ليبيا

أعضاء الحوار المهيكل يقرون رؤية وطنية قبيل تقرير يونيو

لجنة الحوار: انتخابات رئاسية وبرلمانية لإنهاء سيطرة أمر الواقع


ليبيا 24

في ختام ستة أشهر من النقاشات المكثفة التي احتضنتها بعثة الأمم المتحدة، طوى الحوار المهيكل الليبي آخر جولاته متوجهاً إلى المحطة الأكثر ترقباً، حيث من المقرر أن يصدر تقريره النهائي في الأسبوع الأول من شهر يونيو المقبل.

العضو في اللجنة، عبد الرحيم الشيباني، كشف في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24 أن أكثر من مئة وعشرين شخصية من مختلف الشرائح الليبية شاركوا في صياغة هذا المخرج، بواقع أربعة إلى خمسة أيام شهرياً، في محاولة لإعادة تعريف ملامح التسوية بعيداً عن ثنائية الشرق والغرب، ومباشرة تحت جذور الأزمة المنغرسة في بنية الاقتصاد السياسي للبلاد.

توافق اقتصادي نادر تحت سقف النفط والموازنة

شهد المسار الاقتصادي، بحسب الشيباني، حالة نادرة من الإجماع لم تعهدها الملفات الليبية الشائكة. تركز التوافق حول ثلاثة محاور دقيقة تمس عصب الاستقرار: إرساء معايير موحدة للميزانية العامة، ترشيد حوكمة قطاع النفط، وتفعيل آليات الشفافية والمساءلة.

هذه المحاور تعكس إدراكاً متصاعداً داخل النخبة بأن استمرار النزاع حول عوائد الخام لم يعد ترفاً سياسياً، بل هو استنزاف ممنهج يغذي اقتصاد الحرب ويُبقي على الانهيار المؤسسي. التقرير المرتقب سيحمل على الأرجح خارطة طريق تفصيلية لإدارة الإيرادات بعيداً عن ازدواجية الإنفاق التي شلّت قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

مأزق الحوكمة بين قرارات مجلس الأمن والأمر الواقع

إذا كان المسار الاقتصادي قد رسا على شاطئ التوافق، فإن مسار الحوكمة ظل غارقاً في أمواج التجاذب. أرجع الشيباني ذلك إلى حساسية الملف لكونه يخضع مباشرة لقرارات مجلس الأمن وخارطة الطريق الأممية، ما يجعله ميداناً لصراع الإرادات الدولية والمحلية على حد سواء.

التشخيص الذي خرج به الحوار يتجاوز السردية المبتذلة عن الانقسام بين شرق البلاد وغربها، ويضع الإصبع على الجرح الحقيقي: سيطرة سلطات أمر واقع محلية وإقليمية ودولية تستفيد من استمرار الفراغ الدستوري.

هذه الشبكات، التي تمارس النهب الممنهج وتهريب الوقود والموارد، تمثل العقبة الأعمق أمام أي مسار ديمقراطي، لأن بقاءها مرهون ببقاء الفوضى التشريعية التي تتيح لها التحلل من أي مساءلة.

أربعون مليار دينار وتنمية متعثرة بين انقسامات

على صعيد المصالحة الوطنية، يرفض الشيباني اختزال المفهوم في طقوس مصالحة ومراسم اعتذار، مطالباً بتجسيدها في عدالة ملموسة تشمل توزيع الخدمات، وإصلاح اختلال المرتبات، وتكافؤ فرص العمل والوقود والتنمية بين كافة المناطق.
كشف عضو اللجنة عن بند كان يمكن أن يشكل اختراقاً لولا تعطيله، وهو الاتفاق على تخصيص أربعين مليار دينار ليبي للباب الثالث من خارطة الطريق المتعلق بالتنمية.

لكن غياب الإرادة السياسية الحقيقية وانعدام السيادة الفعلية حالا دون تنفيذه، ما يبقي الفجوة بين الوعود وإعادة الإعمار واسعة، ويُبقي على غياب الخدمات وقوداً للاحتقان الشعبي.

الميليشيات واستراتيجية الاستيعاب التدريجي

في الملف الأمني، قدّم الشيباني مقاربة براغماتية تتجاوز خطاب الحل الأمني الفوري، داعياً إلى استيعاب التشكيلات المسلحة وتأهيلها تدريجياً ضمن مؤسسات الدولة.

هذه الاستراتيجية لا تنظر إلى الميليشيات ككيان يمكن حله بقرار، بل كبنية اجتماعية واقتصادية يجب تفكيكها عبر الإدماج الوظيفي والانضباط المؤسسي، معترفاً بأن أي صدام مباشر معها في غياب جيش وطني موحد وأجهزة أمنية متماسكة قد يغرق البلاد في دوامة عنف جديدة.

المجموعة المصغرة ومخالفة التشريعات

في إشارة إلى تعقيدات المسار الأممي نفسه، وجه الشيباني انتقاداً لاذعاً لأداء المجموعة المصغرة المنبثقة عن العملية السياسية، متهماً إياها بمخالفة قوانين نافذة، أبرزها قانون المفوضية الوطنية العليا للانتخابات رقم ثمانية، وقرارات لجنة ستة زائد ستة.

هذا التجاهل للإطار القانوني الداخلي، برأيه، يكرّس منطق المراحل الانتقالية المؤقتة ويُضعف أي توجه نحو انتخابات وطنية حقيقية، في الوقت الذي يشدد فيه على أن الاستقرار الكامل لن يتحقق إلا بصناديق الاقتراع.

انتخابات بوصفها بوابة السيادة والاستقرار الإقليمي

خلص الحوار إلى أن الحل الأوحد القادر على انتشال ليبيا من مستنقع اللاشرعية يكمن في تجديد الشرعية عبر انتخابات رئاسية وبرلمانية تفرز سلطات تشريعية وتنفيذية منتخبة تمتلك السيادة الحقيقية.

واختتم الشيباني بالتأكيد على أن استقرار ليبيا ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو مفتاح استقرار المنطقة بأكملها، محمّلاً الأطراف كافة مسؤولية الالتزام بالتشريعات والخروج النهائي من نفق السلطات المؤقتة التي أغرقت البلاد في فوضى الأمر الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى