غير مصنف

المركزية المالية وصناديق الظل.. غيث يفكك ألغام الاقتصاد الليبي من “التسميات الوهمية” إلى “مشاريع التنمية الزائفة”

خبير: مصالحة بلا مصارحة تنهار وإحصاء بلا تزوير ضرورة

غيث: الفيدرالية المالية تقطع دابر الرشاوى وشراء الذمم المركزية

في تحليل لاذع وموسع، رسم الخبير المالي وعضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق، امراجع غيث، خارطة طريق لاستئصال العلل المزمنة التي تنخر الجسد الليبي، مطلقاً سهام نقده تجاه “قدسية المركزية المالية” التي قال إنها تحولت إلى أداة لشراء الذمم ووأد أي محاولة جادة لتوزيع عادل للثروة.

وربط غيث بين هشاشة المصالحة السياسية، وغياب البيانات الدقيقة، وانعدام الضبط المفاهيمي في إدارة المال العام، معتبراً أن هذه الثلاثية تشكل الحاضنة الأمثل لاستمرار الفساد.

الفيدرالية المالية.. من “تهمة التقسيم” إلى سد منيع ضد الفساد

في صلب أطروحته، يضع غيث الفيدرالية المالية كشرط وجودي للدولة الليبية الحديثة، متجاوزاً الجدل العقيم حول المصطلحات. يقول غيث: “إذا لم يكن للفيدرالية المالية من ميزة إلا منع تركز الموارد في يد حكومة مركزية فيكفيها ذلك لمنع استخدام الموارد المالية في شراء الذمم والرشاوي”.

هذه العبارة تحمل في طياتها تشريحاً عميقاً للمأزق الليبي؛ حيث تتحول الخزانة العامة إلى صندوق مغلق تستخدمه النخبة المركزية لشراء الولاءات عبر الإتاوات والترضيات، بدلاً من أن تكون رافداً للتنمية المتوازنة.

ويضرب غيث مثلاً اجتماعياً بليغاً للتناقض الذي تعيشه النخبة السياسية، مستعيداً قصة “الطالب السوداني الذي أكل المكرونة ورفض أكل اللحم لأنه غير مذبوح”، ليقارنها بازدواجية التعامل مع مصطلح “الأقاليم التاريخية”.

فحينما يطرح أحدهم مسمى “برقة وطرابلس الغرب وفزان”، يُتهم فوراً بالدعوة للتقسيم، ولكن حين يحين موعد تقاسم كعكة المناصب والموارد، تُقرأ الفاتحة على أرواح هذه الأقاليم نفسها ولكن بمسميات “المنطقة الشرقية والغربية والجنوبية”.

يتساءل غيث بسخرية: “من هو العاقل الذي يخبرني أين تقع حدود هذه المناطق؟”. هنا تكمن أزمة النوايا؛ فالتجريد من الأسماء التاريخية ليس جهلاً بالجغرافيا، بل هو تفنن في إخفاء نية الهيمنة على الموارد خلف ستار من الغموض الإداري.

“الشيطان يكمن في التفاصيل”.. تشريح مقترح الحكم المحلي

لم يسلم مقترح الحكم المحلي الذي ناقشه مسار الحوكمة بالحوار المهيكل من مبضع غيث التحليلي. إذ بينما يراه مقترحاً شكلياً “يلف ويدور” حول تسمية المستوى المحلي بين الإقليم والولاية والمحافظة، وجه له سبعة مطاعن جوهرية تصب في خانة الحفاظ على المركزية.

أولى هذه المآخذ أن المُعدّين تناسوا تجارب ليبيا الممتدة في الحكم المحلي، والتي كان يجب البناء عليها. والأخطر من ذلك، أن غيث يشترط لنجاح أي سلطة تنفيذية محلية منتخبة أن يقابلها مجلس تشريعي محلي منتخب يمتلك سلطة الرقابة والتشريع، وإلا تحولت المجالس البلدية إلى دوائر إدارية مسلوبة الإرادة.

وفي إشارة بالغة الدلالة إلى العقلية البيروقراطية، يثني غيث على توصية واحدة في المقترح وهي “إلغاء وزارة الحكم المحلي”، متمنياً أن يكون هذا الإلغاء “عقبال لأجهزة أخرى”.

هذا الموقف يعكس قناعة راسخة بأن الوزارة تحولت إلى وصي مركزي يعطل المجالس المحلية بدلاً من تمكينها. لكنه في الوقت ذاته يحذر من أن النوايا مهما كانت حسنة، ستصطدم بواقع “تفاصيل الشيطان”، داعياً إلى الاستعانة بـ “أناس لهم تجارب راسخة” وليس من يسعون لقتل الفكرة لصالح دعاة المركزية. كلماته تعري جوهر المشروع: إنه صراع بين من يريد تمزيق خارطة ليبيا إلى مراكز نفوذ، ومن يريد رسم حدود عادلة للثروة والخدمات.

“تنظيف السلم يبدأ من الأعلى”.. أخطاء قاتلة في إدارة المال العام

في انعطافة من التحليل السياسي إلى التدقيق المالي الصارم، يكشف غيث عن مآلات الجهل أو التلاعب بالمصطلحات المحاسبية، واصفاً إياه بأنه غطاء للإنفاق خارج المسار القانوني.

يفرق المحلل بدقة بين “الميزانية” التي تمثل أصولاً والتزامات وأحداثاً ماضية، و”الموازنة” وهي تقديرات مستقبلية للإيرادات والنفقات. هذا الخلط المتعمد، بحسب رؤيته، يسمح للسلطة التنفيذية بالإنفاق “خارج الموازنة” – وهو تجاوز للرقم الإجمالي المصرح به يُعتبر مخالفة صريحة – تحت بند “حسابات خارج الموازنة” التي هي مجرد حسابات أصول والتزامات لا علاقة لها بتجاوز سقف الصرف.

وفي صلب الاقتصاد التنموي، يوجه اتهاماً خطيراً بتبديد الأموال عبر خلط “مشروعات التنمية” بمجرد “اقتناء الأصول”.
يضرب مثلاً شافياً: بناء مدرسة أو جامعة هو تنمية لأنه يساهم في رأس المال البشري ويخدم العموم، بينما شراء سيارات فاخرة لتوزيعها على موظفي جهة سيادية هو اقتناء أصول لا يمت للتنمية بصلة، بل هو ترف بيروقراطي.

هذه الفلسفة المالية المعوجة، كما يرى، تتناسل في ظل غياب “إحصاء سكاني يوثق بيانات صحيحة عن كل مواطن”. يستشهد بأزمة توزيع الأضاحي الأخيرة التي تسربت لمن لا يستحقون، مؤكداً أن بناء الدولة دون قاعدة بيانات دقيقة هو أشبه بإدارة سفينة بدون رادار، حيث تذهب الخدمات لغير مستحقيها وتضيع الحقوق في متاهة التقديرات العشوائية.

مصالحة بلا أسئلة “لماذا”.. وعدالة تأمينية منقوصة

يختتم غيث شهادته التحليلية بالتأكيد على أن “المصالحة بدون مصارحة صحيحة ستنهار”، رابطاً بين استدامة السلم الاجتماعي والقدرة على الإجابة عن أسئلة تبدأ بـ “لماذا” دون أن يعني ذلك بالضرورة العقاب.

هذا الطرح ينتقل بالخطاب من سطحية العفو إلى عمق الحقيقة. وعلى الصعيد الاجتماعي، يعتبر أن حرمان قطاع واسع من موظفي الدولة من التأمين الصحي بينما تتمتع به جهات نافذة هو “الظلم بعينه”، طالما أن الجميع يتقاضى من الخزانة العامة.

إنها رؤية متكاملة تبدأ من تصحيح المفاهيم المالية الدقيقة ولا تنتهي عند إعادة هيكلة الحكم المحلي، مروراً بمحاربة الفساد الذي يشبهه بـ “تنظيف السلم” الذي يجب أن يبدأ دوماً من الدرجة العليا نزولاً إلى الأسفل، فإما أن نبدأ بالرأس الكبير، أو أن يبقى الجسد الليبي غارقاً في الوحل إلى الأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى