ليبيا

بن شرادة: اختفاء المهاجرين المتزامن مع الاحتجاجات يثير ريبةً عميقة

حسابات وأعباء دولية، تاركة المواطن الليبي والمهاجر على حد سواء ضحايا لسياسات لا أخلاقية ولا وطنية

ليبيا 24:

في خضم أزمة متعددة الأوجه تعصف بالبلاد، يبرز ملف الهجرة غير النظامية كواحد من أكثر الملفات تعقيداً وانكشافاً على تخبط السياسات الداخلية وإفلاسها، في ظل حكومة تصارع للبقاء أكثر مما تحكم.

تصريحات عضو مجلس الدولة، سعد بن شرادة، لم تكن مجرد موقف عابر، بل بدت أقرب إلى كشف حساب لاذع لسياسات حكومة عبد الحميد الدبيبة، التي وصفها مراقبون بأنها سلمت مفاتيح السيادة الوطنية لجهات خارجية، تاركة الداخل الليبي نهباً للتجاذبات والصفقات الغامضة.

غياب خفي وسط احتجاج.. أسئلة بلا إجابة

قال بن شرادة في منشور له عبر حسابه على فيسبوك: “الاختفاء المفاجئ والمتزامن للمهاجرين من شوارع العاصمة مع دعوات الاحتجاج يثير تساؤلات مشروعة… كيف وصلت إليهم المعلومات بهذه السرعة؟ ومن يقف وراء ذلك؟ رغم بأنهم مختلفون لغوياً وثقافياً”.

هذا التساؤل، وإن بدا بريئاً في ظاهره، إلا أنه ينطوي على اتهام ضمني لأجهزة في الدولة بالتورط في عمليات إخفاء أو ترحيل غير معلنة، تُنفذ بآلية أقرب إلى عمليات الاستخبارات منها إلى إجراءات إدارية شفافة.

إنه يفضح عبثية المشهد الذي تعجز فيه حكومة منتهية الولاية عن ضبط الأمن في العاصمة، لكنها، وبشكل غامض، قادرة على إخلاء مجموعات بشرية كاملة من الشوارع في غضون ساعات قبل اندلاع احتجاجات شعبية.

هذا التزامن المريع يلقي بظلال كثيفة على شرعية هذه الإجراءات ومن يقف وراءها، ويطرح سؤالاً حول ما إذا كانت هذه التحركات تتم بتنسيق مع قوى خارجية لا تريد لصوت الليبيين الغاضب أن يمتزج بصوت المهاجرين اليائسين.

منظومة إدارة الهجرة.. تفويض للسيادة المفقودة

وفي ضربة مباشرة لبيت العنكبوت الذي تديره مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بتواطؤ مع السلطات القائمة، يكشف بن شرادة تناقضاً صارخاً في مهمة المفوضية، ناقلاً عن رئيسة مكتبها قولها: “نحن هنا نساعد اللاجئين الذين هربوا من بلدانهم ولدينا خطط لهم لإرجاعهم لبلدانهم الأصلية أو لطرف ثالث ونحن ليس هنا لتوطينهم في ليبيا”.

رد بن شرادة لم يتأخر، وهو بمثابة صفعة دبلوماسية للمجتمع الغربي القابع خلف هذه المؤسسات: “هل تعلمي بأن المجتمع الغربي وضع ليبيا طرفاً ثالثاً لاستقبال المهاجرين وخطة إجلاء بعض المواطنين في دولة فلسطين وهذا ليس سراً.

وماذا تفعلين باللاجئ الذي لا يملك جواز سفر أصلاً وغير معروف من أي بلد؟”.

هنا تكمن لب المشكلة؛ فحكومة الدبيبة، في سعيها المحموم للحصول على أي اعتراف خارجي، تحولت إلى منصة تنفيذية لأجندات لا تخدم المصلحة الوطنية.

لقد تم تحويل البلاد، تحت إشراف هذه الحكومة، إلى مخزن بشري كبير، ليس للإعادة الطوعية كما تدّعي المفوضية، بل للتوطين القسري المقنع، أو ما هو أسوأ، إلى مركز فرز وترحيل إقليمي تستفيد منه عواصم القرار الغربية لإبعاد شبح المهاجرين عن حدودها.

الحديث عن “طرف ثالث” يكشف النقاب عن لعبة الأمم التي تمارسها حكومة تفتقد للسيادة، حيث يتم التعامل مع الأراضي الليبية كورقة مساومة في صفقات جيوسياسية لا علاقة لها بطموحات شعبها.

حل الأزمة.. منبعها لا مصبها

أما جوهر الطرح الاستراتيجي لبن شرادة، فيتمثل في نقله للبوصلة نحو نقطة العلاج لا الأعراض، مخاطباً الاتحاد الأوروبي مباشرة: “إذا كان الاتحاد الأوروبي جاداً في الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية… فإن الحل الحقيقي لا يكمن في تحميل دول العبور وحدها أعباء هذه الظاهرة، بل في معالجة أسبابها من جذورها من خلال دعم التنمية والاستثمار وخلق فرص العمل في بلدان المصدر”.

هذا التصريح هو إدانة مزدوجة؛ فهو يدين من جهة النهج الأوروبي القائم على الابتزاز وشراء الذمم، والمتمثل في إغراق حكومات هشة كحكومة الدبيبة بالأموال مقابل لعب دور “حارس البوابة”، كما يدين، من جهة أخرى، هذه الحكومة لقبولها بهذا الدور المهين. فعندما يضطر مسؤول ليبي للتأكيد بأن “دولة ليبيا مستعدة للمساهمة في أي جهود تنموية تحقق الاستقرار… أما أن تتحمل دول العبور وحدها التبعات… فذلك أمر لا يستقيم”، فهذا اعتراف ضمني بأن المسار الحالي الذي تسير فيه حكومة الأمر الواقع هو مسار لا يستقيم، وهو مسار يجر البلاد إلى مستنقع أمني وإنساني لا قرار له.

إنها دعوة صريحة لتجفيف منابع الأزمة في الساحل والصحراء بدلاً من ترك ليبيا تغرق في مستنقعها، في وقت تنشغل فيه حكومة الدبيبة بصراعاتها الداخلية للحفاظ على كرسي لا تفويض شعبياً له.

إن تصريحات بن شرادة ليست مجرد انتقاد لسياسة خاطئة، بل هي مرافعة مدمرة ضد شرعية حكومة فرطت في السيادة، وتهاونت في إدارة الملف الإنساني، وحولت البلاد إلى ساحة لتصفية حسابات وأعباء دولية، تاركة المواطن الليبي والمهاجر على حد سواء ضحايا لسياسات لا أخلاقية ولا وطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى