ليبيا

النهوض من القاعدة: كيف ترسم الخرائط السكانية ملامح اقتصاد ما بعد النفط في ليبيا؟

تعداد سكاني اقتصادي دقيق شرط نهضة المشاريع الصغرى والمتوسطة

ليبيا 24

فهم تركيبة السكان يحدد أولويات تمويل المشاريع الصغرى والمتوسطة

في قلب أي نقاش جاد حول إعادة بناء الاقتصاد الليبي، تبرز معضلة مزمنة: أين تُوجَّه الأمويل المخصصة لدعم المشاريع الصغرى والمتوسطة، وكيف؟ لعقود، ساد نموذج موحد يقوم على ضخ القروض في شرايين السوق، من دون أن تسبق الأموالَ قراءةٌ دقيقة للمجتمع الذي يُفترض أن ينتج ويستهلك. غير أن صوتاً اقتصادياً مخضرماً أعاد طرح السؤال من زاوية مختلفة: هل تبدأ النهضة الحقيقية من تعداد سكاني اقتصادي واجتماعي، قبل أن تبدأ من المال؟في مقال تحليلي نُشر مؤخراً، قدّم وزير الاقتصاد والصناعة السابق منير علي عصر مقاربة تتجاوز الخطاب التقليدي لدعم المشاريع الصغرى والمتوسطة. لم ينطلق من سردية التمويل بحد ذاته، بل من سؤال التركيبة السكانية: من يسكن كل منطقة؟ وما خصائص سكانها العمرية والتعليمية والثقافية؟ وكيف تُترجم هذه المعطيات إلى أولويات استثمارية تختلف من مدينة إلى أخرى؟المشاريع الصغرى والمتوسطة: العمود الفقري المُهمَلتؤكد بيانات البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية أن قطاع المشاريع الصغرى والمتوسطة يمثل أكثر من تسعين بالمئة من إجمالي الشركات في العالم، ويستوعب ما بين خمسين وسبعين بالمئة من القوى العاملة، ويُسهم بحصة جوهرية في الناتج المحلي الإجمالي لمعظم الاقتصادات الناشئة والمتقدمة على حد سواء. في ليبيا، يظل هذا القطاع بعيداً عن حجمه الطبيعي، ليس بسبب نقص في الموارد المالية، بل نتيجة غياب الركيزة الأساسية لأي تخطيط إنمائي: البيانات السكانية التفصيلية.فعلى الرغم من تواضع البرامج الحكومية المتعاقبة، إلا أن إخفاقها المتكرر لا يُعزى فقط إلى شح التمويل أو تعقيد الإجراءات، بل إلى أنها صُممت وكأن ليبيا مدينة واحدة متجانسة. وهذا الافتراض، كما يوضح المحللون، هو أصل المشكلة.خلل التشخيص: إغراق المناطق بالمال من دون خريطةيُلاحظ المتابع للسياسات التنموية المحلية أن وصفة الإقراض الشامل لا تفرق بين مدينة ذات كثافة شبابية من خريجي التقنية والهندسة، وأخرى ترتفع فيها نسبة النساء المعيلات ويغيب فيها القطاع الخاص المنظم، أو منطقة زراعية تملك ميزة نسبية في المحاصيل البعلية والثروة الحيوانية. النتيجة: مشاريع لا تتواءم مع حاجة السوق المحلي، وإخفاقات تتراكم، وتعمق الاعتماد على الإنفاق الحكومي الريعي.هذا القصور في التشخيص يحرم الاقتصاد من فرص حقيقية. فبحسب المقال، فإن الوصفة العشوائية تتعارض مع منطق الكفاءة الاقتصادية الذي أصبح بديهياً في مناطق عدة من العالم. فالمناطق لا تنجح بالمال فقط، بل تنجح حين يُستثمر المال في المكان الصحيح ووفق معطيات السكان والموارد.تعداد سكاني اقتصادي واجتماعي: المدخل الذي اقترحه عصرطرح منير عصر في مداخلته مفهوم «التعداد السكاني الاقتصادي والاجتماعي» بصفته شرطاً مسبقاً لا غنى عنه لأي سياسة وطنية للمشاريع الصغرى. وهذا المفهوم لا يقف عند حدود عدّ السكان، بل يذهب إلى تحليل بنية المجتمع في كل منطقة: أعمارهم، تخصصاتهم، نسبة النساء العاملات، مستوى التعليم، المهارات السائدة، الفجوات الاقتصادية، والموارد الطبيعية القابلة للاستثمار.وفق هذه الرؤية، تتحول البيانات إلى خارطة استثمارية حية. فإذا أظهرت البيانات أن مدينة معينة تضم كثافة نسائية مرتفعة مع نسب بطالة عالية في صفوف الخريجات، فإن الأولوية يجب أن تتجه إلى دعم الاقتصاد المنزلي والصناعات الغذائية الخفيفة والتعليب والخياطة والتغليف والخدمات الرقمية والعمل عن بُعد. أما إذا أظهرت البيانات أن مدينة أخرى يطغى فيها الشباب من حملة الشهادات التقنية، فإن الأموال الأكثر إنتاجية هي التي تذهب إلى حاضنات التكنولوجيا، والطاقة الشمسية، وتطبيقات الصيانة الحديثة، وإعادة التدوير، والخدمات الذكية.الجغرافيا الاقتصادية الليبية: لا يمكن توحيد الوصفةتتباين تركيبة المناطق الليبية بشكل حاد. الجنوب، على سبيل المثال، يمتلك مقومات زراعية ضخمة في التمور والمحاصيل المحمية، إلى جانب الثروة الحيوانية، لكنه يعاني من غياب سلاسل التبريد والصناعات التحويلية والتسويق، ما يؤدي إلى هدر جزء كبير من القيمة الاقتصادية قبل وصول المنتج إلى المستهلك. هنا، التمويل الذكي لا يكون في صورة قروض استهلاكية أو مشاريع لا صلة لها بالميزة النسبية، بل في بناء تجهيزات التبريد والنقل ووحدات التعبئة والتغليف ومعامل التمور.في المقابل، يقف الجبل الأخضر بمناخه المعتدل وأمطاره الموسمية كنموذج مختلف تماماً. يمكن لهذه المنطقة أن تتحول إلى مركز متكامل للدواجن والألبان والصناعات الغذائية، شرط أن يُبنى الدعم على دراسات إنتاجية وتسويقية دقيقة، لا على اجتهادات فردية متفرقة. أما الشريط الساحلي ذو الكثافة السكانية العالية فيحتاج إلى مقاربة حضرية تركز على الخدمات اللوجستية والتقنية والتجارة الإلكترونية.المرأة والشباب: محركان بوصلة التمويليُعيد المقال طرح قضية المرأة والشباب ليس من باب التمكين الاجتماعي فحسب، بل باعتبارهما محركين اقتصاديين إذا أُحسن استهدافهما. فإذا أثبتت الأرقام أن نسبة النساء مرتفعة مع ضعف فرص العمل، يصبح دعم المرأة المنتجة أولوية اقتصادية كبرى لا هامشية، لأنه يحرك الاستهلاك المحلي ويُخرج أسراً بأكملها من حالة الاتكال على التحويلات والمساعدات.وينطبق المنطق نفسه على الشريحة الشبابية. ففي المناطق التي تغلب فيها فئة الشباب، يكون التوجّه نحو مشاريع التشغيل السريع والتقنية والخدمات الحديثة أعلى مردوداً وأقل كلفة اجتماعية، ويُجنّب الدولة تداعيات البطالة التي كثيراً ما تتحول إلى عامل عدم استقرار.أبعد من القروض: نحو منظومة متكاملة لدعم رواد الأعماللا تقف المقاربة عند إعادة توزيع التمويل. يلفت عصر الانتباه إلى أن التجارب الدولية أثبتت أن الإقراض وحده لا يكفي لضمان النجاح. لا بد من حزمة متكاملة تشمل التدريب والإرشاد والتسويق والحاضنات، وربط المنتج بالسوق ربطاً محكماً. في هذا السياق، برز اقتراح إنشاء «منصة وطنية موحدة للمشاريع الصغرى والمتوسطة»، تجمع بين صاحب الفكرة والممول والخبير والمدرّب والمسوّق في إطار رقمي واحد، ما يقلص الفجوات المعلوماتية ويحد من العشوائية ويرفع معدلات البقاء للمشاريع الناشئة.ويأتي مقترح «بطاقة وطنية لريادة الأعمال» بمثابة أداة محفزة تمنح حامليها تسهيلات إجرائية وضريبية وجمركية، وتخلق بيئة اقتصادية جديدة قائمة على الإنتاج بدلاً من انتظار الوظيفة العامة. مثل هذه البطاقة، إن صُممت وفق معايير شفافة، يمكن أن تتحول إلى إشارة ائتمانية إيجابية في سوق لا تزال تفتقر إلى نظم التصنيف الائتماني الحديثة.من الريع إلى الإنتاج: ما بعد 50 ألف مشروعيتضمن التحليل حسابات بسيطة ولكنها معبّرة: إذا تمكنت ليبيا من إطلاق ما بين خمسين ألفا ومئة ألف مشروع صغير ومتوسط خلال خمس سنوات، بمتوسط تشغيل يتراوح بين ثلاثة وسبعة أفراد لكل مشروع، فإن الناتج سيكون مئات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة. هذا المسار ليس ضرباً من الخيال، بل هو خلاصة ما سارت عليه اقتصادات أنهكتها الصراعات ثم انطلقت من قاعدتها الإنتاجية الصغرى.غير أن بلوغ هذا الهدف مشروط بنقلة نوعية في منهجية التخطيط. فليبيا، كما يرى وزير الاقتصاد السابق، لا ينقصها المال ولا الشباب ولا الموارد، بل ينقصها «التخطيط المبني على البيانات». العبارة نفسها تلخص الخلل الهيكلي: فبينما تجلس الإدارات المتعاقبة على تدفقات نقدية قادرة على تمويل موجات متلاحقة من المشاريع، يظل الغياب شبه الكامل لنظام معلوماتي سكاني واقتصادي متكامل هو العائق الأكبر.الإنسان قبل المشروعفي نهاية المطاف، لا تُقاس قوة الاقتصاد بعدد الأبراج ولا بحجم الصادرات النفطية وحدها، بل بمدى قدرة كل منطقة على استثمار تركيبتها البشرية والطبيعية بشكل كفؤ. المقاربة التي تضع الإنسان أولاً، ثم تصمم السياسات المالية على أساس خصائصه واحتياجاته، لم تعد ترفاً فكرياً بل ضرورة فرضتها الحقائق الميدانية.وإذا كان الجدل حول إصلاح الاقتصاد الليبي قد أُسر في ثنائية «القطاع العام مقابل الخاص» زمناً طويلاً، فإن المقال الأخير الصادر عن أحد مهندسي السياسة الاقتصادية السابقين يعيد ضبط البوصلة نحو سؤال أكثر تحديداً: هل نملك القدرة على بناء اقتصاد يبدأ من فهم المجتمع، قبل أن يبدأ من تمويل المشروع؟هذا السؤال، بما يحمله من رهانات، سيكون المحك الحقيقي لأي استراتيجية إنمائية في ليبيا ما بعد النفط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى