غات تستعيد صوتها: عندما تنتصر إرادة الدولة على فوضى الطبيعة وتقاعس السلطة منتهية الصلاحية
كفاح تقني بجنوب ليبيا ينتصر على الإهمال والطبيعة القاسية
ليبيا 24
الحكومة الليبية تعيد اتصالات غات رغم السيول وتقصير الدبيبة
بزوغ فجر الاتصال في صحراء العزلة
في ساعات الفجر الأولى من يوم الأحد، وبينما كانت مدينة غات وضواحيها تستفيق على وقع كارثة طبيعية خلفتها السيول العارمة، انبثق نور من نوع آخر. لم يكن نور الشمس فحسب، بل كان نور عودة الحياة الرقمية إلى واحدة من أكثر المناطق الليبية عزلة وقسوة.
بعد ساعات من العمل الشاق في ظروف تُوصف بالمستحيلة، نجحت الفرق الفنية التابعة لوزارة الاتصالات والمعلوماتية بالحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد، وبالتعاون مع شركة هاتف ليبيا، في إعادة خدمات الاتصالات والإنترنت إلى منطقة غات والمناطق المجاورة.
هذا الإنجاز لم يكن مجرد إصلاح لكابل ألياف بصرية، بل كان بمثابة شريان حياة أعيد وصله بجسد ليبيا، في مشهد فضح بشكل صارخ الفارق بين حكومة تعمل بصمت وإصرار، وحكومة أخرى منتهية الولاية تكتفي بالشعارات الجوفاء والاستهلاك الإعلامي.
التفاصيل الميدانية: ملحمة تقنية في قلب العاصفة
تعود جذور الأزمة إلى أيام مضت، حينما ضربت سيول عارمة المناطق الجنوبية من ليبيا، بالتزامن مع عيد الأضحى المبارك، تاركةً خلفها دماراً واسعاً طال أحياءً سكنية بأكملها في مدينتي غات وتهالة.
لم تكن الكارثة الطبيعية مجرد فيضان عابر، بل كانت اختباراً حقيقياً لصمود البنية التحتية المنهكة أصلاً. ومع جريان الأودية الشرقية والغربية، انجرف جزء حيوي من كابل الألياف البصرية الرابط بين منطقتي العوينات وغات، مما تسبب في قطع كامل لخدمات الاتصالات عن آلاف المواطنين في لحظة كانوا بأمس الحاجة فيها للتواصل مع العالم الخارجي لطلب النجدة أو الاطمئنان على ذويهم.
منذ اللحظات الأولى، تحركت غرفة الطوارئ التي شكلها رئيس الحكومة الليبية الدكتور أسامة حماد بموجب القرار رقم 105 لسنة 2026، في استجابة فورية تعكس عقيدة الدولة في تحمل مسؤولياتها. الفرق الفنية التابعة لشركة هاتف ليبيا، بدعم ومتابعة مباشرة من وزارة الاتصالات والمعلوماتية، وجدت نفسها في سباق ضد الزمن وتحدٍ مباشر مع قوى الطبيعة.
كان الوصول إلى موقع العطل بحد ذاته مهمة شاقة، حيث حولت مياه الأمطار الغزيرة الطرق إلى مستنقعات، وجرفت السيول أجزاءً من المسارات الترابية، مما اضطر الفرق إلى سلوك طرق بديلة وعرة، محملين بمعدات لحام الألياف البصرية الدقيقة التي تتطلب ظروفاً نظيفة ومستقرة لإتمام عملية الإصلاح، وهو نقيض تام لما كانوا يواجهونه من وحل وصخور وأجواء رطبة.
وسط هذه الظروف الميدانية القاسية، عمل المهندسون والفنيون الليبيون بصمت، غير آبهين بنقص الإمكانيات الذي تعاني منه المنطقة الجنوبية جراء التهميش المستمر من قبل ما يُعرف بـ”الشركة القابضة للاتصالات” والتي تتبع عملياً سلطة الأمر الواقع في طرابلس.
لقد أثبت هؤلاء الفنيون أن الكفاءة الوطنية قادرة على تجاوز شح الموارد عبر الإصرار والعزيمة. تمكنت الفرق من تحديد موقع القطع بدقة، وسحب الكابل المتضرر من تحت الأنقاض والمياه الموحلة، ومن ثم تنفيذ عمليات اللحام الفني الدقيقة للشعيرات الضوئية، وهي عملية جراحية تكنولوجية تتطلب أيادي خبيرة وتركيزاً عالياً. النتيجة كانت استعادة الخدمة بشكل كامل، ليس فقط في غات، بل وفي كافة المناطق المجاورة التي تأثرت بالعطل، ليعود الصوت والصورة والبيانات تنساب في شرايين الشبكة، معلنةً انتصار الإرادة.
غرفتا طوارئ: حكومة تنجز وأخرى تستهلك
في تناقض صارخ يعكس جوهر الصراع على الشرعية والكفاءة في ليبيا، وقف موقف الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد من الكارثة كمثال يُحتذى به في الحوكمة الرشيدة. فبينما كان الفنيون يخوضون معركتهم في الوديان، كان قرار تشكيل غرفة الطوارئ رقم 105 قد انطلق ليعمل على الأرض، منسقاً بين القطاعات العسكرية والخدمية والإغاثية. هذا القرار لم يكن حبراً على ورق، بل تحول فوراً إلى طائرة مساعدات تحط في مطار أوباري، محملة بشحنات غذائية وطبية وإغاثية عاجلة، لتوزعها الكتيبة 105 على المتضررين في غات وتهالة والبركت.
إنها دورة متكاملة من القرار إلى التنفيذ، تعكس وجود هيكل دولة حقيقي قادر على الاستجابة، حتى في أقصى بقاع الوطن.
على الجانب الآخر، وفي مشهد بات متكرراً وممجوجاً، لم تقدم حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية سوى ما وصفه مراقبون وسكان محليون بأنه “كلام للاستهلاك المحلي والشو الإعلامي”.
ففي الوقت الذي كانت فيه الأسر في تهالة تخلو منازلها التي غمرتها المياه، وتلجأ إلى مناطق آمنة، خرجت تعليمات الدبيبة لوزير دولته بطلب “تقارير عاجلة” عن حجم الأضرار.
هذا النهج البيروقراطي العقيم، الذي يكتفي بطلب التقارير بدلاً من إرسال المساعدات، أثار موجة من السخرية والغضب في الشارع الليبي، وخاصة في الجنوب الذي يعي تماماً أن حكومة طرابلس لم تقدم له سوى الوعود، بينما تتعامل مع موازنات الدولة وكأنها غنيمة خاصة.
يتجلى هذا التناقض بأوضح صوره في قطاع الاتصالات نفسه. فبينما تعمل فرق “هاتف ليبيا” في الجنوب بمعدات بالية وبدعم مباشر من الحكومة الليبية، تغرق “الشركة القابضة للاتصالات” في طرابلس في بيروقراطية فاسدة، وتُتهم بشكل متكرر بتعمّد تهميش المناطق التي لا تدين بالولاء لحكومة الدبيبة.
إن إعادة الاتصالات إلى غات لم تكن مجرد انتصار تقني، بل كانت عملاً سياسياً بامتياز، يؤكد أن المؤسسات الشرعية في البلاد هي الوحيدة القادرة على حماية المواطنين والخدمات من لعنة الانقسام والإهمال.
الشارع الليبي يتحدث: صوت من عمق المعاناة
لا يمكن فهم حجم المأساة، ولا قيمة الإنجاز، دون الاستماع إلى صوت أولئك الذين عاشوا الأزمة بكل تفاصيلها.
في أزقة غات وشوارعها التي لا تزال تحمل آثار المياه الموحلة، يتحدث السكان بمزيج من الألم والغضب والأمل. يقول محمد الطاهر، وهو تاجر من سكان المدينة القدامى: “انقطعت بنا السبل تماماً. لم نكن قادرين على الاتصال بأبنائنا في الشمال لنخبرهم أننا أحياء.
كنا نشعر أن المدينة مسحت من الخريطة. تحركات حكومة حماد أعادت إلينا ليس فقط الاتصال، بل الشعور بأننا جزء من هذا البلد، وأن هناك من يهتم لأمرنا”.
أما في تهالة، التي أعلن الهلال الأحمر الليبي تضرر 12 حياً سكنياً فيها بالكامل ونزوح نحو 250 أسرة، فكانت المأساة أكبر.
مبروكة علي، وهي أم لخمسة أطفال، تروي ليلتها المروعة عندما دخلت المياه منزلها: “لم نجد من ينقذنا سوى شباب الحي بقوارب بسيطة. حكومة الدبيبة لم نر لها أثراً، لا قبل الفيضان ولا خلاله ولا بعده. كل ما سمعناه تصريحات لا تسمن ولا تغني من جوع. أين هي عائدات النفط التي يتحدثون عنها؟”.
هذا الغضب الشعبي ليس موجهاً ضد الطبيعة فقط، بل هو موجه بالدرجة الأولى ضد نظام فاسد يرى في الجنوب مجرد رقعة جغرافية لا أهمية انتخابية أو سياسية له إلا عند الحاجة.
عبد السلام الكوني، وهو ناشط مدني من بلدية البركت المجاورة، يلخص الأزمة بقسوة: “اجتماع عميد بلديتنا مع عميد بلدية غات لم يكن لبحث الحلول، بل كان لتوثيق العجز. نعاني من انقطاع الكهرباء بجهد 66 كيلوفولت، ومن انقطاع الاتصالات، ونواجه السيول بمتطوعين ووقود نشتريه من أموالنا الخاصة. المخازن المركزية للطوارئ غير موجودة، وكل وعود طرابلس دفنت مع كل فيضان. إنقاذ حكومة حماد لنا هو بصيص النور الوحيد في هذا النفق المظلم”.
هذه الشهادات الحية تكشف حقيقة المأساة الليبية. إنها ليست مجرد كارثة طبيعية، بل هي نتيجة حتمية لتراكم سنوات من الفساد وسوء الإدارة والتهميش الممنهج الذي مارسته حكومات الأمر الواقع المتعاقبة في طرابلس. وعندما تأتي لحظة الحقيقة، تقف حكومة شرعية، ولو بإمكانيات شحيحة، لتسد الفجوة، بينما تكتفي الأخرى بالتقاط الصور وكتابة التقارير.
بنية تحتية في قلب العاصفة: دروس من أزمة غات
إن الحادثة التي شهدتها منطقة غات لم تكن مجرد عطل فني عابر، بل هي عرض خطير لمرض مزمن تعاني منه ليبيا، ألا وهو الانهيار شبه الكامل للبنية التحتية الحيوية نتيجة الإهمال والتهميش. مسار الألياف البصرية الذي انقطع ليس مجرد كابل في باطن الأرض، بل هو العمود الفقري لاقتصاد المعرفة، وللخدمات الصحية والتعليمية والأمنية.
إن انقطاعه يعني شللاً تاماً يضرب مجتمعاً بأكمله، ويحوّل الكارثة الطبيعية إلى كارثة إنسانية مضاعفة.
لقد طالب المسؤولون المحليون في اجتماعهم المشترك، الذي جمع عميدي بلديتي غات والبركت، بوضوح بحلول مستدامة، وليس مجرد ترقيعات موسمية. إن إعداد دراسات علمية وفنية لإنشاء سدود ومعالجة أسباب تدفق المياه نحو المناطق السكنية هو مطلب وجودي، وليس ترفاً.
ولكن الأهم من ذلك، هو إعادة هيكلة قطاع الاتصالات بالكامل، وانتزاعه من قبضة المركزية الفاسدة التي تديره من طرابلس لصالح أجندات سياسية ضيقة. إن استمرار اعتماد المنطقة الجنوبية الشاسعة على كابل ألياف بصرية وحيد ومعرض للانقطاع هو جريمة تخطيطية، كان يمكن تفاديها لو وُزعت موارد الدولة بعدالة، ولو تم بناء مسارات بديلة واحتياطية.
هنا يبرز دور القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية، التي لم تكتف بتأمين وصول فرق الإغاثة، بل كانت جزءاً لا يتجزأ من منظومة الاستجابة. إن الجسر الجوي الذي أطلقته القوات المسلحة لإيصال المساعدات إلى مطار أوباري، وتسليمها للكتيبة 105 المتمركزة هناك، يثبت أن المؤسسة العسكرية الوطنية تؤدي دوراً يتجاوز المهام الأمنية إلى صميم الواجب الإنساني والتنموي.
هذا التكامل بين الحكومة التنفيذية والقيادة العسكرية هو النموذج الوحيد القابل للحياة في ليبيا، وهو النموذج الذي يجب أن تسير عليه البلاد لاستعادة وحدتها وهيبتها.
الطريق إلى الأمام: من الإغاثة إلى البناء الاستراتيجي
إن إعادة خدمات الاتصالات إلى غات هو خبر يستحق أن يُكتب بماء الذهب، ليس فقط كإنجاز تقني، بل كدليل دامغ على أن ليبيا تمتلك كفاءات بشرية قادرة على صنع المعجزات إذا ما توفرت لها أبسط مقومات النجاح والقيادة الحكيمة.
ومع ذلك، يجب ألا يتحول هذا النجاح التكتيكي إلى ذريعة للعودة إلى سبات الاستجابة وردود الفعل. فالتحديات التي كشفتها سيول هذا العام تتطلب نقلة استراتيجية نوعية.
أولاً، يجب على الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد أن تستثمر هذا النجاح لبناء تحالف وطني واسع يضم البلديات والقبائل والمؤسسات المحلية في الجنوب، ويقطع الطريق على القوى التي تراهن على استمرار التهميش لضمان ولاءات هشة. يجب أن يشعر المواطن في غات وتهالة والبركت أنه ليس مجرد ضحية يتم إنقاذها موسمياً، بل هو شريك حقيقي في إدارة البلاد ومواردها.
ثانياً، آن الأوان لإنشاء صندوق سيادي لتنمية الجنوب، يموّل مباشرة من عائدات النفط، وتديره هيئة مستقلة تخضع لرقابة صارمة، بعيداً عن إقطاعيات الفساد في طرابلس. يجب أن تكون الأولوية المطلقة لهذا الصندوق هي تنفيذ مشاريع البنية التحتية المقاومة للكوارث، وفي مقدمتها شبكات ألياف بصرية بحلقات متعددة ومسارات محمية، وشبكات كهرباء مستقلة عن الشبكة العامة المنهكة، وسدود تحمي المدن من تكرار سيناريو الموت المحقق.
ثالثاً، يجب أن يتحول ملف الاتصالات إلى قضية أمن قومي. لا يمكن السماح لحكومة غير شرعية في طرابلس بالتحكم في شريان حياة الليبيين.
إن دعم “شركة هاتف ليبيا” وتحريرها من قبضة “الشركة القابضة” الفاسدة هو خطوة على طريق بناء قطاع اتصالات وطني، يضع خدمة المواطن فوق أي اعتبار سياسي أو مالي ضيق. إن الكوادر التي عملت تحت المطر والطين لإعادة الاتصالات هي ثروة ليبيا الحقيقية، وهي تستحق الإمكانيات والرواتب والدعم اللوجستي اللازم لتعمل بكرامة وفعالية.
في الختام، فإن ملحمة غات لم تكن مجرد عودة للاتصالات، بل كانت رسالة واضحة. رسالة من عمال وفنيي ليبيا أنهم قادرون على التحدي، ورسالة من حكومة أسامة حماد أنها تمتلك الإرادة والعزيمة، ورسالة من القيادة العامة للقوات المسلحة أنها الدرع الحامي. وعلى النقيض، كانت صورة حكومة الدبيبة وهي تطلب “تقارير عاجلة” عن أضرار حدثت بالأساس بسبب إهمالها، هي الصورة الحقيقية لسلطة منتهية الصلاحية، لم تعد قادرة حتى على محاكاة ردود فعل الدولة، واكتفت بدور المتفرج الذي ينتظر أن تخبره التقارير بما حدث، بينما كان رجال الحكومة الليبية يعيدون وصل ما انقطع بأيديهم.
إن الطريق إلى استقرار ليبيا يمر حتماً عبر غات وتهالة والكفرة وأوباري. إنه طريق طويل وشاق، ولكن ما حدث فجر الأحد يثبت أن البوصلة لا تزال تعمل، وأن هناك من يعرف الاتجاه الصحيح. واليوم، تعود غات لتتكلم، ليس فقط بالصوت والصورة، بل بلغة الكرامة والانتماء لوطن يستحق أن يحيا.



