حكومة الوصاية تهزّ قارب الليبيين.. من قنبلة الدعم إلى فضيحة الاعتمادات الوهمية
الجديد: فضيحة اعتمادات المصارف تكشف فراغ الدولة ورقابتها
الجديد يحذر من انفجار اجتماعي إثر رفع الدعم فوراً
فيما يشبه الإبحار بسفينة مثقوبة وسط إعصار، تتوالى مؤشرات الفشل الاقتصادي والإداري لحكومة الوصاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، لتكشف عن حالة من التخبط والتناقض تهدد السلم الأهلي الهش.
فبينما يطرح مقربون من الدوائر الحاكمة أفكاراً وصفها مراقبون بـ”المجنونة” لرفع الدعم فوراً عن المحروقات، تنفجر في الأفق فضيحة مصرفية جديدة تؤكد غياب أبسط أدوات الرقابة السيادية، لتترك المواطن وحيداً في مواجهة سماسرة السوق وطواقم إنقاذ قررت رمي الركاب في البحر خوفاً على غرق السفينة.
سياسة الأرض المحروقة.. قنبلة الدعم الموقوتة
لم تكن التحذيرات التي أطلقها الخبير الاقتصادي مختار الجديد مجرد منشور عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل هي بمثابة جرس إنذار أخير لسياسة حكومة انتهت ولايتها ولا تزال تمعن في إرهاق المواطن.
فكرة رفع الدعم الفوري عن الوقود، والتي تعني وصول سعر اللتر الواحد إلى ما يتراوح بين ستة وسبعة دنانير، ليست مجرد إجراء تقشفي، بل هي وصفة أكيدة لانفجار معيشي شامل. في بلد يعاني فيه المواطن من وضع معيشي “شديد الهشاشة”، وفق توصيف الجديد، فإن هكذا خطوة ستكون بمثابة “الموجة العاتية” التي ستطيح بما تبقى من استقرار.
الحديث عن إصلاح الدعم، الذي يوافق عليه الجميع كضرورة، يجب أن يمر بمسار تدريجي وعقلاني يحسب أثر كل خطوة على “أبسط مواطن” في ليبيا، لا أن يكون قراراً ارتجالياً يدفع ثمنه الملايين فيما تبقى بؤر الفساد والتضخم بلا مساءلة.
إخفاقات بلا حياء.. من الحج إلى البنزين
هذا الفشل ليس حدثاً استثنائياً، بل تحول إلى سمة متلاحقة لحكومة الدبيبة. إنه “فشل متلاحق في الحج والبنزينة وغيرها من مناحي الحياة”. هذه العبارة ليست انتقاداً عابراً، بل تشريح لواقع حكومة تدير الأزمات بعقلية تصدير الكوارث للمواطنين.
الأزمة لا تتوقف عند نقص الوقود وتحويل حياة الناس إلى طوابير مذلة، بل تمتد إلى فشل تنظيمي مهين في موسم الحج، مما يؤكد أن الأزمة ليست في الموارد، بل في رأس الهرم التنفيذي الغارق في صراعات البقاء.
إن منح سلفاً نقدية بلا ضوابط للتجار بينما يُحرم المواطن العادي من أدنى حقوقه في خدمة مصرفية متواضعة، يكشف أولويات سلطة تعيش أخر أيامها.
ثغرة الاعتمادات.. حين ينام الحارس والمصارف تمنح الائتمان السري
بينما يلوح المصرف المركزي بأدوات السياسة النقدية، مثل المضاربة المطلقة والودائع المقيدة، لتقييد عرض النقود وكبح التضخم، تنكشف الفضيحة الكبرى في قطاع لا يقل خطورة.
تؤكد المعطيات أن مصارف تجارية تعمل بشكل متعارض تماماً مع توجهات المركزي، عبر فتح اعتمادات مستندية بتغطية جزئية تقل كثيراً عن النسبة الإلزامية الكاملة (100%). هذا الإجراء ليس مجرد مخالفة إدارية، بل هو بمثابة ائتمان غير نقدي ممنوح لكبار تجار الاعتمادات، يضخ سيولة مدمرة في السوق تماماً كالسلف النقدية، لكنه يمر تحت رادار الرقابة.
الأمر الأكثر صدمة هو الإقرار الضمني من إدارة الرقابة على النقد والمصارف، التي استيقظت متأخرة لتطالب المصارف بـ”مراجعة” تغطية الاعتمادات، في تلميح فاضح إلى أن المركزي نفسه لا يعلم حجم التجاوزات وأن باخرة الفساد أبحرت بسلام لسنوات تحت أنظار حكومة الدبيبة.
فتح اعتماد بدون غطاء مالي هو ملف فساد جاهز، فلا يوجد مدير مصرف “مغفل” يقدم على هذه المخاطرة “لوجه الله”، بل ضمن شبكة منفعة متكاملة.
اقتصاد السماسرة.. نقمة التقنية في غياب الدولة
على وقع هذا الفراغ الرقابي، لم يعد السوق الموازي للعملة مجرد منصة للعرض والطلب، بل تحول إلى نادٍ مغلق يحكمه “سماسرة” يحددون سعر صرف الدولار كل صباح عبر منصات التواصل كما يشاؤون.
الأسوأ أن عدوى “السمسرة” انتقلت إلى أسواق السلع الأساسية، من الأضاحي إلى الوقود، ليجد المواطن نفسه كرة لهو بين سمسار العملة وسمسار السعي. إنها حلقة مفرغة يغذيها غياب الدولة وهيبتها، لتتحول التقنية من أداة تحرر إلى نقمة تقادف المواطن بين جشع المحتكرين وفساد الرقيب الغائب.
خاتمة المشهد
في مشهد السفينة التي يريد قبطانها وطاقمه رمي الركاب في البحر خوفاً من الغرق، يرفض الركاب الموت طواعية. إنه توصيف بليغ لحالة الاحتقان التي تسبق الانفجار. إن استمرار هذا العبث الاقتصادي تحت قيادة رئيس حكومة منتهية الولاية، يجعل النداء الأخير ليس مجرد تحليل اقتصادي، بل صرخة سياسية بوجه فشل متعمد: “من تبقى لديه بعض الحياء فليرحل”.



