ليبيا

مجموعة دولية تجدد التزامها بتطهير ليبيا من مخلفات الحروب

ضحايا الألغام في ليبيا يرتفعون وسط تحديات تمويل التطهير

ليبيا 24

حقول الموت الصامتة: كيف تعرقل مخلفات الحروب مسار السلام في ليبيا؟

في قاعات السفارة الإيطالية بطرابلس، حيث تلتقي الدبلوماسية الرفيعة بالقلق الإنساني العارم، لم يكن اجتماع مجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام مجرد موعد روتيني على أجندة المجتمع الدولي.

كان اعترافاً صريحاً بأن الطريق إلى الاستقرار الدائم في ليبيا لا يمر فقط عبر طاولات المفاوضات السياسية، بل يبدأ من نزع فتيل الموت المزروع تحت أقدام المدنيين. وبينما جددت عشر دول والاتحاد الأوروبي التزامها بدعم جهود التطهير، كشفت الأرقام الصادمة عن فجوة عميقة بين حجم الكارثة والموارد المرصودة لمواجهتها، في بلد تحولت أراضيه الشاسعة إلى أحد أكبر حقول الألغام ومخلفات الحرب في العالم.

إرث الحرب المتفجر: جغرافيا موت تتسع

بعد أكثر من عقد على اندلاع النزاع المسلح في ليبيا عام 2011، لا يزال البلد يرزح تحت إرث ثقيل من الذخائر غير المنفجرة والمخلفات الحربية القابلة للانفجار. وحسب معطيات نوقشت في الاجتماع السنوي الثاني للمجموعة، فإن المساحات المؤكدة أو المشتبه بتلوثها تجاوزت 688 مليون متر مربع. هذه الرقعة، التي توازي مساحات مدن كبرى مجتمعة، لا تقتصر على مناطق القتال السابقة فحسب، بل تمتد لتطوق الأحياء السكنية والأراضي الزراعية والبنى التحتية الحيوية، من جنوب طرابلس مروراً بسرت ومصراتة وغريان ومزدة، وصولاً إلى بنغازي وطبرق في الشرق ومرزق وسبها في العمق الجنوبي.

ولا يقتصر التهديد على الذخائر المتناثرة في البراري، بل يتضاعف خطرها حين يكون مصدرها مستودعات ذخيرة عشوائية تقع داخل النسيج العمراني.

لقد تحولت هذه المستودعات، التي تديرها تشكيلات مسلحة مختلفة، إلى قنابل موقوتة. المشهد الأكثر تعبيراً عن هذه الكارثة المؤجلة تجسد في انفجار هائل ضرب مدينة مصراتة في أغسطس 2025، عندما اشتعلت النيران في مخزن ذخيرة داخل منطقة سكنية مكتظة.

امتدت الأضرار الناجمة عن الانفجار في نطاق تراوح بين ثلاثة وأربعة كيلومترات، مخلفة ما لا يقل عن 21 مصاباً، وأضراراً جسيمة لحقت بالمباني التجارية والمنازل. الحادث لم يكن مفاجئاً للمراقبين، فقد سبق أن خرج أهالي مصراتة في تظاهرات غاضبة قبل شهر من الانفجار، مطالبين بنقل هذه المخازن بعيداً عن تجمعاتهم السكنية، في تحذير قوبل بآذان صماء.

حصاد الأرواح والأرض: ثمن يومي يدفعه المدنيون

وراء الأرقام الإحصائية، يكمن نزيف بشري مستمر. فمنذ مايو 2020، وهو التاريخ الذي شهد وقف إطلاق النار في طرابلس، سقط 487 ضحية جراء حوادث الألغام والذخائر المتفجرة. الحصيلة ثقيلة: 175 قتيلاً و312 مصاباً، بينهم 87 طفلاً كان يمكن أن تكون ملاعبهم ساحات لعب لا ساحات موت. هذه الأرقام، التي تم تسليط الضوء عليها في اجتماع طرابلس، تكشف بجلاء أن الحرب لم تنته بالنسبة لسكان المناطق الملوثة، بل تحولت إلى حرب استنزاف صامتة تخطف الأرواح على مهل، وتعطل أي إمكانية لعودة النازحين أو استئناف الأنشطة الزراعية التي تشكل عماد الاقتصاد المحلي في مناطق شاسعة.

البعد الاقتصادي للأزمة لا يقل فداحة عن البعد الإنساني. فوجود ملايين الأمتار المربعة الملوثة يعني تعطيل الإنتاج الزراعي، وتوقف مشاريع إعادة الإعمار، وارتفاع كلفة التأمين والاستثمار، وإطالة أمد الاعتماد على المساعدات الخارجية. كل متر مربع لم يطهر هو استثمار مؤجل في التنمية، وكل حقل ألغام هو حاجز غير مرئي يعزل المجتمعات المحلية ويمنعها من استعادة دورة الحياة الطبيعية.

الفجوة بين الاحتياج والتمويل: معركة غير متكافئة

رغم التحذيرات المتكررة، لا تزال جهود مكافحة الألغام في ليبيا تعاني من نقص حاد في التمويل والقدرات الفنية. نائبة الممثل الخاص للأمين العام والمنسقة المقيمة للبعثة الأممية، أولريكا ريتشاردسون، استحضرت خلال الاجتماع شعار اليوم الدولي للتوعية بمخاطر الألغام لعام 2026: “استثمروا في السلام، استثمروا في الأعمال المتعلقة بالألغام”، في إشارة واضحة إلى أن المجتمع الدولي مطالب بترجمة تعهده السياسي إلى التزام مالي حقيقي.

الأرقام تعكس فجوة صارخة: منذ عام 2020، تم تطهير وتسليم نحو 219 مليون متر مربع من الأراضي عبر عمليات المسح والإزالة التي قادها المركز الليبي للأعمال المتعلقة بالألغام بدعم من الشركاء الدوليين. هذا الإنجاز، الذي تحقق بإمكانيات محدودة، يظل قطرة في محيط التلوث الذي يتجاوز 688 مليون متر مربع.

وتتمثل أبرز التحديات في محدودية القدرات الفنية الوطنية، وصعوبات الوصول إلى بعض المناطق إما لأسباب أمنية أو بسبب وعورة التضاريس، إضافة إلى نقص المعدات المتطورة وفرق الخبراء القادرة على التعامل مع أنواع معقدة من الذخائر.

وحذر المشاركون في الاجتماع، الذي ضم ممثلين دبلوماسيين وعسكريين من مصر وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وقطر وجمهورية كوريا وتونس وتركيا والمملكة المتحدة، من أن استمرار نقص التمويل سيؤدي حتماً إلى إطالة عمر هذه الأزمة، وزيادة أعداد الضحايا، وتقويض أي فرص للتعافي الاقتصادي والاجتماعي.

الاختراق في مصراتة: نموذج للاستجابة الممكنة

في خضم الصورة القاتمة، ثمة ما يشير إلى أن الاستجابة الفعالة ممكنة حين تتوفر الإرادة والموارد. أشاد السفير الإيطالي جيانلوكا ألبيريني، الذي استضاف الاجتماع بالشراكة مع البعثة الأممية، بالجهود التي أعقبت انفجار مصراتة.

وقال ألبيريني، الذي تفقد موقع الانفجار بنفسه: “لقد شهدنا قدراً كبيراً من المهنية والكفاءة في تنفيذ عمليات إزالة المخلفات المتفجرة وأنشطة التوعية بمخاطر الذخائر غير المنفجرة”.

هذه الشهادة تسلط الضوء على قدرة المؤسسات الليبية على القيادة والتنفيذ حين تحظى بالدعم المناسب، وهو ما يعزز الحجة لصالح تمكين المركز الليبي للأعمال المتعلقة بالألغام ورفع جاهزيته ليكون رأس الحربة في جهود التطهير.

المسار السياسي وطموح القيادة الوطنية

لم يعد ينظر إلى ملف الأعمال المتعلقة بالألغام باعتباره قضية تقنية خالصة، بل أصبح يُفهم بشكل متزايد كركيزة أساسية في هندسة السلام المستدام. أكد المشاركون في الاجتماع على ضرورة “ترسيخ الملكية الوطنية وتعزيز القيادة الليبية” لهذا الملف، مع ضمان استمرار الدعم الدولي من خلال بناء القدرات وتعزيز التعاون الثنائي.

كما شددوا على ضرورة إدراج قضايا مكافحة الألغام والإدارة الآمنة للذخائر باهتمام أكبر ضمن أعمال مجموعة العمل الأمنية الدولية المنبثقة عن مسار برلين، مما يعكس إدراكاً متأخراً بأن الأمن البشري شرط مسبق لأي تسوية سياسية دائمة.

الرسالة التي خرج بها المجتمعون كانت واضحة: لا يمكن الحديث عن سلام حقيقي في ليبيا بينما ملايين الأمتار المربعة من أرضها تحولت إلى حقول موت، ولا يمكن تحقيق التنمية بينما يدفع الأطفال ثمن حرب لم يشعلوها.

إن الاستثمار في تطهير الأرض هو استثمار مباشر في الاستقرار، وهو وحده القادر على تحويل مناطق الصراع الصامت إلى فضاءات للحياة والعمل والأمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى