بن شرادة يحذر من انهيار معادلة الهجرة: إما استثمار في دول المصدر أو إعادة رسم قواعد العبور
بن شرادة: تحميل ليبيا وحدها أعباء الهجرة سيواجه بشروط
ليبيا 24:
بن شرادة: تنمية أفريقيا هي الحل الحقيقي لأزمة الهجرة
في موقف يعيد رسم ملامح النقاش الأوروبي – الأفريقي حول الهجرة غير النظامية، أطلق المسؤول الليبي البارز بن شرادة سلسلة تصريحات حادة تجمع بين التحليل الاستراتيجي طويل المدى والتحذير المباشر، معتبراً أن زمن تحميل دول العبور وحدها تبعات التدفقات البشرية قد ولى دون رجعة.
وجاءت هذه التصريحات في وقت تتصاعد فيه ضغوط العواصم الأوروبية لضبط الحدود البحرية، بينما تغلي الساحة الليبية بفعل انسداد الأفق السياسي وتصاعد حس الاستقلالية الوطنية.
منطقة السراج ودرس بيفن–سفورزا: إرادة لا تنكسر
استهل بن شرادة حديثه بالإشارة إلى ما وصفه بـ”نجاح يوم الخميس في منطقة السراج”، مؤكداً أنه ليس حدثاً محلياً عابراً، بل مؤشرٌ يحمل دلالات أعمق في الذاكرة الجمعية الليبية.
وربط ذلك بروح الإرادة التي أحبطت قبل عقود ما يعرف بمشروع بيفن–سفورزا، المبادرة التي كانت تهدف عام 1949 إلى فرض وصاية دولية على ليبيا وتقسيمها عملياً بين بريطانيا وإيطاليا وفرنسا.
واعتبر بن شرادة أن الجيل الليبي الحالي هو الامتداد الطبيعي لأولئك الذين تصدوا لمخططات فرض الهيمنة من الخارج، مشدداً على أن أي ترتيبات تتجاهل السيادة الوطنية مصيرها الفشل، وملمحاً إلى أن النخب الليبية اليوم تراقب بعين الريبة أي تفاهمات أوروبية تُعقد فوق رؤوسها.
معادلة الساحل الممتد: 1900 كيلومتر من نقاط الانطلاق
في المقطع الأكثر إثارة للانتباه، وضع بن شرادة الأزمة في إطار معادلة أمنية – لوجستية لا تحتمل التأويل.
وقال إن الساحل الليبي البالغ طوله 1900 كيلومتر يمكن أن يصبح، في حال استمرار تجاهل الأعباء المنفردة الملقاة على ليبيا، منصة إطلاق كبرى باتجاه الشمال.
وأضاف: “كل مئة كيلومتر نقطة انطلاقة إلى الشمال مجهزة بقوارب حديثة… سوف تنتهي أزمة المهجرين وينطلق العياط في شمال البحر، وهنا نضع شروطنا”.
وتكشف هذه الصياغة عن تحول في الخطاب من أسلوب التذمر السلبي إلى التلويح العلني بأوراق ضغط يمكن أن تخلق أزمة إنسانية وسياسية على أعتاب أوروبا.
وهي إشارة تذكر بديناميكيات تفاوضية شهدها البحر المتوسط حين استُخدمت تدفقات الهجرة كأداة في لعبة النفوذ الإقليمية.
جذور الأزمة: قارة بأكملها تقف خلف التدفقات
غير أن بن شرادة لم يكتف بالتصعيد، بل قدم أيضاً مقاربة تبدو أقرب إلى دبلوماسية الحلول الجذرية.
وأكد أن الهجرة غير النظامية لا تنبع من ليبيا ولا من تونس أو مصر بصفتها دول عبور، بل تأتي من “قارة بأكملها”، في إشارة إلى العمق الأفريقي الممتد من الساحل إلى وسط القارة.
ورأى أن رهان الاتحاد الأوروبي على تعزيز قدرات خفر السواحل أو إنشاء مراكز احتجاز بتمويل خارجي ليس سوى مسكنات مؤقتة، بل إن الحل الحقيقي يكمن في معالجة أسباب الظاهرة من جذورها عبر دعم التنمية والاستثمار وخلق فرص العمل في بلدان المصدر.
وشدد على استعداد ليبيا للمساهمة في أي جهود تنموية تحقق الاستقرار والازدهار لتلك الدول، محذراً من أن تحميل دول العبور وحدها التبعات الإنسانية والأمنية والاقتصادية “لا يستقيم ولا يحقق حلاً مستداماً للجميع”.
ليبيا بين العجز والمساومة: هل من منصة تفاوض جديدة؟
تأتي تصريحات بن شرادة في لحظة شديدة التعقيد، إذ تعاني ليبيا من انقسام سياسي مزمن يجعلها، باعتراف المسؤول نفسه، غير قادرة على مكافحة الظاهرة بمفردها.
بيد أن هذا الاعتراف بالضعف يتحول، في الخطاب نفسه، إلى أداة ضغط؛ فالدولة التي لا تستطيع ضبط حدودها هي أيضاً الدولة التي قد تختار، تحت ضغط الإملاءات الخارجية، أن تخفف قبضتها لتنفلت الأوضاق أكثر.
وتكشف الصياغة المزدوجة – الاستعداد للشراكة التنموية من جهة، والتلويح بنقاط الانطلاق البحرية من جهة أخرى – عن رغبة في إعادة صياغة العلاقة مع الضفة الشمالية للمتوسط على أساس الندية والمصالح المتبادلة، لا على منطق الإملاءات الأمنية وحدها.
ما بعد التهديد: أي مسار تفاوضي؟
يرى مراقبون أن نافذة العمل الدبلوماسي لا تزال مفتوحة، لكنها تضيق بسرعة. فدعوة بن شرادة إلى استثمارات تنموية ضخمة في دول المصدر تمثل أرضية يمكن البناء عليها في مؤتمرات الشراكة الأوروبية – الأفريقية المقبلة، غير أن شرطه الضمني واضح: لا يمكن الحديث عن ضبط الهجرة في ليبيا بمعزل عن خطة مارشال مصغرة للجنوب.
وبغياب ذلك، تتحول المعادلة من تعاون تقني إلى لعبة شد حبال قد تدفع ثمنها المجتمعات العابرة على ضفتي المتوسط.
والرسالة التي أراد بن شرادة إيصالها، بكل ما حملته من نبرة تاريخية وتهديدات محسوبة، هي أن ليبيا لم تعد ساحة لتنفيذ السياسات الأوروبية، بل لاعباً مستعداً لإعادة خلط الأوراق إذا لم يجد شريكاً لا يكتفي بدفع الفواتير الأمنية.


