ليبيا

تأشيرة واشنطن تحرم مدعي الجنايات من إحاطة ليبيا بمجلس الأمن

جلسة الهشري محطة فارقة في طريق العدالة الليبية أمام الدولي

ليبيا 24:

العدالة تصطدم بالحواجز: معيتيقة يكشف فصولاً مروعة والمدعي العام يغيب عن المشهد

لم تكن الجلسة التي انعقدت داخل أروقة مجلس الأمن الدولي مجرد إجراء شكلي في مسار تحقيق طويل، بل تحولت إلى مرآة عاكسة للتناقضات العميقة التي تحكم مسار العدالة الدولية.

فبينما كانت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، شميم خان، تقف لتسرد تفاصيل مروعة عن جرائم وقعت خلف جدران سجن معيتيقة، كان الغياب القسري للمدعي العام نفسه يلقي بظلاله الثقيلة على المشهد، في واقعة نددت بها المحكمة صراحة وأرجعت سببها إلى تعذر حصوله على تأشيرة دخول إلى الأراضي الأمريكية، بالرغم من أن زيارته كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتنفيذ ولاية منحها إياه قرار مجلس الأمن رقم 1970.

هذا المشهد الأولي، الذي مزج بين ثقل الشهادات ومرارة العوائق السياسية، رسم الإطار العام لجلسة بدت أقرب إلى ساحة مواجهة غير معلنة بين ضرورات إنفاذ القانون وإكراهات الواقع السيادي للدول.

معيتيقة: تشريح لمنظومة إذلال ممنهجة

في التفاصيل التي عرضتها نائبة المدعي العام، لم يظهر سجن معيتيقة باعتباره منشأة احتجاز خارجة عن السيطرة فحسب، بل وُصف بأنه “منظومة متكاملة للإذلال والتعذيب والانتهاكات الممنهجة”.

الرجل الذي يتصدر المشهد الآن، خالد محمد علي الهشري، يقف في مواجهة 17 تهمة موزعة بين جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهي تهم نُسجت خيوطها من روايات ضحايا عانوا صنوفاً من البطش طالت نساءً وأطفالاً ومهاجرين.

ما سمعته المحكمة من شهادات خلال مرحلة الاستماع التمهيدية تجاوز بكثير حدود الوصف القانوني الجاف؛ إذ تضمنت وقائع اغتصاب وعنف جسدي ونفسي واحتجاز في ظروف وُصفت بأنها لاإنسانية، لترسم صورة قاتمة لمكان حُرم فيه البشر من أدنى مقومات كرامتهم.

ومع ذلك، وسط هذا الركام من الألم، اعتبر الضحايا والناجون أن مجرد مثول الهشري أمام القضاء الدولي يمثل خطوة أولى نحو الاعتراف بمعاناتهم، وهو اعتراف لم يكن ليتحقق لولا شجاعة أوقدتهم وتفاني منظمات المجتمع المدني الليبية التي وثقت الانتهاكات وأوصلت أصواتهم المكبوتة إلى قاعة المحكمة في لاهاي.

بين حواجز التأشيرات وامتداد خطوط التحقيق

في تناقض صارخ مع مشهد التقدم القضائي، بدا غياب المدعي العام أشبه برسالة مبطنة عن الفجوة بين الالتزام الخطابي بالعدالة وتسهيل إجراءاتها على أرض الواقع.

الإحاطة التي قدمتها شميم خان لم تخلُ من الإشارة إلى أن استمرار هذا النوع من العراقيل يقوض جوهر التعاون الدولي المنصوص عليه في قرارات مجلس الأمن.

وبالتوازي مع ذلك، انزاح الستار قليلاً عن مسار آخر لا يقل تعقيداً، حيث أكد مكتب الادعاء تحقيق تقدم ملموس في ملفات شائكة تتعلق بتهريب المهاجرين والانتهاكات اللاحقة بحق مهاجري القرن الأفريقي على الأراضي الليبية، وذلك بالتعاون مع وكالة الشرطة الأوروبية (يوروبول) والسلطات الوطنية.

المفارقة أن هذا التقدم العابر للحدود وجد صدى له في قاعات قضاء هولندي أصدر حكماً بالسجن لمدة عشرين عاماً بحق المدعو تولدي غويتوم، بعد إدانته بتهريب مهاجرين وابتزاز لاجئين داخل ليبيا.

كما كشفت المحكمة أن المتهم كيداني زيكارياس هبتماريام قد تم تسليمه من الإمارات إلى هولندا لمحاكمته في قضايا مشابهة، مما يشير إلى تضييق الخناق الدولي على شبكات إجرامية طالما استفادت من حالة السيولة الأمنية.

شراكة حذرة مع طرابلس وأفق 2027

على الجانب الآخر، بدا التقرير المقدم إلى مجلس الأمن أكثر تفاؤلاً حيال تطور العلاقة مع السلطات الليبية، واصفاً إعلان ليبيا قبول اختصاص المحكمة بموجب المادة 12 من نظام روما الأساسي بأنه “تطور مشجع” أسهم في توسيع نطاق التعاون ومد خطوط التحقيق زمنياً حتى نهاية عام 2027.

وترى المحكمة في هذه الشراكة أداةً مزدوجة الفائدة؛ فهي من جهة تضيق مساحة الإفلات من العقاب على مرتكبي الجرائم، ومن جهة أخرى تدعم مسار الاستقرار والسلام الهش في البلاد.

بيد أن هذه الصورة الإيجابية لم تخلُ من بقع داكنة، إذ أعربت نائبة المدعي العام صراحة عن استمرار وجود عراقيل خطيرة تتعلق بعدم تنفيذ أوامر قبض صادرة بحق مطلوبين لا يزالون موجودين داخل ليبيا، معتبرة أن هذا التقاعس يمثل خرقاً مباشراً لقرارات مجلس الأمن ويقوض مصداقية المسار القضائي برمته.

أما مكتب الادعاء، فقد شدد على عزمه المضي سريعاً نحو مرحلة المحاكمة الكاملة في قضية الهشري فور تثبيت التهم، في إشارة إلى أن عجلة العدالة، رغم ثقلها، لا تزال تدور، مدفوعة بشجاعة أولئك الذين قرروا كسر جدار الصمت، حتى وإن كانت رحلتها محفوفة بحواجز لا تقل تعقيداً عن الجرائم التي تسعى لمعاقبتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى