ليبيا

القيادة العامة تُطلق عمليات ترحيل المهاجرين وحملات أمنية شاملة.. وجبهة رفض شعبية لمشاريع التوطين

ليبيا أمام تحدي الهجرة غير النظامية.. إجراءات ميدانية ومواقف سياسية متباينة

ليبيا 24:

بينما تتصاعد وتيرة العمليات الميدانية الصارمة التي تقودها القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية لضبط إيقاع الهجرة غير النظامية في جنوب البلاد وشرقها، تتسع رقعة الغضب الشعبي والنخبوي في مختلف المدن الليبية ضد ما يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه “مخطط وجودي” لتغيير ملامح البلاد الديموغرافية.

هذا التحرك الوطني المزدوج، الذي يجمع بين الحسم العسكري والأمني والاصطفاف المدني الرافض لسياسات التوطين، يلقي بظلاله الثقيلة على الحكومة منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي يصفها معارضوها بأنها إما عاجزة عن مواجهة التحدي، أو أسوأ من ذلك، شريك في إدارته لمصالح ضيقة.

إجراءات ميدانية صارمة: من براك الشاطئ إلى طبرق

في خطوة تعكس تصميماً على استعادة هيبة الدولة، وجّه نائب القائد العام، الفريق أول ركن صدام حفتر، بتفعيل إجراءات عاجلة ومنظمة لمعالجة أوضاع الهجرة غير النظامية، مشدداً على ضرورة احترام القانون الليبي مع صون الكرامة الإنسانية، ووضع حد لأنشطة شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر.

وتنفيذاً لهذه التوجيهات، انطلقت من مطار براك الشاطئ في الجنوب أولى رحلات الترحيل القانوني للمهاجرين غير النظاميين، في عملية وصفت بالمحكمة والمعقدة، بالتنسيق مع مركز مكافحة الهجرة غير الشرعية ومديريات الأمن والأجهزة الأمنية بالمنطقة.

وبالتوازي مع ذلك، أطلقت مديرية أمن البطنان في مدينة طبرق حملة أمنية واسعة النطاق استهدفت مقار وأحياء سكنية يُشتبه في إيوائها لمهاجرين غير قانونيين.

وفي تحذير شديد اللهجة، خاطبت المديرية ملاك العقارات والمؤجرين، مؤكدة أنها “ستتخذ الإجراءات القانونية الرادعة بحق كل من يثبت مخالفته لهذا التنبيه”، ومشددة على أنه سيتم اتخاذ التدابير اللازمة ضد أي عقار يُعثر بداخله على مهاجرين أو أجانب مقيمين بصورة غير قانونية.

هذه الإجراءات ترسم صورة لجزء من ليبيا يتحرك فيه الذراع العسكري والأمني للدولة بقوة وحسم لمواجهة الأزمة، في تناقض صارخ مع حالة التردد والاستغلال السياسي التي يتهم بها خصوم الدبيبة حكومته.

حكومة الدبيبة.. صمت مطبق واستغلال للأزمة تحت عباءة الإنسانية

في حين يخوض الجيش الوطني معركته ضد التدفقات غير الشرعية، يغلف الصمت موقف حكومة الدبيبة منتهية الولاية، التي يرى مراقبون أنها حولت أزمة المهاجرين إلى ورقة ابتزاز سياسي ومالي.

وفي هذا السياق، صب الناشط الحقوقي طارق لملوم اتهامات مباشرة، قائلاً إن إعادة وزير الداخلية بالحكومة، عماد الطرابلسي، للمهاجرين من خارج المياه الإقليمية إلى ليبيا، بدلاً من إعادتهم إلى دولهم أو التعامل معهم وفق الأصول، “فاقم تكدسهم في المنطقة الغربية”.

وأضاف لملوم أن “حكومة الوحدة ووزارة داخليتها تستغلان أزمة المهاجرين مالياً”.

هذا الاتهام يجد صداه في أوساط سياسية وشعبية واسعة، حيث يغيب عن حكومة الدبيبة أي استراتيجية وطنية واضحة لإدارة الحدود، ليحل محلها ما يصفه معارضوها بسياسات الاحتواء والتوطين الناعم التي تخدم أجندات دولية على حساب السيادة الليبية.

وفي خضم هذا الفراغ، يخرج المترشح لمنصب رئيس الحكومة الموحدة، محمد المزوغي، بتشخيص يكشف عمق الأزمة، مؤكداً أن ملف الهجرة غير الشرعية والتغيير الديموغرافي “يُستخدم منذ سنوات كورقة نفوذ ومصالح”.

ويفسر المزوغي ذلك بقوله إن “هذه القضية تحولت لدى بعض مشاريع النفوذ وقوى الأمر الواقع إلى ورقة ابتزاز سياسي، يتم تحريكها أو تصعيدها أو غض الطرف عنها وفقاً للظروف والمصالح، بهدف الحصول على الدعم أو الشرعية أو المكاسب السياسية والمالية، بينما يدفع الشعب الليبي ثمن ذلك من أمنه واستقراره ومستقبل أجياله”.

ويرى أن الحل “يبدأ باستعادة الدولة لسيادتها الكاملة على حدودها”، وهو استحقاق يبدو بعيد المنال في ظل انقسام السلطة وصراع المصالح الذي تتغذى عليه حكومة الدبيبة.

جبهة شعبية عريضة ترفض “مخططات التوطين” وتدق ناقوس الخطر

لم يعد رفض سياسات التوطين حكراً على القيادة العامة للجيش، بل تحول إلى هبة شعبية ونخبوية تجتاح مدن ليبيا.

فقد أعلن المجلس الاجتماعي في طرابلس رفضه “القاطع والمطلق لجميع مشاريع التوطين تحت أي مسمى”، محذراً من “تهديد وجودي ومباشر لهويتنا ونسيجنا الاجتماعي وتركيبتنا السكانية”.

واعتبر المجلس، في بيان ناري، أن ما يحدث هو “استغلال وتغييب متعمد للقانون، وتواطؤ لتمرير أجندات تحت غطاءات إنسانية تشكل كارثة وطنية لن نصمت عنها”.

هذا التحذير الوجودي يتجاوز حدود طرابلس ليتردد في أرجاء البلاد. فقد اعتبر عضو مجلس الدولة، سعد بن شرادة، أن الليبيين قادرون على الوقوف في وجه المشاريع التي تستهدف مصير وطنهم، مستدعياً ذاكرة تاريخية عندما تصدى الليبيون لمشروع بيفن–سفورزا، ليؤكد أن “أبناء ليبيا اليوم هم امتداد لأولئك الذين ساهموا في تعطيله، وأن إرادة الشعوب تبقى أقوى من أي مخططات تُفرض عليها من الخارج”.

ومن جانبه، دعم تيار “بالتريس” الشبابي التحركات الميدانية لمقاومة المشروع “المدعوم خارجياً”، معتبراً أن هذه المشاريع تهدف إلى “تغيير ديموغرافي للوطن وتمثل خطراً استراتيجياً على الأمن القومي”.

السيادة في الميزان: القانون الليبي في مواجهة تجاوزات المنظمات الدولية

تظهر الانتقادات الموجهة لحكومة الدبيبة بشكل جلي في ملف العلاقة مع المنظمات الدولية، حيث يتهمها خصومها بالانبطاح والسماح بتجاوز صلاحيات الدولة.

وفي هذا الإطار، تأتي تصريحات الدبلوماسي والممثل الدائم السابق لليبيا لدى الأمم المتحدة، إبراهيم الدباشي، الذي أكد أنه “لا يوجد أي أساس قانوني لفتح مكتب للمفوضية السامية للاجئين في ليبيا”.

وكشف الدباشي أن “ممثل المفوضية استغل وجوده في ليبيا وبدأ في صرف بطاقات لاجئ لكل عامل أجنبي طرق بابه”، متجاوزاً وزارة الخارجية ومتعاوناً مع جهات غير رسمية.

وخلص إلى أن “الحل يكمن في إغلاق مكتب المفوضية السامية للاجئين، وإنشاء سلطة وطنية للتعامل وفقاً للقانون مع كل من يدخلون ليبيا بصورة غير قانونية”.

كما تساءلت المحامية والناشطة الحقوقية ثريا الطويبي عن صلاحيات المفوضية التي أعلنت عن إدماج 850 ألف مهاجر في التعداد السكاني، معتبرة أن إجراء مقابلات لطالبي اللجوء ومنحهم بطاقات لجوء دون إشراك الجهات الليبية المختصة “يثير تساؤلات قانونية بشأن آلية منح هذه البطاقات”.

وأكدت أن “لجنة وطنية مختصة يجب أن تتولى دراسة الطلبات واتخاذ القرار بشأنها، باعتبار أن هذه الإجراءات تدخل ضمن اختصاصات الدولة الليبية وسيادتها القانونية”.

وفي السياق ذاته، شدد المسؤول الإعلامي لحراك مصراتة ضد التوطين، حسن القلاي، على أن “المهاجر غير القانوني يعتبر متسللاً، والقانون الليبي يجرمه، وعلى السلطات التنفيذية تفعيل القوانين التشريعية التي تجرّم التوطين”.

أحزاب ونخب: نداءات لاستراتيجية وطنية في مواجهة “أجندات مشبوهة”

حذر حزب ليبيا الكرامة من “تحول الهجرة غير القانونية إلى تهديد مباشر للأمن القومي الليبي”، مؤكداً رفضه “لأي محاولات لتحويل ليبيا إلى بلد احتواء أو توطين للمهاجرين”، ومشدداً على أن “السيادة الوطنية وتأمين الحدود خط أحمر لا يقبل المساومة”.

وطالب الحزب بـ”استراتيجية أمنية ميدانية صارمة بدل الاكتفاء بالتصريحات”، فيما وصف رئيس الحزب، يوسف الفارسي، الأزمة بأنها “تحد أمني خطير يستنزف الخدمات والموارد ويهدد الاستقرار”.

كما استنكر حزب صوت الشعب ما وصفه بـ”محاولات البعثة الأممية لمصادرة حق الشعب الليبي في رفض سياسات توطين المهاجرين غير القانونيين”، متهماً الأمم المتحدة بالانحياز لـ”أجندات دولية مشبوهة ومحاولة إرهاب الصوت الوطني الحر”.

الإعلاميون يشهرون سيف النقد

شن الإعلامي الحسن باكير هجوماً على تصريحات السفير القطري بشأن المهاجرين، معتبراً إياها “تدخلاً في الشأن الليبي”، وموجهاً انتقادات مباشرة للحكومة، مطالباً وزارة الخارجية بالخروج عن صمتها وإعلان رفضها لأي تدخل خارجي.

كما اعتبر أستاذ القانون الدولي راقي المسماري أن “اكتظاظ ليبيا بالمهاجرين خطأ تاريخي فادح”، مؤيداً التحركات الشعبية الرافضة للتوطين، ومشدداً على ضرورة معالجة الأزمة وفق القانون والمواثيق الدولية.

في المقابل، دعا عميد بلدية تاجوراء السابق حسين بن عطية إلى التوافق الوطني، محذراً من أن استمرار الانقسام الداخلي يزيد من الضغوط الخارجية ويفرض على الليبيين واقعاً أكثر تعقيداً.

بيانات بلا أسنان.. البرلمان مطالب باستخدام أدواته الدستورية

وجه الإعلامي خليل الحاسي انتقادات لآلية تعامل مجلس النواب مع الملف، قائلاً إن “البيانات السياسية لا تمنع التوطين ولا تنشئ التزامات قانونية ولا تغير شيئاً على الأرض”.

وأضاف أن “الأداة الحقيقية ليست البيانات، بل التشريع والرقابة البرلمانية”، في إشارة إلى ضرورة تفعيل الأدوات الدستورية لمواجهة التحديات المرتبطة بملف الهجرة.

الأمم المتحدة بين نارين

أعربت الأمم المتحدة في ليبيا عن قلقها إزاء “عودة انتشار المعلومات الخاطئة والمضللة والخطاب التحريضي على منصات التواصل الاجتماعي”، مطالبة بالتحقق من المعلومات قبل تداولها، ومؤكدة أهمية مواجهة التحريض ونشر الأخبار الكاذبة وفق القانون الليبي والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

إلا أن هذا الموقف قوبل بانتقادات من بعض النخب الليبية التي رأت فيه محاولة للحد من الأصوات الرافضة للتوطين، معتبرة أن جوهر الأزمة يتعلق بالسيادة الوطنية وحماية الهوية الديموغرافية للبلاد.

وفي المقابل، أكد موقع “سيكيورتي كاونسل ريبورت” أن مجلس الأمن سيعقد جلسة إحاطة للمبعوثة الأممية هانا تيتيه لمناقشة التطورات السياسية والأمنية في ليبيا، واستعراض مقترحاتها لكسر الجمود السياسي.

الخلاصة

يقف المشهد الليبي اليوم أمام تحديات متشابكة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والإنسانية.

ففي الوقت الذي تتواصل فيه العمليات الأمنية لمكافحة الهجرة غير النظامية وضبط الحدود، تتصاعد في المقابل الأصوات السياسية والشعبية الرافضة لأي مشاريع يُنظر إليها على أنها تمس التركيبة السكانية أو السيادة الوطنية.

وبين هذه التطورات، يبقى ملف الهجرة أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في ليبيا، في ظل استمرار الجدل حول سبل معالجته، وتباين الرؤى بشأن أدوار المؤسسات المحلية والمنظمات الدولية في التعامل معه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى