما الشعب يدفع الدم والدمار.

بدوره، وصف المحلل السياسي عثمان آدم البصير مشاعره قائلاً:

«تابعت بحزن عميق ما تشهده الزاوية من أحداث مؤسفة، تُراق فيها دماء الأبرياء، وتهدم البيوت على رؤوس ساكنيها. الزاوية تاريخ وبطولة ومكانة في ذاكرة الوطن، ومن المؤلم أن تُستنزف في صراع يعلم الجميع أنه لن يترك منتصراً».

وأضاف البصير، مخاطباً قيادات المدينة:

«الشجاعة في مثل هذه اللحظات ليست في الصمود، بل في القدرة على التنازل من أجل الوطن وإخماد الفتنة».

لكن هل يسمع هذا النداء من يمسكون بزمام الأمور؟ الواقع يؤكد أن آذانهم صماء.

أما المترشح لمنصب رئيس الحكومة الموحدة، محمد المزوغي، فكان أكثر مباشرة في ربط الفوضى بالهياكل القائمة:

«ما يحدث في الزاوية نتيجة مباشرة لفشل الأجسام القائمة في بناء مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة… لقد أصبح السلاح أقوى من الدولة، والمواطن يعيش تحت تهديد دائم للموت والخوف والنزوح».

ودعا المزوغي إلى الإسراع في تشكيل حكومة جديدة تحتكم للقانون، وهو مطلب يتردد صداه في كل زاوية من ليبيا التي أنهكتها التجارب الفاشلة.

محللون.. صراع نفوذ وتلفيق روايات

لا تخطئ عين المراقب أن ما يحدث ليس مجرد «عملية أمنية» كما يحاول البعض ترويجه.

المحلل السياسي محمد امطيريد وصف الرواية الرسمية بأنها «تلفيق ومحاولة لتدارك المشكلة المتكررة»، فيما ذهب المحلل محمد الترهوني إلى التأكيد أن «ما يحدث في الزاوية صراع على النفوذ بين التشكيلات المسلحة، والمواطن هو الضحية».

كلا الرأيين يفضح مسرحية التحالف الهش بين المليشيات التي تعبث بمقدرات المدن.

الكاتب الصحفي خليل الحاسي استخدم استعارة قاسية لوصف المشهد قائلاً:

«ما يحدث في الزاوية ليس صراعاً له أسباب معقولة، بل حالة مرضية إرهابية، وسرطان في المرحلة الرابعة لا علاج له ولا شفاء».

وتحت هذه الزاوية السوداء، تتقاطع تصريحات المحلل السياسي محمد قشوط، الذي قال إن ما تشهده المدينة «حرب عبثية مدمرة حُشد لها منذ أسابيع»، مضيفاً أن:

«المشهد العبثي الأكبر أُريد لهذه المدينة أن تعيشه وتبقى على هذا الحال حتى يضمن من يصل للسلطة في طرابلس بقاءه واستمراره».

الإشارة هنا واضحة إلى أن دوامة العنف تُفتعل وتُدار من غرف خلفية لتبرير بقاء حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي في المشهد، تحت شعار «محاربة الإرهاب» أو «فرض الأمن»، بينما الحقيقة هي تصفية حسابات وتقاسم كعكة النفوذ.

تحذيرات دولية وحقوقية من كارثة وشيكة

البعثة الأممية للدعم في ليبيا دانت الاشتباكات، محذرة من أن «الوضع في الزاوية ينذر بمخاطر زعزعة استقرار أوسع نطاقاً»، واعتبرت أن استخدام الأسلحة الثقيلة في الأحياء السكنية «أمر غير مقبول يعرض حياة المدنيين لخطر جسيم».

البعثة طالبت السلطات بحماية المدنيين والوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، غير أن هذه النداءات تظل حبراً على ورق في غياب إرادة حقيقية لدى من يديرون البلاد.

المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، من جهتها، أكدت أن الاشتباكات أدت إلى ترويع السكان وسقوط ضحايا، مطالبة النائب العام والمدعي العام العسكري والمجلس الرئاسي بفتح تحقيق جاد ومحاسبة المسؤولين.

لكن الليبيين اعتادوا على بيانات الإدانة التي لا تتبعها إجراءات، في بلد أمسى الإفلات من العقاب ثقافة راسخة.

الإعلامية والباحثة الدكتورة ريم البركي عبرت عن هذا العبث بسخرية لاذعة:

«عقيد أستاذ محمد بحرون الفار… يد تتبلطج ويد تناقش الماجستير وعيون ساهرة في الاستراحات. ألف مبروك علينا».

مفرداتها تجسد انحطاط المشهد إلى مستويات هزلية، حيث يجمع قادة الميدان بين العنف والألقاب الأكاديمية في صورة مشوهة عن الدولة.

اقتصاد تحت النار.. المصفاة والبنية التحتية في خطر

لم يسلم المرفق الحيوي الأهم في المنطقة، مصفاة الزاوية لتكرير النفط، من لهيب الاشتباكات.

تقارير مقلقة تحدثت عن أضرار لحقت بمحيطها، ما ينذر بعواقب اقتصادية وإنسانية وخيمة.

البعثة الأممية حذرت من أن استمرار الوضع يهدد بإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية الاستراتيجية، في وقت يعاني فيه المواطن أصلاً من انقطاع الكهرباء وانهيار الخدمات.

نقيب الصحفيين منصور الأحرش أشار إلى أن الحرب الأخيرة «خلفت انقطاعاً للكهرباء منذ ظهر الأمس»، ما يؤكد أن أي صراع في ليبيا يمتد تلقائياً ليعمق معاناة الناس اليومية، فيما حكومة الدبيبة عاجزة حتى عن تأمين إمدادات الطاقة الأساسية.

نحو حكومة موحدة.. مطلب الشارع قبل السياسة

في خضم الرماد، يتعاظم صوت الداعين إلى إنهاء الانقسام وتشكيل حكومة موحدة جديدة تفرض سلطة القانون وتحتكر السلاح بيد الجيش والشرطة.

ميلود الأسود شدد على استحالة الاستقرار دون حل للتشكيلات المسلحة، بينما ربط محمد المزوغي بين استمرار الفوضى واستمرار «الأجسام القائمة» في مناصبها.

المحلل السياسي محمد الترهوني أكد أن المواطن هو الضحية الوحيدة، ليكتمل المشهد برسالة واضحة: آن الأوان لطي صفحة حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي، والذهاب إلى سلطة شرعية موحدة تنهي نفوذ المليشيات وتعيد الأمن المفقود.

خاتمة.. دماء الزاوية لعنة على كل من تخاذل

دماء خمسة قتلى على الأقل وعشرات الجرحى، ودموع أمهات وأطفال شردهم الرعب، ستبقى وصمة عار في جبين كل مسؤول ليبي تقاعس عن واجبه.

لن تنتهي حروب الزاوية، ولن تنتهي حروب ليبيا، طالما أن من يحكمون يعيشون في أبراج عاجية، يرسلون أبناء الشعب إلى الموت بينما يتقاتلون هم على المغانم.

وكما كتب منصور الأحرش:

«لن تنتهي الحرب إلا بحرب لا تبقي ولا تذر على كل بؤر الفساد، وكل مواخير التهريب، وكل مروجي المخدرات وتجار السلاح».

هذه هي خلاصة الغضب في الشارع الليبي، الذي فقد الأمن وفقد وطنه، ولم يعد يقبل بغير المحاسبة وبناء الدولة طريقاً للخلاص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى