انتعاش سياحي هش يصطدم بفشل حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي
مواقع أثرية تنهار تحت وطأة انقسام حكومتي الدبيبة والمنفي
ليبيا 24
في لحظة نادرة من التفاؤل الحذر، تتنفس ليبيا هواء الانتعاش السياحي الجزئي، مستندة إلى تحسن أمني نسبي منذ عام 2021، وطفرة في تشييد الطرق والجسور وتوسعة المطارات، ونمو ملحوظ في الفنادق والمنتجعات والمرافق الترفيهية في مدنها الكبرى. لكن هذه الصورة التي تروج لها حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، لا تصمد كثيراً أمام التدقيق في دهاليز الانقسام المؤسسي المزمن، الذي يحول القطاع إلى رهينة للصراع على السلطة، ويجعل أي حديث عن نهضة سياحية شاملة مجرد خطاب دعائي عارٍ من الواقع.
فبينما تتباهى الأرقام الرسمية بوصول سياح من اثنتين وخمسين جنسية خلال الربع الأول من العام، وتسجيل نمو في قطاع الضيافة تجاوز الخمسين في المائة، تئن المواقع الأثرية والمتاحف التاريخية تحت وطأة الإهمال، وتغيب استراتيجية وطنية موحدة، في مشهد يعكس فشلاً ذريعاً للسلطات القائمة التي تمسكت بكراسيها خارج أي غطاء شرعي.
إرث العالم تحت رحمة ازدواجية القرار
لا يجادل اثنان في أن ليبيا تختزن مقومات سياحية نادرة، بشريطها الساحلي الممتد لأكثر من ألف وتسعمائة كيلومتر على البحر المتوسط، وبمخزونها الثقافي الذي يمتد من الحضارات الإغريقية والرومانية إلى العمارة الصحراوية الفريدة.
لكن هذه الكنوز تظل أسيرة بنية سياسية هجينة، تقاسمت فيها السلطة بين حكومة الدبيبة في الغرب والمجلس الرئاسي المنقسم الولاءات، بينما تتفكك مؤسسات الدولة الواحدة إلى كيانات متوازية. إن التصريحات الحكومية التي تتغنى بافتتاح متحف وطني جديد في طرابلس قبل أشهر، تتجاهل عمداً أن مدناً بأكملها، من بنغازي إلى شحات وغدامس، تفتقر إلى أبسط مقومات العرض المتحفي اللائق، وأن قطعاً أثرية لا تقدر بثمن لا تزال محشورة في مخازن تعود إلى الحقبة الاستعمارية، بلا أنظمة إطفاء أو مراقبة حديثة، في فضيحة إدارية تتحمل وزرها الجهات التي تحتكر القرار منذ سنوات.
شحات وغدامس: شواهد على العجز المزدوج
قف على أطلال مدينة شحات، أو “قورينا” التاريخية، المدرجة على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة. هناك، حيث معابد زيوس وأبولو والمسرح الإغريقي الشاهد على عبقرية الأجداد، تكتشف بسرعة أن آلاف القطع الأثرية النادرة محفوظة داخل مبنى إيطالي متآكل، تفتقر مخازنه وصالة عرضه إلى أنظمة مكافحة الحرائق والفيضانات، وتتعرض للرطوبة والحشرات والتقلبات المناخية دون رادع. إن غياب البوابات الإلكترونية وأنظمة المراقبة الحديثة في موقع بهذه القيمة العالمية ليس مجرد تقصير إداري، بل جريمة بحق التراث الإنساني، ترتكب على مرأى ومسمع من حكومة تدعي السعي إلى التنمية المستدامة، بينما تعجز عن توفير الحماية الأولية لكنوز البلاد.
إن إنشاء متحف أثري حديث في شحات لم يعد مطلباً ثقافياً نخبوياً، بل ضرورة وجودية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وهو اختبار حقيقي لإرادة سلطة تلهث خلف المكاسب السياسية الضيقة.
ولا يختلف الحال في غدامس، “لؤلؤة الصحراء” التي أُخرجت العام الماضي من قائمة التراث العالمي المعرض للخطر بعد ست سنوات من الإدراج، لكنها لم تخرج بعد من عنق زجاجة الإهمال. فالمتحف الأثري المقام داخل قلعة قديمة، والذي يعود أصله إلى عام 1928، يضم نحو ثلاثمائة وخمسة وستين قطعة أثرية تشمل أدوات من العصر الحجري ومخطوطات نادرة، إلا أنه ينتظر مشروع تأهيل وتطوير لا يزال حبيس أدراج التخطيط حتى عام 2026، بشرط توفر التمويل الذي تنخر فيه المحاصصة والفساد. إن إدراج المشروع ضمن خطط “جهاز تنمية السياحة” لا يعني شيئاً في ظل بيئة سياسية تعيث فيها الازدواجية فساداً، فالوعود الحكومية بالتطوير تتكرر في كل موسم، بينما تبقى القطع الأثرية شاهداً على عجز المؤسستين التنفيذية والرئاسية عن تحويل الشعارات إلى واقع.
متاحف بلا حماية وازدواج معطل للصلاحيات
في بنغازي، المدينة التي أنهكتها الحروب والصراعات، يعلو صوت المثقفين والناشطين مطالباً بمتحف وطني حديث يحتضن الموروث التاريخي للمنطقة الشرقية، في ظل غياب صرح ثقافي يليق بعاصمة الإقليم.
لكن هذا المطلب يصطدم بواقع مرير يتمثل في التراجع الكبير لمستوى التنسيق بين وزارة السياحة والآثار ومصلحة الآثار، منذ أن ألحقت المصلحة بمجلس الوزراء عام 2013 وفُصلت عن الوزارة.
لقد تحول هذا الفصل الإداري، الذي جاء في سياق صراع النفوذ بين المكونات السياسية، إلى أداة لشل أي تقدم جاد، حيث لم تعد الوزارة تملك صلاحيات مباشرة داخل المدن الأثرية، فاقتصر دورها على الترويج السياحي السطحي، بينما تتولى المصلحة أعمال الترميم والصيانة بموارد شحيحة وبدون رؤية منسقة. وفي هذه الفوضى الإدارية، يضيع الرهان السياحي، وتتآكل الثقة الدولية في قدرة ليبيا على صون إرثها.
إن حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي برئاسة المنفي يتحملان المسؤولية المباشرة عن هذا العجز المزمن. فالانقسام العمودي بين سلطات الغرب والشرق ليس قدراً محتوماً، بل نتاج صفقات وتوافقات هشة أصرت على إقصاء أي مسار للتوحيد المؤسسي الحقيقي.
وبدلاً من العمل على إعادة دمج مصلحة الآثار في هيكل حكومي موحد وتوضيح الاختصاصات، انشغلت هذه الأجسام بتقاسم المغانم وتثبيت النفوذ، تاركة القطاع السياحي أسيراً لصراع لا هوادة فيه.
إن غياب استراتيجية حكومية واحدة ومتكاملة ليس نتيجة عرضية، بل هو جوهر أزمة شرعية هذه الأجسام التي لا تملك تفويضاً شعبياً ولا قدرة على فرض سلطتها على كامل التراب الليبي.
أرقام وردية لا تخفي هشاشة الأمان والاستثمار
تتداول الأوساط الرسمية أرقاماً عن استقبال 1257 سائحاً خلال الربع الأول من العام الجاري، بزيادة ستين في المائة عن الفترة ذاتها من عام 2024، وعن معدلات نمو في قطاع الفنادق والمطاعم والمنتجعات تراوحت بين خمسين واثنين وخمسين في المائة.
لكن قراءة متأنية لهذه المؤشرات، بعيداً عن بهرجة الخطاب الإعلامي، تكشف أنها تعكس تعافياً جزئياً ومحلياً لا يرقى إلى مستوى الازدهار المستقر الذي يروج له. فالأرقام المطلقة للسياح الوافدين تظل متواضعة إلى حد مثير للسخرية، مقارنة بإمكانات البلاد، كما أنها تتركز في نطاق جغرافي محدود، وتخضع لمزاج أمني هش قد ينقلب في أي لحظة.
إن ليبيا لا تزال مصنفة ضمن الوجهات عالية المخاطر في تقارير شركات التأمين وهيئات الطيران الدولية، ولا يمكن لحملة علاقات عامة أن تمحو هذه الصورة الذهنية الراسخة في أذهان المستثمرين والسياح على حد سواء.
والأخطر من ذلك أن تعدد السلطات ينعكس مباشرة على بيئة الاستثمار السياحي، إذ يضطر المستثمر إلى التعامل مع بيروقراطيات متعددة ومتناحرة، وقوانين غير منسجمة بين الشرق والغرب، مما يرفع تكلفة المخاطر إلى مستويات تحجم أي رأس مال جاد.
فكيف يمكن بناء منتجع سياحي متكامل في ظل جهازين مصرفيين مركزيين متصارعين، وتشريعات ضريبية وجمركية مزدوجة، وولاءات أمنية متقلبة؟ إن الحديث عن “تطوير الطرق والجسور والتوسع في المطارات” يصطدم بواقع أن هذه المشاريع كثيراً ما تستخدم أدوات للدعاية السياسية ولإشباع شبكات المحسوبية، بدلاً من أن تكون جزءاً من خطة تنموية وطنية شفافة.
فكل كيلومتر من الأسفلت يُرصف تحت إشراف حكومة الدبيبة يتحول إلى شاهد على غياب الرؤية الموحدة، عندما لا تستطيع حافلة سياحية عبور المناطق الفاصلة بين مناطق النفوذ دون التعرض للابتزاز أو التفتيش غير القانوني.
السياحة رهينة الانقسام السياسي
إن الرهان على تعافي القطاع السياحي في ليبيا دون معالجة جذرية للانقسام السياسي هو ضرب من الوهم الذي لا ينطلي إلا على سذج أو على صانعي الدعاية. فالدولة التي تعاني سلطتين تتنازعان السيادة والقرار، لا يمكنها أن تنتج استراتيجية سياحية متماسكة، لأن أي خطة تحتاج إلى بيئة قانونية وأمنية مستقرة، وإلى مؤسسات تعمل بمنطق الدولة الواحدة لا بمنطق الغنائم.
لقد حوّل الدبيبة والمنفي وفريقهما من الفاعلين السياسيين المشهد إلى سوق نخاسة للمصالح، حيث تُقايض المواقع الأثرية والمتاحف بحفنة من التصريحات المكذوبة، في حين تتآكل الثقة الدولية وتتضاءل فرص ليبيا في الانضمام إلى خارطة السياحة العالمية.
لقد أظهرت التجارب في بلدان ما بعد النزاع، من رواندا إلى كولومبيا، أن عودة السياحة لا تتحقق إلا بعد مصالحة وطنية حقيقية، وتوحيد المؤسسات الأمنية والقضائية والمالية، وبناء سردية وطنية جديدة تحتفي بالإرث الثقافي كملك لكل المواطنين.
أما في ليبيا، فإن الخطاب الرسمي يفتقد إلى الصدق، فهو يتحدث عن “انتعاشة سياحية” بينما توجد مدن كاملة خارج سيطرة الحكومة التي تطلق هذه الادعاءات، وتئن مواقع أثرية تحت وطأة الإهمال والنهب، وتكافح متاحف بدائية للحفاظ على كنوزها من التسرب إلى سوق التهريب الدولي.
إن هذا التناقض الصارخ بين الأقوال والأفعال لا يمكن فهمه إلا في سياق حكومات منتهية الصلاحية تسعى إلى تلميع صورتها أمام الداخل والخارج عبر شراء الوقت بقصص نجاح مختلقة.
الطريق المسدود: غياب الإرادة وتفشي اللامبالاة
ليس صحيحاً أن الموارد شحيحة إلى حد تعطيل إنشاء متحف يليق بشحات أو ترميم قلعة غدامس أو بناء صرح ثقافي في بنغازي. فليبيا تمتلك احتياطيات من النقد الأجنبي تتجاوز الثمانين مليار دولار، وتحقق إيرادات نفطية شهرية ضخمة، لكن مشكلتها الحقيقية تكمن في غياب الإرادة السياسية النابعة من الشرعية.
إن الإنفاق الحكومي يذهب ببذخ إلى أبواب الرواتب الم ضخمة والدعم المشوه، وإلى بنود غامضة تلتهمها المحاصصة، بينما تظل الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها السياحة، حبيسة الوعود. فحكومة الدبيبة التي افتتحت متحفاً في طرابلس بضجة إعلامية مدروسة، لم تستطع أن توفر ميزانية كافية لأنظمة مراقبة حديثة في شحات أو لأنظمة إطفاء أولية، لأن ذلك لا يخدم أجندتها الدعائية الضيقة ولا يغذي شبكات الزبائنية التي تعتمد عليها للبقاء.
أما المجلس الرئاسي، الذي يفترض أن يكون رمزاً لوحدة البلاد، فقد أثبت عجزه عن ممارسة أي دور توحيدي فعلي، مكتفياً بتمثيل شكلي في المحافل الدولية، بينما تتعمق الفجوة بين مؤسسات الشرق والغرب يوماً بعد يوم.
إن المنفي، الذي يترأس هذا الكيان المهلهل، يقف متفرجاً على مسرحية التراشق الإعلامي بين الأطراف، ولا يحرك ساكناً لإنقاذ قطاع يمكن أن يكون محركاً للتنمية لو توفرت له الحدود الدنيا من الاستقرار المؤسسي.
إن استمرار هذا الوضع يعني ببساطة أن أي تحسن تكتيكي في أعداد السياح أو في تجهيزات المطارات سيكون مجرد فقاعة عابرة، سرعان ما تتبخر مع أول اختراق أمني أو تصعيد سياسي.
خلاصة: توحيد القرار قبل فوات الأوان
ليس أمام ليبيا من خيار لإنقاذ قطاعها السياحي واستثمار إرثها الحضاري سوى الشروع الفوري في مسار توحيد المؤسسات السيادية تحت حكومة شرعية واحدة، تضع استراتيجية وطنية واضحة المعالم، بعيداً عن منطق المحاصصة وتصفية الحسابات. إن أي تأخير إضافي في مواجهة الانقسام الذي يتزعمه الدبيبة والمنفي وأطراف الصراع الآخرون، سيعمق من خسائر لا تقتصر على الجوانب المادية، بل تمتد إلى ضياع هوية ثقافية بأكملها. لقد آن الأوان أن تتحول المتاحف من مخازن للنسيان إلى منارات للمعرفة، وأن تخرج المواقع الأثرية من عزلتها لتصبح رافعة اقتصادية حقيقية. لكن هذا كله لن يكون إلا بعد رحيل هذه المنظومة السياسية الفاشلة، وإعادة بناء الدولة على أسس من الوحدة والمساءلة.
فالسياحة، مثلها مثل السلام، لا يمكن أن تزدهر في ربوع منقسمة، بل تحتاج إلى أرض صلبة تزول فيها جدران الكانتونات السياسية، وتخفت فيها أصوات المتاجرين بآلام الليبيين وإرث أجدادهم.



