هل آن أوان اجتماع العقلاء لإنقاذ ليبيا من الانهيار؟
شيطنة الفيدرالية في ليبيا: هل هي المخرج الواقعي الوحيد؟
ليبيا 24:
الرمال المتحركة الليبية: دعوة النخب تصطدم بجدار المركزية والنظام الفيدرالي يعود إلى طاولة البحث عن مخرج
في خضم انسداد سياسي مزمن وانهيار متسارع للقدرة الشرائية، تحوّلت تصريحات أشرف الثلثي، المتحدث باسم المجلس الرئاسي السابق، إلى ما يشبه بالون اختبار سياسي أعاد فتح نقاط كانت مؤجلة في الخطاب العام الليبي.
فبين دعوته العلنية إلى اجتماع عاجل لـ«عقلاء ونخب ليبيا» لتغليب المصلحة الوطنية، وتساؤله الصريح عن أسباب «شيطنة الفيدرالية» رغم أنها قد تكون المخرج الواقعي، ثمة إشارة إلى أن قطاعات من النخبة بدأت تتحرك خارج الإطار الثنائي المهترئ (شرق – غرب) بحثاً عن صيغة جديدة لإنقاذ البلاد من التفكك الصامت.
العملة تذوي والطبقة الوسطى تتبخر
لا يمكن عزل التحرك النخبوي الناشئ عن السياق الاقتصادي الخانق. ففي أسواق الصرف الموازية، يواصل الدينار الليبي انهياره غير المسبوق، متجاوزاً حاجز 8 دنانير مقابل الدولار الواحد في تعاملات الأسبوع الماضي، بينما يقبع السعر الرسمي عند 4.8 دنانير.
هذه الفجوة التي تزيد على 60% لم تعد مجرد مؤشر مالي، بل تحولت إلى محرك رئيس لإعادة تشكيل الخريطة الاجتماعية؛ إذ تتآكل الطبقة الوسطى التي كانت عماد الاستقرار، وتتفاقم معدلات البطالة التي تشير تقديرات غير رسمية إلى تجاوزها 30%، بينما يلتهم التضخم مدخرات العائلات ويدفع شريحة واسعة من الشباب نحو الهجرة غير الشرعية أو الانخراط في اقتصادات الحرب.
وتكمن المعضلة الهيكلية في ازدواجية البنك المركزي، حيث تدير حكومتان متنافستان كتلتين نقديتين منفصلتين، وتتنازعان عوائد النفط التي تبقى المصدر شبه الوحيد لتمويل الدولة.
وتشير بيانات تتبع الناقلات إلى أن صادرات النفط الخام استقرت عند حوالي 1.2 مليون برميل يومياً، لكن آلية توزيع الإيرادات تظل نقطة الاحتكاك الأعمق، إذ تتركز عملياً في طرابلس بينما تحرم المناطق الشرقية والجنوبية من تدفقات نقدية تتناسب مع احتياجاتها التنموية، مما يغذي الشعور بالتهميش ويُبقي جذوة الانقسام مشتعلة.
مأزق المركزية المستحيلة
في ظل هذا الواقع، يأتي تساؤل الثلثي عن الفيدرالية ليفتح جرحاً قديماً جرى تضميده بخطاب وحدوي متصلب منذ سقوط النظام السابق.
فالنموذج الإداري القائم، والذي يجمع بين المركزية الشكلية والفوضى اللامركزية في توزيع السلاح والنفوذ، أثبت فشله في إدارة بلد تبلغ مساحته 1.76 مليون كيلومتر مربع، وتتنازعه هويات محلية وجهوية صلبة.
ويقول مراقبون إن استمرار التعامل مع الفيدرالية باعتبارها مرادفاً للتقسيم، إنما هو نتيجة لعقدة تاريخية متجذرة في أوساط النخبة السياسية في طرابلس، التي تخشى فقدان السيطرة على منابع النفط والموازنة العامة.
غير أن الوقائع على الأرض تروي قصة مختلفة. فنظام الحكم في ليبيا لم يكن فعلياً مركزياً خالصاً طوال تاريخها؛ فحتى في العهد الملكي، كان ثمة اعتراف بالأقاليم الثلاثة (طرابلس، برقة، فزان).
أما اليوم، في ظل غياب دستور دائم وانتشار أكثر من 300 تشكيل مسلح، باتت الإدارة المحلية الفعلية قائمة بحكم الأمر الواقع، لكن من دون إطار قانوني يضمن توزيعاً عادلاً للثروة أو مساءلة شفافة.
وهذا هو مربط الفرس في خطاب الداعين إلى الفيدرالية: إنهم يطرحونها لا كتقسيم للسيادة، بل كهيكلة عقلانية للدولة تبدأ من القاعدة إلى القمة، وتمنح الأقاليم صلاحيات مالية وإدارية واسعة مع بقاء جيش واحد وعملة واحدة وسياسة خارجية موحدة.
النموذج الدولي: من سويسرا إلى الإمارات
يستند أنصار هذا التوجه إلى تجارب دولية ناجحة؛ فسويسرا الاتحادية صارت مثالاً يُحتذى في إدارة التعدد اللغوي والثقافي، وألمانيا الاتحادية خرجت من رماد الحرب العالمية الثانية بنظام فيدرالي متين يوزع الثروة والتنمية بين أقاليمها، والإمارات العربية المتحدة أثبتت أن الفيدرالية يمكن أن تكون وعاءً سياسياً لبناء دولة قوية ومزدهرة تجمع سبع إمارات مختلفة تماماً في إمكانياتها وفي كل هذه النماذج، لم تكن الفيدرالية نقيضاً للوحدة، بل كانت ضمانتها.
ففي ليبيا، حيث يحتكر الإقليم الشرقي غالبية الحقول النفطية، بينما يتمركز المقر المالي في طرابلس، ويملك الجنوب ثروات منجمية ومائية هائلة، يمكن لنظام فيدرالي واقعي أن يقدم صيغة لتقاسم الإيرادات بشكل دستوري، مما ينزع فتيل الصراع على الموارد الذي يقف خلف أغلب الانقلابات العسكرية والتحالفات الهشة.
وهذا بالضبط ما يقلق القوى المستفيدة من الفوضى الحالية، التي تستخدم شعارات «الوحدة الوطنية» لتغليف احتكارها للقرار.
ديناميكية النخب بين الواقعية والتخوين
دعوة الثلثي إلى اجتماع العقلاء ليست الأولى من نوعها، لكن توقيتها هذه المرة يختلف. فالإرهاق الشعبي من الانقسام بلغ مستوىً غير مسبوق، كما أظهرت احتجاجات متفرقة في مدن عدة العام الماضي، قُمعت بسرعة لكنها تركت صدعاً في جدار الشرعية السياسية للطرفين.
وهناك تيار خافت لكنه متصاعد داخل النخبة يرى أن الحوار الوطني التقليدي الذي ترعاه الأمم المتحدة وصل إلى طريق مسدود، وأن صيغة «حكومة الوحدة» المؤقتة لم تعد قابلة للحياة مع وجود برلمانين وجيشين وميزانيتين.
غير أن معرقلين اثنين يقفان في وجه هذا المسار: الأول هو الخوف من اتهام الداعين إلى الفيدرالية بـ«تقسيم البلاد»، وهو اتهام سهل التحريك في شارع منهك.
والثاني هو المصالح المالية المتشعبة لطبقة من رجال الأعمال والميليشيات التي جنت ثروات طائلة من الاقتصاد الريعي غير المنظم، وتجد في الفيدرالية تهديداً مباشراً لتدفقاتها النقدية المعتمة.
السيناريو القاتم والبديل الأخير
في كواليس الدبلوماسية الغربية، ثمة قلق متزايد من أن استمرار الوضع الراهن لن ينتج دولة فاشلة فحسب، بل مختبراً جيوسياسياً خطيراً يتداخل فيه نشاط المرتزقة الأجانب، وتهريب البشر، وتهريب الوقود إلى السوق السوداء الإقليمية.
غير أن أي دعم خارجي لفكرة الفيدرالية يُطرح بحذر بالغ، خوفاً من اتهامات بالتدخل أو إعادة رسم خرائط المنطقة.
وهذا التردد يترك الساحة مفتوحة للاعبين المحليين الذين يتعين عليهم حسم خيارهم التاريخي: إما الاستمرار في غيبوبة المركزية المستحيلة حتى الانهيار الشامل، وإما القبول بمفاوضات جادة حول نموذج حكم يليق بجغرافيا ليبيا ومواردها وتنوعها.
ويخلص مراقبون إلى أن تصريحات الثلثي تعكس صوتاً بدأ يخرج من وراء الكواليس، مفاده أن إنقاذ الدولة لن يكون بإعادة تدوير الوجوه نفسها في حكومات هشة، بل بإعادة تأسيس العقد الاجتماعي الليبي على قاعدة اللامركزية الواسعة.
أما من يصر على شيطنة الفيدرالية، فعليه أن يقدم حلاً بديلاً يوقف نزيف العملة، يوحد المؤسسة العسكرية، ويجلب التنمية إلى الجبل الأخضر وسبها وأوباري بنفس القدر الذي تصل فيه إلى شارع المقريف في العاصمة.
وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى سؤال الثلثي معلقاً في الهواء الليبي المثقل بالغبار: هل آن الأوان فعلاً؟



