ليبيا

احميد: استقرار ليبيا أولوية استراتيجية لدول الجوار ويحتاج دعماً

احميد: المسار الأمني المدخل الأساسي لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية


ليبيا 24

ليبيا وجوارها: الاستقرار كضرورة استراتيجية ومسارات التسوية المتعددة

في خضم مشهد إقليمي متوتر وتحولات داخلية متسارعة، تبرز الأزمة الليبية كإحدى أكثر الملفات تعقيداً في شمال أفريقيا، حيث تتشابك الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية في نسيج واحد يفرض على دول الجوار والشركاء الدوليين إعادة تقييم مقارباتهم.

وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي إدريس أحميد أن استقرار ليبيا بات أولوية استراتيجية لدول الجوار، ما يحتم عليها التفكير الجاد في دعم المسارات القادرة على إنهاء الأزمة وتحقيق الاستقرار المنشود.

أولوية استراتيجية لدول الجوار

تعد مصر من أكثر الدول انخراطاً في الملف الليبي، بحكم الروابط التاريخية والجغرافية وامتداد الأمن القومي المصري إلى العمق الليبي. ويؤكد أحميد أن القاهرة تمتلك علاقات متشعبة مع مختلف الأطراف الليبية، وهو ما يمنحها ثقلاً في أي معادلة سياسية أو أمنية. فالاستقرار في ليبيا ليس رفاهية بالنسبة لمصر، بل هو امتداد مباشر لأمنها الغربي، حيث تنعكس أي هزة في الداخل الليبي على الحدود الممتدة والتدفقات البشرية ومكافحة التنظيمات المتطرفة.
لذا، فإن أي تقدم في المسار الليبي يُترجم إلى استقرار إقليمي ملموس بين البلدين، وهو ما يفسر الحراك الدبلوماسي المصري المكثف خلال السنوات الأخيرة.
أما تونس، التي ترتبط بليبيا بعلاقات تاريخية ومصالح اقتصادية وتجارية عميقة، فقد ظلت، رغم انشغالها بملفاتها الداخلية وتحدياتها السياسية الخاصة، داعمة لإنهاء الأزمة الليبية عبر حل سياسي يفضي إلى قيام دولة ليبية موحدة بمؤسساتها الرسمية.

ويشير احميد إلى أن الربط التجاري والحدودي بين البلدين يجعل تونس متأثرة بشكل مباشر بأي منعطف في المشهد الليبي، سواء لجهة حركة البضائع أو الاستثمارات المشتركة أو حتى الاستقرار الأمني على الشريط الحدودي.

وفي هذا الإطار، يكتسب الدور الجزائري أهمية متزايدة في المرحلة الحالية، حيث يمكن لمشاركة الجزائر في الاجتماعات الإقليمية الخاصة بليبيا أن تشكل عامل دعم إضافي لجهود التسوية.

فالدبلوماسية الجزائرية، القائمة على مبادئ عدم التدخل والوساطة المتوازنة، قادرة على استثمار علاقاتها الدولية لنقل صورة أكثر وضوحاً عن المشهد الليبي إلى العواصم المؤثرة. ويدعو أحميد دول الجوار إلى تكثيف التنسيق فيما بينها، والاستفادة من علاقاتها الخارجية لتقديم المشهد الليبي كما هو، بعيداً عن التبسيط أو التهوين، بما يساعد الليبيين على استعادة سلطة مستقرة ومؤسسات موحدة.

المسار الأمني.. المدخل الأساسي

في قلب المعادلة الليبية، يظل المسار الأمني الأولوية القصوى، لأنه يشكل المدخل الأساسي لتوحيد المؤسسة العسكرية وإنهاء حالة تعدد التشكيلات المسلحة. ويحذر أحميد من أن التطورات الأمنية التي شهدتها العاصمة طرابلس في فترات متقاربة تكشف بوضوح حجم التحديات التي واجهت العملية السياسية والاستحقاقات الانتخابية منذ عام 2012 وحتى اليوم.

فمن دون جيش موحد وعقيدة أمنية جامعة، تبقى أي تسوية سياسية معلقة في فراغ سيادي يهددها بالانهيار مع أول اختبار حقيقي.

ويضيف المحلل أن تجارب السنوات الماضية أثبتت أن إصلاح القطاع الأمني ونزع سلاح الميليشيات ودمجها في مؤسسات رسمية خاضعة للمساءلة ليست شعارات قابلة للتأجيل، بل هي متطلبات فورية لأي عملية انتقالية ذات مصداقية. ولعل الصدامات المسلحة التي تندلع بين الحين والآخر في محيط العاصمة هي خير دليل على أن هشاشة الترتيبات الأمنية تفتح الباب أمام الفوضى وتقوض أي جهد سياسي مهما بلغت دقته.

الحوار السياسي والملف الاقتصادي

إلى جانب الملف الأمني، لا يقل المسار السياسي أهمية، خاصة وأن الحوار المهيكل، وفقاً لأحميد، بات قريباً من إنهاء أعماله عبر لجانه المختلفة. لكن التحدي الأكبر لا يكمن في إنتاج الأفكار بقدر ما يكمن في فرزها وتصنيفها بما يفضي إلى حلول عملية وقابلة للتنفيذ، تُسهم في معالجة جذور الأزمة لا مجرد ترقيع السطح. فهذه الجذور تمتد إلى أسئلة الهوية وتوزيع السلطة والثروة، وهي قضايا لا تحتمل التأجيل إن أريد للاستقرار أن يكون مستداماً.

ويبرز الملف الاقتصادي كعنصر حيوي لا يمكن فصله عن معادلتي الأمن والسياسة. فبدون معالجة الاختلالات الاقتصادية، وضمان توزيع عادل للموارد، وإعادة تفعيل المؤسسات المالية والرقابية، ستظل الأزمات المعيشية وقوداً للصراع وأداة بيد القوى الساعية إلى إطالة أمد المرحلة الانتقالية.

ومن هنا يشدد أحميد على أن معالجة الجوانب الاقتصادية هي ركيزة أساسية لاستقرار الدولة، لأن المواطن الليبي لن يلمس ثمار التسوية ما لم تنعكس على حياته اليومية ومعيشته وفرصه في العمل والتنمية.

غياب التمثيل الليبي الموحد وتداعياته
أحد أبرز المعضلات التي أشار إليها أحميد تتعلق بغياب التمثيل الليبي الموحد عن بعض الاجتماعات الإقليمية، وهو ما يُعزى إلى استمرار حالة الانقسام السياسي بين الأطراف الليبية. ويرى المحلل أن حضور تمثيل ليبي موحد في مثل هذه اللقاءات كان سيعزز بشكل كبير من حضور الموقف الوطني أمام دول الجوار، ويقلل من الانعكاسات السلبية للانقسام على المشهد الخارجي. فبدلاً من أن يتحدث الليبيون بصوت واحد يطالب بالحل ويعبر عن المصالح الوطنية الجامعة، يجد المجتمع الدولي نفسه أمام أطراف متعددة ومتناقضة، مما يضعف الثقة في إمكانية التوصل إلى توافق حقيقي.

ويحذر أحميد من أن استمرار هذا الغياب يسمح بتغذية الروايات الخارجية التي تتعامل مع ليبيا كمساحة للنفوذ والتنافس الإقليمي، بدلاً من كونها دولة ذات سيادة كاملة وشعب يطمح إلى الاستقرار. وبالتالي، فإن أي جهد دبلوماسي مستقبلي يجب أن يضع في صلب أولوياته تمكين الليبيين من تمثيل أنفسهم تمثيلاً موحداً يعبر عن الإرادة الشعبية ويعزل المعرقلين.

دور الأمم المتحدة والمبادرات الإقليمية

في هذا السياق، يؤكد أحميد أن الأمم المتحدة والمقاربة الإقليمية والدولية مطالبة بالانتقال من إدارة الأزمة إلى الدفع نحو حلها.
ويتطلب ذلك ممارسة دور أكثر فاعلية مع الأطراف الليبية المختلفة، وتحديداً تحديد الجهات التي تعرقل المسار السياسي، دون مواربة أو حسابات ضيقة، بما يضمن تنفيذ الاستحقاقات المطلوبة وإنهاء المرحلة الانتقالية التي طال أمدها. فالمرحلة الانتقالية التي كان يفترض أن تكون جسراً نحو الاستقرار تحولت بفعل التعطيل إلى حالة شبه دائمة تستنزف الطاقات وتعمق الشروخ الاجتماعية.

ويلفت المحلل إلى أن بعض المبادرات المطروحة مؤخراً عكست محاولات لتقديم مقاربات جديدة للحل، وهو تطور إيجابي من حيث المبدأ، لكنه يشترط أن يكون نجاح أي مبادرة مرتبطاً بقدرتها على التعامل مع مختلف القوى الفاعلة على الأرض ودفعها نحو توافقات وطنية شاملة، لا أن تكون مجرد إعادة تدوير لأفكار سابقة ثبت فشلها. فالتعقيدات الليبية تتطلب حلولاً مبتكرة تراعي التوازنات المحلية والقبلية والجهوية، وتجنب في الوقت ذاته تكريس المحاصصة التي أثبتت عقمها.

مطلب الليبيين الأول

في نهاية التحليل، يخلص إدريس أحميد إلى أن المشهد الليبي بات واضحاً في كثير من جوانبه، وأن الوصول إلى الاستقرار يتطلب دعماً حقيقياً للقوى التي تنخرط في الحل، وتجاوزاً شجاعاً للعوامل التي تعرقل التسوية. فالمطلب الأول لليبيين اليوم، بكل أطيافهم، هو استعادة الأمن والاستقرار وبناء مؤسسات دولة قادرة على توفير الخدمات وصون الحقوق.

وهذا المطلب لن يتحقق بمعزل عن إرادة دولية وإقليمية جادة، تترجم الأقوال إلى أفعال، وتضع مصلحة الشعب الليبي فوق أي اعتبار آخر.
ويختتم أحميد بالتأكيد على أن نافذة الفرص ما زالت مفتوحة، لكن الوقت ليس مفتوحاً إلى ما لا نهاية، وأن الرهان على عامل الزمن لم يعد استراتيجية قابلة للاستمرار، بل هو مغامرة تهدد بانزلاق ليبيا إلى مزيد من التفكك والفوضى التي سيدفع ثمنها الجميع، ليبيين وجواراً على حد سواء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى