ليبيا

الطبقة الوسطى في ليبيا.. الحصن الداخلي المهدد بالذوبان

عصر: إعادة توزيع الثروة السبيل الوحيد لإنقاذ الطبقة المنتجة

ليبيا 24:

تآكل الطبقة الوسطى ينذر بفقدان ليبيا توازنها الداخلي العميق

في سردية اقتصادية اجتماعية نادرة، وضع وزير الاقتصاد والصناعة السابق منير علي عصر أصبعه على الجرح الأعمق في بنية الدولة الليبية: التآكل المنظم للطبقة الوسطى، التي يصفها بأنها «صمام أمان الدولة» وعمودها الفقري.

وفي تحليل يزاوج بين الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع التنموي، يحذر عصر من أن استمرار السياسات الحالية لا يهدد فقط الاستقرار المعيشي للمواطنين، بل يدفع البلاد بأكملها نحو حالة من التفكك الوظيفي، حيث تُترك الدولة من دون عقلها المنتج والمتوازن.

هذه الرؤية، وإن صدرت عن مسؤول سابق، تفتح الباب أمام نقاش استراتيجي حول أصل الأزمة الليبية التي كثيراً ما اختُزلت في الصراع السياسي والأمني، بينما جرى تجاهل أساسها الاقتصادي الذي يطحن ملايين الليبيين في دوامة من الإرهاق اليومي.

الطبقة الوسطى.. من يقصدها تحديداً؟

بعيداً عن التعريفات الأكاديمية الجافة، يشير التحليل إلى تلك الشريحة التي تجاوزت خط الفقر المدقع، وتمتلك تعليماً ومهارات ودخلاً يسمح لها بالتخطيط للمستقبل، لكنها لا تنتمي إلى دوائر الثروة والنفوذ.

إنها طبقة المعلمين وأساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين وصغار رجال الأعمال والحرفيين المتخصصين والموظفين المهرة. هؤلاء هم من يشغّلون المؤسسات، ويُدرّسون الأجيال، ويديرون الخدمات، وينتجون الأفكار، ويُشكّلون الرأي العام النقدي.

في البلدان المستقرة، تشكل هذه الطبقة غالباً ما بين 40 و60 في المئة من السكان، وتُعد المؤشر الأصدق على صحة الاقتصاد ومناعة المجتمع.

في ليبيا، لا توجد أرقام رسمية دقيقة وحديثة، لكن الشواهد الميدانية وقصص الأسر وتآكل الرواتب الحقيقية أمام موجات التضخم وتردي الخدمات العامة، تؤكد أن هذه الطبقة تنكمش بوتيرة متسارعة منذ سنوات، لتحل محلها كتلة هائلة من الأسر التي تنزلق إلى شريحة الكادحين المنهكين.

سياسات تُوطّن الفقر بدلاً من مكافحته

النقطة الأكثر إثارة للجدل التي يطرحها وزير الاقتصاد السابق هي أن تآكل الطبقة الوسطى ليس قدراً مفروضاً على بلد يفيض بالنفط والغاز، بل هو نتاج توجهات حكم وإدارة اقتصادية خاطئة ومستمرة.

ويستخدم تعبيراً لافتاً هو «توطين الفقر»، أي جعل الفقر حالة مزمنة ومستقرّة عبر إغراق المواطن في معركة يومية لتأمين أساسيات الحياة.

الراتب لم يعد يكفي، والغلاء يلتهم أي زيادة هامشية، والدعم الحكومي العشوائي يخلق اقتصاداً ريعياً مشوهاً يستفيد منه الوسطاء والمهرّبون أكثر مما يصل إلى مستحقيه.

وهكذا، يُدفع المواطن إلى حلقة مفرغة: راتب ينفق كله على الغذاء، إيجار يبتلع الجزء المتبقي، مصاريف علاج مفاجئة تهدم أي ادخار، ومستلزمات مدارس تعيد الأسرة إلى نقطة الصفر.

في هذا السباق المحموم، لا وقت للقراءة ولا للتفكير في مشروع صغير ولا للمطالبة بالإصلاح، إنها هندسة اقتصادية غير معلنة تُنتج فرداً مستهلكاً منهكاً، لا مواطناً فاعلاً.

ليبيا الثروة وليبيا الواقع.. أين تذهب العوائد؟

السؤال الذي يطرحه الوزير السابق بمرارة لا يخص ليبيا وحدها، لكنه يبدو أكثر إيلاماً في بلد يملك أحد أكبر احتياطيات النفط في أفريقيا، إلى جانب الغاز والمياه الجوفية الهائلة والثروة البحرية والموقع الاستراتيجي والاستثمارات الخارجية.

أين تذهب هذه العوائد؟ ولماذا لا يشعر المواطن الليبي الحقيقي بثمارها في مستوى معيشته وفي جودة الخدمات العامة وفي فرص العمل اللائقة؟ الإجابة تكمن، وفق التحليل، في غياب نظام عادل لتوزيع الثروة.

فعوائد النفط تخضع لمنطق المراكز والنفوذ، وتُصرف بطرق غير شفافة، بينما يتحول الدعم إلى أداة للتحكم الاجتماعي لا للتنمية.

كما أن جزءاً كبيراً من الموارد يُهدر في مشاريع وهمية أو في استيراد سلع استهلاكية لا تبني قدرات إنتاجية محلية. والنتيجة هي مفارقة صارخة: بلد غني بالفطرة، وشعب يعيش قلق الفقر.

دوامات الاستنزاف.. من العيد إلى الشتاء بلا توقف

في توصيف بالغ الدقة، يرسم التحليل صورة التقويم الحيوي للمواطن الليبي الذي يخرج من رمضان إلى عيد الفطر، ومن العيد إلى أضحية الأضحى، ومن الأضحى إلى مستلزمات المدارس، ومن المدارس إلى كسوة الشتاء، ثم إلى فواتير الطاقة والعلاج والسكن، ثم تعود الدورة من جديد.

هذا الإيقاع لا يترك فراغاً ذهنياً للإبداع أو الادخار أو التطوير أو حتى للراحة النفسية، إنها عملية استنزاف مخططة أو على الأقل متروكة من دون معالجة، تجعل الإنسان في حالة دفاع دائم عن بقائه، وتُطفئ لديه أي بوصلة للتخطيط طويل الأمد.

وهنا تحديداً، يكمن الخطر السياسي والاجتماعي الأكبر: فعندما تغيب الطبقة الوسطى القادرة على التخطيط والنقد، يصبح المجتمع قابلاً للاستقطاب الحاد، وتتحول السياسة إلى سوق للمزايدات الشعبوية أو إلى حلبة للصراع على الإيجار.

الخوف الخفي.. لماذا تقلق الأنظمة من الطبقة الوسطى؟

يذهب التحليل إلى ما هو أبعد من الأرقام، ليكشف عن حسابات القوة. فالطبقة المترفة المرتبطة بالسلطة لا تشكل تهديداً حقيقياً لأنها تخشى على امتيازاتها، وغالباً ما تتحول إلى حليف صامت أو مباشر لمراكز القرار.

والطبقة الكادحة المنهكة لا تملك الوعي أو الوقت أو الأدوات للمطالبة بتغيير جوهري. أما الطبقة الوسطى، فهي العدو القلق، لأنها متعلمة، وتفكر، وتقارن، وتنتقد، وتستطيع أن تتحول إلى قوة دافعة للإصلاح.

تآكل هذه الطبقة ليس مجرد خلل اقتصادي، بل خيار ضمني لإدارة المجتمع. وبدلاً من تمكين الإنسان، يتم إبقاؤه في حالة من الإرهاق الدائم، عبر سياسات تضخيم الإنفاق الاستهلاكي غير المدعوم بإنتاج، وضغط ضريبي غير معلن يأخذ شكل غلاء ورداءة خدمات، وغياب أي شبكة أمان اجتماعي حقيقية.

عواقب الذوبان.. دولة بلا عقل منتج

عندما تختفي الطبقة الوسطى، لا تخسر الدولة مجرد شريحة اجتماعية، بل تفقد آلية التوازن المركزي.

فأولاً، ينهار الطلب على التعليم الجيد والتخصصي، فتصبح الشهادات مجرد أوراق لا علاقة لها بسوق العمل، ويتراجع التصنيع والزراعة والتقنية التي تحتاج إلى كوادر مؤهلة ومستهلكين ذوي قدرة شرائية.

ثانياً، يتقلص رأس المال البشري القادر على الابتكار وإدارة المشاريع، وتغلب ثقافة الصفقات السريعة واقتصاد الريع.

ثالثاً، تتفكك الروابط الاجتماعية، ويحل الاستقطاب الجهوي والقبلي والفئوي محل الانتماء الوطني القائم على المصالح المشتركة.

رابعاً، يفقد النظام السياسي أي حاضنة اجتماعية مستقرة قادرة على دعم مسار ديمقراطي حقيقي، لأن المواطن المنهك لا يبحث عن حقوق، بل عن لقمة العيش بأي ثمن. وهذا ما يجعل مسألة إنقاذ الطبقة الوسطى مسألة أمن قومي، لا مجرد رفاهية تنموية.

نحو عقد اجتماعي جديد في ليبيا

الخلاصة التي يصل إليها وزير الاقتصاد السابق تتجاوز التشخيص إلى اقتراح ملامح علاجية جريئة، فهو يدعو إلى إعادة توزيع عوائد النفط والغاز بشكل عادل، وتمكين المواطن من نصيب حقيقي من الثروة الوطنية، والانتقال من نظام دعم عشوائي يكرس التبعية إلى نظام دعم ذكي يضمن الكرامة ويشجع الإنتاج.

كما يقترح فرض ضرائب رفاهية على السلع الكمالية الفاخرة، وتوجيه إيراداتها إلى صندوق إعمار وتنمية حقيقي، وحماية الطبقة الوسطى عبر سياسات ضريبية تصاعدية وأجور عادلة وخدمات عمومية جيدة.

هذه الدعوة تمثل في جوهرها بحثاً عن عقد اجتماعي جديد، تكون فيه الدولة شريكاً للمواطن في بناء الثروة لا مجرد جابي إيرادات وموزع ريع.

 ويرى الكاتب أن الدولة القوية ليست تلك التي تملك نفطاً وغازاً وموقعاً جغرافياً فقط، بل التي تملك شعباً مستقراً يعيش بكرامة وقادراً على التخطيط لمستقبله.

التجربة الدولية.. دروس من ماليزيا وبوتسوانا وغيرهما

لا تخلو التجارب العالمية من نماذج لدول غنية بالموارد تمكنت من بناء طبقة وسطى قوية وحمت نفسها من اللعنة الريعية.

ماليزيا، على سبيل المثال، استخدمت عوائد النفط والغاز لتمويل التعليم والصحة والبنية التحتية ودعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة، مع سياسات تمييز إيجابي لفترة محدودة لتوسيع قاعدة الملكية.

بوتسوانا، البلد الغني بالألماس، أنشأت صندوقاً للثروة السيادية يدار بشفافية، وربطت الإنفاق العام بمعايير تنموية صارمة. كما أن تجارب النرويج وكندا تقدم دروساً في إدارة الإيرادات النفطية بعيداً عن النهب السياسي.

هذه المقارنات تظهر أن المال الوفير لا يشكل خطراً في ذاته، بل طريقة إدارته هي التي تحدد ما إذا كان سيكون لعنة أم نعمة.

وفي الحالة الليبية، لا ينقص البلاد المال ولا الكفاءات، بل ينقصها الإرادة السياسية لبناء دولة القانون والمؤسسات، وإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الحقوق والواجبات، لا على أساس الصدقة الريعية المشروطة.

خارطة طريق للخروج من المأزق

استناداً إلى رؤية وزير الاقتصاد السابق وإلى معطيات علم الاقتصاد السياسي، يمكن رسم خريطة طريق أولية لإنقاذ الطبقة الوسطى في ليبيا وإعادة بناء الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

أولاً، الشفافية الكاملة في إيرادات النفط والغاز، ونشر تقارير دورية مفصلة حول كميات الإنتاج والأسعار والعقود والنفقات، وهذا وحده كفيل بخلق رأي عام ضاغط.

ثانياً، إصلاح منظومة الدعم عبر تحويل الدعم العيني إلى دعم نقدي مشروط يصل إلى مستحقيه مباشرة، مع تحرير أسعار الطاقة تدريجياً وتعويض الأسر المتوسطة والفقيرة، مما يحرر موارد هائلة للتعليم والصحة.

ثالثاً، الاستثمار الجاد في رأس المال البشري عبر إصلاح التعليم وإلغاء احتكار الوظيفة العامة وربط مخرجات التعليم بسوق العمل.

رابعاً، تشجيع ريادة الأعمال وخلق بيئة قانونية وبنكية صديقة للمشاريع الصغرى.

خامساً، وضع نظام ضريبي تصاعدي يطال الثروات الكبيرة والسلع الكمالية، بعيداً عن جيوب الطبقة الوسطى والكادحة.

وأخيراً، صياغة ميثاق وطني اقتصادي اجتماعي تشارك فيه كل القوى الحية، يضع أهدافاً واضحة لعشر سنوات، بعيداً عن التقلبات السياسية.

المواطن المنتج لا المستهلك المنهك

الهدف النهائي من هذه الإصلاحات هو تحويل المواطن الليبي من كائن منهك يطارد احتياجاته الأساسية في دوامة لا تنتهي، إلى إنسان منتج وقادر على الإبداع والتخطيط والمشاركة في بناء الوطن.

فالتنمية الحقيقية لا تقوم على إنهاك الشعوب، بل على تحرير الإنسان من الخوف الاقتصادي.

وحين يتحرر المواطن من القلق اليومي على لقمة العيش، يمكنه أن يقرأ ويتعلم ويبتكر ويدخر ويفتح مشروعاً ويطالب بمحاسبة المسؤولين، فتزدهر الدولة كلها.

أما حين يبقى رهينة لضغوط الغذاء والدواء والإيجار والكهرباء، فإنه يتحول تدريجياً إلى مجرد مستهلك خاضع، وتتحول الدولة إلى كيان هش لا يتحمل الصدمات.

معركة البقاء ومعركة البناء

يقرع وزير الاقتصاد السابق جرس إنذار شديد الوضوح: إن أخطر أنواع الفقر ليس فقر المال، بل فقر الفرص وفقدان الأمل. وليبيا، بثرواتها الهائلة، تملك كل مقومات النهوض، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية تعيد تعريف الوطنية على أنها ضمان الكرامة المعيشية والعدالة الاقتصادية للمواطن.

وحين تنهار الطبقة الوسطى، لا تنهار فقط ميزانيات الأسر، بل تبدأ الدولة في فقدان توازنها الحقيقي، وقد لا تستعيده إلا بعد عقود من الضياع.

الرسالة الأساسية التي يوجهها هذا التحليل إلى صناع القرار في ليبيا وخارجها هي أن السبيل الوحيد للاستقرار المستدام يمر عبر بناء طبقة وسطى قوية، لا عبر التلاعب بالتوازنات الأمنية المؤقتة. فالدولة التي تصنع الإنسان هي التي تبقى، أما الدولة التي ترهقه، فهي تؤسس لزوالها بصمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى