ليبيا

جدل الاستبدال النقدي لدعم الطاقة في ليبيا.. وعود بإنعاش الاقتصاد وتحذيرات من انهيار الحماية الاجتماعية

مكاسب مرتقبة ومخاوف تضخمية من إنهاء الدعم السلعي

ليبيا 24:

استبدال دعم المحروقات نقداً يثير جدلاً اقتصادياً في ليبيا

مقترح رجل الأعمال حسني بي يشعل نقاشاً نخبوياً حول إعادة توزيع ثروة النفط، ويكشف الهوة بين طموحات الإصلاح الاقتصادي وهشاشة البناء المؤسسي في البلاد.

لم يكن منشور رجل الأعمال حسني بي على صفحته في فيسبوك مجرد دعوة عابرة لإصلاح اقتصادي، بل تحول خلال ساعات إلى شرارة أشعلت واحدة من أكثر النقاشات كثافة بين النخب الليبية حول مصير دعم الطاقة.

في زاوية يقف بي مدافعاً عن استبدال الدعم السلعي للمحروقات بمنح نقدية شاملة، وفي الزاوية المقابلة يقف المحلل السياسي الدكتور خالد الحجازي محذراً من أن هذه الوصفة، إن لم تقترن بدولة قوية ومؤسسات رقابية صارمة، قد تتحول إلى كارثة معيشية.

ويلخص هذا الجدل مأزقاً ليبياً أعمق: كيف يمكن تحويل الريع النفطي من أداة للتسريب والتهريب إلى رافعة للعدالة الاجتماعية دون أن تنهار آخر حواجز الحماية أمام المواطن؟

مئة مليار دينار تتبخر.. حجم الدعم ومشكلة التهريب

تُظهر التقديرات المتداولة في أوساط المال والأعمال الليبية أن فاتورة دعم المحروقات والطاقة تتجاوز 100 مليار دينار سنوياً، وهو رقم يعادل قرابة نصف الإنفاق العام في موازنة تتغذى بالكامل تقريباً على عوائد النفط.

غير أن قسماً كبيراً من هذا المبلغ لا يصل إلى مستحقيه، بل يتسرب عبر شبكات التهريب إلى الأسواق المجاورة، أو يغذي الاستهلاك المفرط في الداخل بأسعار تقل كثيراً عن كلفتها الحقيقية.

وتتحدث تقديرات غير رسمية عن تهريب ما لا يقل عن 40% من الوقود المخصص للسوق المحلية، في عملية تستنزف الاحتياطيات وتضغط على ميزان المدفوعات.

وفي هذا السياق، يطرح حسني بي وصفته الجذرية: إلغاء الدعم السلعي بالكامل وتحويل قيمته نقداً إلى المواطنين مباشرة.

ويرى أن هذه الخطوة لا تعالج مشكلة التهريب فقط، بل تخرج ما لا يقل عن ثلث الشعب الليبي من دائرة الفقر، وتوفر أكثر من 6 مليارات دولار سنوياً كانت تذهب هدراً، فضلاً عن تعزيز قوة الدينار وتحسين ميزان المدفوعات.

طرح الاستبدال النقدي.. إنقاذ الثلث من الفقر وتحرير المواطن

في منشوره الذي صيغ بلغة تجمع بين حماسة التاجر وثقة الخبير، يوضح بي أن التحويل النقدي ليس مجرد إجراء مالي، بل مشروع مجتمعي متكامل.

ويقول إن المواطن “أدرى من أي مسؤول ومن أي حكومة بأولويات أسرته”، وإن امتلاكه دخلاً حقيقياً وقدرة شرائية أفضل سيدفعه إلى ترشيد استهلاكه تلقائياً، والإنفاق على السلع والخدمات بما ينعش التجارة والصناعة ويحقق فائدة عامة.

ويضيف بعداً اجتماعياً للطرح، معتبراً أن وصول نصيب المواطن من ثروة بلاده إليه مباشرة سيخفف الاحتقان ويعزز الشعور بالعدالة في توزيع الموارد.

أما فيما يتعلق بالتضخم، فيقدر بي أن رفع أسعار الوقود سيرفع تكاليف النقل بنحو 20%، لكن تأثيره على التضخم العام لن يتجاوز 1.8%، وهو رقم يراه محدوداً مقارنة بالمكاسب الاقتصادية والاجتماعية المنتظرة.

الرد التحليلي.. مخاوف التضخم وغياب الضمانات المؤسسية

على الجانب الآخر، يقدم الدكتور خالد الحجازي قراءة أكثر حذراً، لا تنطلق من رفض الإصلاح بحد ذاته، بل من مخاوف مرتبطة بآليات التطبيق في ظل واقع مؤسسي هش.

ويرى الحجازي أن فشل الدعم في الوصول إلى مستحقيه لا يبرر إلغاءه بالكامل، بل يستدعي إصلاحه ومكافحة الفساد والتهريب، مؤكداً أن “معاقبة جميع المواطنين بسبب عجز الدولة عن ضبط الحدود ليس حلاً عادلاً”.

كما يشير إلى أن الدعم النقدي يفقد قيمته تدريجياً بفعل التضخم وتراجع قيمة العملة، بينما يوفر الدعم السلعي حماية مباشرة من تقلبات الأسعار.

ويصف تقديرات التضخم البالغة 1.8% بأنها متفائلة للغاية، موضحاً أن الطاقة تدخل في تكلفة النقل والإنتاج والزراعة والصناعة والخدمات، ما يعني أن أي زيادة كبيرة في أسعارها ستنعكس على معظم السلع الأساسية.

ويؤكد أن الفئات محدودة الدخل ستكون الأكثر تضرراً، لأن الجزء الأكبر من دخولها يذهب أصلاً لتغطية الاحتياجات الأساسية.

التجارب الدولية.. دروس من إيران ومصر ونيجيريا

لا تدور هذه النقاشات في فراغ، إذ تقدم التجارب الدولية نماذج مختلفة لنتائج إصلاح دعم الطاقة.

إيران

بدأت طهران عام 2010 برنامجاً واسعاً لاستبدال الدعم بتحويلات نقدية، لكنه تزامن مع موجات تضخمية متلاحقة أفقدت تلك التحويلات جزءاً كبيراً من قيمتها الحقيقية.

مصر

اتبعت القاهرة نهجاً تدريجياً، فرفعت الدعم على مراحل وأطلقت برامج حماية اجتماعية مثل “تكافل وكرامة”، مستندة إلى قواعد بيانات أكثر تنظيماً وآليات استهداف واضحة.

نيجيريا

شهدت محاولات إلغاء الدعم احتجاجات واسعة، بعدما فقد المواطنون الثقة في قدرة الدولة على تعويضهم بشكل عادل وفعال.

التحديات الليبية.. انقسام المؤسسات وغياب البيانات

في الحالة الليبية، تبدو التحديات أكثر تعقيداً.

فالبلاد ما تزال تعاني من انقسام مؤسسي، ولا تمتلك سجلاً سكانياً موحداً ومحدثاً يمكن الاعتماد عليه لتوزيع التحويلات النقدية بعدالة.

كما أن مستويات الشمول المصرفي ما تزال محدودة، ما يجعل عملية التوزيع عرضة للتأخير أو المحسوبية أو سوء الإدارة.

وتزيد المشكلة تعقيداً مع غياب بيانات دقيقة عن الفقر وأنماط الاستهلاك، الأمر الذي يصعّب تصميم برامج دعم نقدي فعالة تستهدف الفئات الأكثر احتياجاً.

بين الإصلاح والإلغاء.. أي مسار للاستقرار؟

يكشف الجدل بين حسني بي وخالد الحجازي عن أكثر من مجرد خلاف اقتصادي؛ فهو يعكس اختلافاً في الرؤية لدور الدولة وطبيعة العقد الاجتماعي.

فبينما تراهن الرؤية الأولى على السوق وحرية الاختيار الفردي، ترى الثانية أن الدولة ما تزال مطالبة بلعب دور الحماية الاجتماعية، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة.

ويرى الحجازي أن المشكلة الأساسية ليست في وجود الدعم، بل في سوء إدارته، وأن الأولوية يجب أن تكون لمكافحة التهريب والفساد وتحسين آليات الاستهداف.

وفي المقابل، يرى مؤيدو الإصلاح أن استمرار الوضع الحالي يعني استمرار نزيف الموارد العامة واستفادة شبكات التهريب من مليارات الدنانير سنوياً.

حل وسط يلوح في الأفق

قد يفرض الواقع الليبي حلاً وسطاً يجمع بين الرؤيتين، من خلال:

رفع أسعار الوقود تدريجياً.

تقديم تحويلات نقدية للفئات الأكثر احتياجاً.

إنشاء سجل اجتماعي موحد.

توسيع الشمول المصرفي.

تطوير أنظمة رقابة مستقلة على برامج الدعم.

تكثيف جهود مكافحة التهريب.

وفي الأفق البعيد، قد يصبح الاستبدال النقدي الكامل خياراً قابلاً للتطبيق، لكنه يبقى مرهوناً بوجود دولة موحدة ومؤسسات قادرة على الإدارة والرقابة.

السؤال المفتوح

يبقى السؤال مطروحاً: هل تبدأ ليبيا بتحرير المواطن من الدعم السلعي، أم بتحرير منظومة الدعم نفسها من الفساد والتهريب أولاً؟

الإجابة لا تتعلق بالاقتصاد وحده، بل ترتبط بقدرة الدولة على استعادة سيطرتها على مواردها، وحماية مواطنيها من تداعيات أي إصلاحات قد تُفرض قبل اكتمال شروط نجاحها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى