
حكومة الدبيبة في مرمى الغضب الشعبي لاتهامها بحماية التوطين
ليبيا 24
عبدالعزيز الزقم
بينما كانت شمس الرابع من يونيو تلقي بظلالها الحارقة على شوارع طرابلس، لم تكن الحرارة وحدها ما يلهب الأجواء. فمن أمام المقر المتواضع لمفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في منطقة السراج، انطلقت شرارة غضب شعبي عارم، لترسم مشهداً بالغ التعقيد والتشابك، عنوانه العريض: “لا لا للتوطين.. ليبيا لليبيين”.
لم تكن هذه الوقفة الاحتجاجية حدثاً عابراً في يوم خميس عادي، بل كانت تتويجاً لأسابيع من الغليان الصامت، وتعبيراً صارخاً عن أزمة ثقة وجودية بين الشارع الليبي من جهة، والحكومة المنتهية ولايتها برئاسة عبد الحميد الدبيبة من جهة أخرى، متهمة إياها بالتواطؤ أو على الأقل بالعجز المتعمد في مواجهة ما يعتبره المحتجون مؤامرة دولية ممنهجة لتوطين المهاجرين غير النظاميين وتغيير النسيج الديموغرافي للبلاد.
“مفوضية اللاجئين خطر على ليبيا”: غضب في السراج واتهامات للحكومة
هتافات لم تكن مجرد كلمات، بل كانت تعبيراً عن قلق عميق يخترق الانقسامات السياسية المعتادة. “مفوضية اللاجئين خطر على ليبيا ووحدتها”، رددها المتظاهرون وهم يحملون لافتاتهم، مطالبين بمغادرة فورية للمنظمة الأممية، ومحمّلين، كما ورد في تقارير “ليبيا 24″، النائب العام والحكومة المسؤولية الكاملة لعدم وجود سند قانوني لبقائها. هذا المشهد، الذي بدا وكأنه استفتاء شعبي على شرعية وجود هذه البعثة، لم يأت من فراغ.
ففي وقت سابق، كان بيان صارم صادر عن الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد، يحمل الرقم (8) لسنة 2026م، قد وضع النقاط على الحروف، مؤكداً أن “مواجهة الهجرة غير الشرعية ومكافحة التوطين والتوطن تمثلان قضية سيادية وأولوية وطنية عليا لا تقبل التهاون أو التساهل”.
البيان الذي وجه الأجهزة الأمنية والعسكرية للتفعيل الكامل لقوانين مكافحة الهجرة والتوطين، وعلى رأسها القانون رقم (24) لسنة 2023، بدا وكأنه تعبير عن إرادة دولة غائبة، فيما يرى الشارع أن حكومة الدبيبة تمثل حالة من الفراغ السيادي المستغل من قبل القوى الدولية.
وفي هذا السياق، كان المحلل السياسي محمد قشوط أكثر وضوحاً وصراحة، حين كتب في منشور عبر “فيسبوك”: “مشكلتنا لو فكرنا بعقل ليست مع مفوضية شؤون اللاجئين بل مع من أدخل هذه المفوضية إلى طرابلس ويوفر لها الحماية من وزارة الداخلية الدبيبة، مشكلتنا مع فائز السراج ثم عبدالحميد الدبيبة، الذين ورطوا ليبيا في اتفاقيات مع إيطاليا والاتحاد الأوروبي لتوطين المهاجرين”.
بنية الأزمة: بين قوانين السيادة و”السوق النشط” لتهريب البشر
لفهم جذور هذا الغضب، يجب الغوص في تفاصيل ملف بالغ التعقيد، يرى فيه الليبيون تهديداً مركباً لأمنهم القومي والاجتماعي والصحي. الناشط المدني عبد الرؤوف الخضر، وفي تحليل تلفزيوني، تتبع جذور الأزمة إلى ثمانينات القرن الماضي، لكنه أكد أن التحول الأكبر حدث بعد 2011، حيث تحولت ليبيا من “محطة عبور إلى محطة استقرار” قسرية للمهاجرين، في ظل ما وصفه بـ”الهشاشة المؤسسية”.
هذه الهشاشة، بحسب الخضر، هي التي سمحت بوجود “سوق نشط” لتهريب البشر، حيث يدفع المهاجرون مبالغ تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات للوصول إلى ليبيا. وألقى الخضر بالمسؤولية المباشرة على فشل الدولة في تطبيق قوانينها قائلاً: “المرجعية القانونية في ليبيا تتمثل في القانون رقم 6 لسنة 1987… والقانون رقم 19 لسنة 2010… إلى جانب القانون رقم 24 لسنة 2023 بشأن توطين الأجانب الذي يتضمن عقوبات تشمل الغرامة المالية والسجن”.
هذا القانون الأخير، الذي يعرّف التوطين بأنه “العمل على إدخال الأجانب إلى ليبيا بقصد البقاء فيها، واتخاذها موطنا دائما لهم”، ويعاقب بالحبس والغرامة كل من يثبت قيامه بإيواء أو تشغيل أجانب بطرق غير قانونية، يظل، بحسب المحتجين، حبراً على ورق في مناطق سيطرة حكومة الدبيبة.
عضو مجلس النواب محمد العباني، وفي تصريح تلفزيوني، حمّل “الجهة التي تمارس السلطة المسؤولية عن إدارة هذا الملف”، مشدداً على أن “عملية التوطين لا يمكن أن تتم بالإجبار بل تعتمد على إرادة بعض الجهات المستفيدة”، في إشارة مبطنة إلى تواطؤ محلي.
التناقض المُريع: بين خطاب المفتي المعزول واتهامات التوطين
وسط هذا الغليان، برزت تصريحات المفتي المعزول الصادق الغرياني كحالة فريدة من التناقض التي أربكت المشهد وزادت من تعقيده. ففي البرنامج نفسه، وبينما حذر في مقطع من أن “مفوضية الأمم المتحدة للهجرة تعمل بشكل غير قانوني في ليبيا وتهدف لتوطين المهاجرين والواجب طردها فورا”، وأن “أوروبا تستغل الفوضى الليبية لتصدير أزمة الهجرة”، عاد في مقطع آخر ليدلي بتصريحات صادمة بدت وكأنها تؤيد ما يحاربه المحتجون، قائلاً: “نحتاج إلى الكثير منهم في مزارعنا ومتاجرنا وفي منازلنا ومصانعنا، ويجب على الحكومة أن تعمل على تسوية أوضاعهم”.
هذا الموقف المزدوج، الذي دعا فيه إلى تطبيق القانون من جهة وفتح الباب لتسوية أوضاع المخالفين له من جهة أخرى، يكشف عمق الأزمة النخبوية في التعامل مع هذا الملف، حيث تتصارع المصالح الاقتصادية الضيقة مع ضرورات الأمن القومي، ويغيب القانون في زحام التناقضات.
البعد الاستراتيجي: “مشروع غربي للتآمر” وجيش يقف سداً منيعاً
لم يقتصر التحليل على الجوانب الأمنية والقانونية، بل امتد ليشمل البعد الاستراتيجي العميق للأزمة. المحلل السياسي محمد قشوط رسم صورة قاتمة لمخطط وصفه بأنه “غربي تم الإعداد له منذ سنة 2011″، معتبراً أن “كل مراحل الفشل المتعمد التي مررنا بها وبعثة الأمم المتحدة وحفنة السفراء أداروا الأزمات بل وصنعوها … كانت كلها أجزاء من قصة التآمر على ليبيا وإيصالها لمرحلة الضعف وجعلها ساحة لتنفيذ مخططات توطين المهاجرين”.
وفي هذا السياق، أشار قشوط بوضوح إلى أن هذا المخطط استهدف “النكاية في القيادة العامة للقوات المسلحة التي يدركون أنها الخطر عليهم كونها تملك مشروع وطني يؤسس لدولة حقيقية قوية”.
هذه النقطة تحظى بتأييد واسع في الشارع الليبي، حيث يرى كثيرون أن القوات المسلحة تمثل خط الدفاع الأخير عن السيادة. وقد أكد أستاذ العلوم السياسية يوسف الفارسي، في حديثه لقناة “ليبيا الحدث”، أن “إعلان القيادة العامة عن استمرار التنسيق والتعاون مع جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية… يأتي في إطار مواجهة ما تشكله هذه الظاهرة من تأثيرات على الأمن القومي الليبي”، لافتاً إلى أن الإجراءات الاستراتيجية مثل “إغلاق الحدود الجنوبية” تمثل خطوة مهمة للحد من التدفقات غير النظامية.
هذا التضاد بين مشروع وطني سيادي تقوده المؤسسة العسكرية، ومشروع آخر وصفه المحلل عامر التواتي بأنه “تستغل فيه الدول القريبة والبعيدة هشاشتنا وتسعى لحل مشاكلها على حسابنا”، يضع حكومة الدبيبة في موقع المتهم الرئيسي بتوفير الغطاء السياسي لهذا الاستغلال.
البعد الصحي والديموغرافي: “الأمراض المعدية” وقنبلة التركيبة السكانية
التداعيات الخطيرة للهجرة غير النظامية، في ظل غياب الرقابة الحكومية الفاعلة، لا تقتصر على الجوانب الأمنية. فعبد الرؤوف الخضر حذر من تداعيات صحية واجتماعية خطيرة، مشيراً إلى ما وصفه بانتشار “بعض الأمراض المعدية مثل السل والتهاب الكبد والإيدز في عدد من دول المصدر”، معتبراً أن دخول مهاجرين دون فحوصات دقيقة قد يشكل خطراً على الأمن الصحي.
أما فيما يتعلق بالتركيبة السكانية، فقد أكد الخضر أن “الضغط على ليبيا في ملف الهجرة مرتبط بما وصفه باستهداف قائم على الهشاشة المؤسسية بعد 2011”. هذا الشعور بالخطر الوجودي الديموغرافي كان جلياً في هتافات المتظاهرين وفي تعليقات رواد مواقع التواصل.
وكتب أحد الليبيين على منصة “ليبيا 24” تعليقاً لخص هذا القلق: “نحن شعب يحترم القانون عندما نذهب إلى جميع الدول وما نريده هو تطبيق القانون على الوافدين إلينا والمعاملة بالمثل… فأمننا القومي خط أحمر”.
وأضاف آخر بصوت يعكس مزاجاً شعبياً متصاعداً: “ليبيا أرض لها شعبها وتاريخها وسيادتها، ولن يقبل شعبها بفرض مشاريع التوطين عليها أو بسلب هويتها تحت أي ظرف من الظروف”.
المنظمات الدولية بين الشكوك ومزاعم الحياد
في مقابل هذه الاتهامات، حاولت مفوضية اللاجئين النأي بنفسها، حيث أوضح رئيس مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء، طارق لملوم، أن “الورقة الصادرة عن المفوضية… لا تُعد وثيقة هوية ولا تمنح أي وضع قانوني أو امتيازات داخل البلاد، بل تُستخدم فقط كإجراء أولي لتسجيل طالبي اللجوء”.
وأكد أن عملها يتم ضمن تنسيق مع السلطات عبر وزارة الخارجية. إلا أن هذه التطمينات لم تفلح في تهدئة الشارع، خاصة بعد أن فجر المختص في شؤون الهجرة، حسام الدين العبدلي، مفاجأة من العيار الثقيل حين أشار إلى أن إحدى العبارات الواردة في بطاقات اللجوء “تشير إلى عدم جواز إعادة حامل البطاقة قسرياً إلى بلده الأصلي”، معتبراً أن هذا الأمر يطرح تساؤلات عميقة بشأن السيادة الوطنية. وأكد العبدلي أن “السلطات الليبية مطالبة بتوضيح موقفها من هذه الإجراءات، سواء كانت على علم بها أو لم تكن كذلك”.
لكن في ظل حكومة يصفها المحلل قشوط بأنها “ورطت ليبيا في اتفاقيات”، يبدو الغموض سيد الموقف. وقد زاد بيان المنظمة الدولية للحقوقيين من الطين بلة في نظر الشارع، حيث عبرت فيه عن “قلقها البالغ جراء تزايد الدعوات لتنظيم احتجاج أمام مفوضية اللاجئين، مدفوعة بمعلومات مضللة خطيرة”.
ورداً على هذا البيان، كتب ناشطون ليبيون رداً شعبياً لاذعاً، مؤكدين فيه رفضهم “للأخبار الخاطئة والمضللة والخطاب التحريضي من قبل الأمم المتحدة ضد الشعب الليبي”، ومطالبين المفوضية “قبل رحيلها… بجمع قمامتهم التي استقطبوها لبلادنا والتي تسببت في انتشار الجريمة والسرقة والأمراض والإرهاب”.
إجراءات على الأرض: حظر تجول في زوارة وعصيان مدني مرتقب
لم يعد الغضب حبيس الشاشات والمنصات. فعلى الأرض، بدأت تظهر إجراءات تعكس حالة الطوارئ التي تعيشها البلاد. فقد أعلنت بلدية زوارة فرض “حظر تجول على الأجانب المقيمين والزائرين” من الحادية عشرة مساءً وحتى الخامسة صباحاً، في إجراء وصفته بأنه يهدف إلى “تعزيز الأمن والاستقرار والمحافظة على سلامة المواطنين الأجانب”.
هذا القرار، الذي قوبل بترحيب واسع، اعتبره مراقبون دليلاً على أن السلطات المحلية بدأت تتحرك لسد الفراغ الذي تركته الحكومة المركزية. وفي تطور لافت، أطلق المحلل السياسي خالد الحجازي نداءً عبر “فيسبوك” إلى “أبناء الشعب الليبي في كافة المدن والقرى” للتجمع السلمي أمام مقار البلديات، للمشاركة في قراءة بيان موحد ضد الهجرة غير الشرعية. ودعا الحجازي في منشوره إلى “العصيان المدني”، مؤكداً أن “ليبيا وطننا وأرض أجدادنا، ومسؤولية الحفاظ عليها تقع على عاتق كل مواطن غيور على بلده”.
هذا التطور يشير إلى أن الشارع بدأ يفقد ثقته في قدرة أو رغبة حكومة الدبيبة في حماية مصالحه، متجهاً نحو أشكال تصعيدية من الاحتجاج.
التاريخ يعيد نفسه: من “ملك ملوك أفريقيا” إلى “مكب القمامة”
المهندس عبد السلام زبيدة، وفي سلسلة منشورات تحليلية عميقة على “فيسبوك”، قدم قراءة تاريخية نقدية لجذور الأزمة، مذكراً بأن “الليبيين هم الذين فتحوا حدود بلادهم للأجانب”، مشيراً إلى التحول في السياسة الليبية سابقاً نحو أفريقيا وما نتج عنه من أوضاع “أخذت تتجذر وتتعمق”.
لكن تحليله حمل نقداً مبطناً للحاضر أيضاً، حين أشار إلى أن “قضية الهجرة… ازدادت سوءاً وتعقيداً خاصة بعد ظهور نظام اعتمد على وجود وسيطرة مجموعات مسلحة على مفاصل الدولة، ووجدت فرصة سانحة لتحقيق مكاسب كبيرة من تجارة البشر وتهريبهم”.
وفي تعليق معبر عن نبض الشارع، اختصر أحد المواطنين هذا الشعور التاريخي بالظلم في منشور غاضب: “لماذا يكون الدفاع عن الحدود حقًا مشروعًا لهم، وجريمةً عندما نمارسه نحن؟… السيادة ليست حكرًا على أوروبا. وما ترفضه أوروبا لنفسها، لا يحق لها أن تفرضه على بلداننا”.
عبدالحميد الدبيبة: رجل الأزمة الغائب في قلب العاصفة
وسط هذا الزخم الهائل من التصريحات والتحليلات والغضب الشعبي، يبقى اسم عبد الحميد الدبيبة هو محور الأزمة ومركز الثقل في اتهامات الشارع والنخب. فهو، وبحسب المحلل قشوط، من “ورط ليبيا في اتفاقيات مع إيطاليا والاتحاد الأوروبي لتوطين المهاجرين وكل ذلك من أجل نيل دعم سياسي دولي منهم لبقائهم”.
والشارع، الذي وصف أحد رواده حكومته بأنها “لا يهمها سوى الصفقات”، يرى في بقاء المفوضية ودورها المتزايد دليلاً على هذه التهمة. وفي الوقت الذي يتهمه فيه خصومه بأنه “نكاية في القيادة العامة للقوات المسلحة”، يبدو أن الدبيبة يراهن على دعم دولي مشروط ببقاء ليبيا ساحة مفتوحة لتصريف أزمات الهجرة الأوروبية.
وقد عبر المحلل عامر التواتي عن هذا المأزق بدقة حين قال: “السلطات المسؤولة في البلد تتنصل من المسؤولية وتصمت حتى لا تزعل أوروبا، حسناً ماذا نحن فاعلين؟”.
السؤال الذي يطرحه التواتي يبدو أنه وجد إجابته في شوارع طرابلس وزوارة ونداءات العصيان المدني. فالشعب الذي خرج ليقول “لاللتوطين.. ليبيا لليبيين”، يبدو أنه قرر أن يجيب بنفسه، في ظل حكومة يراها قد اختارت الاصطفاف إلى جانب “زعل أوروبا” على حساب أمنه القومي ومستقبل أبنائه.
إنها أزمة سيادة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، تختبر فيها الدولة الليبية قدرتها على البقاء، في مواجهة عجز حكومة في طرابلس، ومخططات دولية لا تخفى على أحد.



