ليبيا

أبوعميد يطالب بطرد “كارمن صخر” ويرفض توطين المهاجرين في ليبيا

الأمم المتحدة تهدد الليبيين بالملاحقة إن طالبوا بمنع التوطين

ليبيا 24:

في خضم أزمة متصاعدة تنخر جسد الدولة الليبية، خرج المرشح الرئاسي مبروك محمد أبوعميد بموقف صدامي غير مسبوق ضد الوجود الأممي في البلاد، موجهاً سهام نقده إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومطالباً بطرد رئيسة بعثتها على خلفية ما وصفه بمخططات التوطين المموهة ومحاولات إسكات الصوت الليبي.

التصريحات التي صدرت عبر منصة التواصل الاجتماعي حملت في طياتها هجوماً عنيفاً على الإرث الاستعماري الأوروبي، كما رسمت خارطة طريق لتحرك شعبي منضبط حذر من الانزلاق إلى فتنة العنصرية، لكنها في الوقت ذاته أعادت التذكير بأن ليبيا ليست معسكراً لحرس حدود القارة العجوز.

تصعيد خطابي غير مسبوق ضد الأمم المتحدة ورسالة إلى كارمن صخر

في مشهد سياسي تهيمن فيه لغة المصالح الدولية على الملف الليبي، وجه أبوعميد إنذاراً مفتوحاً لرئيسة بعثة المفوضية قائلاً: “أخرجي فوراً من ليبيا”. ولم يكتف بالدعوة إلى الطرد، بل ربط بين وجودها الوظيفي وبين منظومة الدول الاستعمارية التي “نهبت ثروات أفريقيا حتى وإن تجنس رموزها بجنسيات أمريكا اللاتينية”.

وجاء هذا الهجوم المباشر رداً على بيان للأمم المتحدة ندد بما سمته “التحريض ونشر المعلومات الكاذبة”، وهو ما فسره أبوعميد بأنه تهديد للشعب الليبي إذا ما طالب بمنع التوطين، في إشارة إلى أن ثمة خطاً رفيعاً بين العمل الإنساني وتكريس وجود مهاجرين قسراً على الأراضي الليبية.

التحليل هنا يذهب إلى أن أبو عميد يضرب على وتر السيادة الوطنية الجريحة، ويعري قناع “الوصاية الدولية” التي باتت في نظره غطاءً لإملاءات أوروبية.

الخلفية الاقتصادية والاجتماعية: استنزاف الموارد وعبء لا يحتمل

من منظور تحليلي، لا يمكن فصل التصعيد عن الواقع الاقتصادي المتردي، ليبيا التي تعاني انقساماً مؤسساتياً حاداً، تجد نفسها مجبرة على استيعاب موجات بشرية تفوق قدرة بنيتها التحتية المنهارة.

وتشير الأرقام غير الرسمية إلى أن رواتب ومهايا ما يتجاوز مليون عنصر من الجيوش والشرطة والأجهزة الأمنية والمليشيات القبلية والجهوية والدينية تلتهم الجزء الأكبر من الميزانية العامة، فيما تتدفق المهاجرين عبر الحدود دون رادع، متحولين إلى سلعة في اقتصاد تهريب متشعب يستفيد منه نافذون داخل الدولة وخارجها.

السؤال الذي يطرحه أبوعميد في خطابه يحمل بعداً اقتصادياً عميقاً: إذا كان أكثر من مليون ليبي مسلح وبأحدث العتاد البري والجوي والبحري والطيران المسير لا يستطيعون ضبط الحدود، فمن المستفيد من بقائها مفتوحة؟ الإجابة تكمن في شبكات التهريب العابرة للحدود التي باتت تمثل اقتصاداً موازياً يدر المليارات على أمراء الحرب والسماسرة.

مليشيات بالملايين والحدود مشرعة: معضلة السيادة المنقوصة

في مقطع يتسم بلغة تقريرية أقرب إلى تقارير الاستخبارات المفتوحة، يتساءل أبو عميد: “من أين يدخل المهاجرون ومن يدخلهم من الحدود الليبية؟ كيف يعبرون بوابات الجيش والشرطة وبوابات المليشيات؟ كيف وصلوا إلى السواحل ومن يوفر لهم أماكن السكن؟”.

هذه الأسئلة ليست بلاغية، بل تكشف حقيقة المأزق الليبي؛ فالدولة التي تصرف المليارات على أجهزتها الأمنية تظل عاجزة عن فرض أبسط مظاهر السيادة على ترابها.

هذا التناقض الصارخ يغذي نظرية “التفريغ والاستبدال الديموغرافي” التي تروج لها بعض الدوائر الشعبية، وهو ما يحاول أبو عميد احتواءه بدعوته إلى عدم التعرض للمهاجرين أنفسهم، بل توجيه الغضب نحو المنظمات الدولية والحكومات الأوروبية التي تصدر أزماتها إلى ليبيا.

حراك الشارع: بين رفض العنصرية والضغط على أوروبا

الرسالة إلى المتظاهرين التي تضمنها خطاب أبوعميد هي وثيقة سياسية واجتماعية فائقة الحساسية. فهو يطالب بسلمية التحرك واقتصار الشعارات على استهداف الأمم المتحدة وبعثتها، محذراً صراحة من “الانجرار وراء مخططات نشر العنصرية” أو التعرض للمهاجرين بالأذى.

هذه الدعوة، في جوهرها، تسعى إلى تفكيك الفخ المنصوب لليبيين: فإما أن يتحول الحراك الشعبي المشروع إلى أعمال عنف تخدم رواية اليمين الأوروبي عن “الغضب الأفريقي” وتبرر مزيداً من التدخل، وإما أن يظل عصياناً مدنياً منظماً يستهدف شروط اللعبة الدولية.

أبوعميد يعيد تعريف الصراع هنا ليس بوصفه صراعاً ضد الأفارقة، بل بوصفه معركة لتحميل أوروبا مسؤولية استعمارها ونهبها لثروات القارة، والضغط عليها لتوفير سبل العيش والتنمية في بلدان المصدر، بدلاً من الزج بالضحايا في مستنقع الشواطئ الليبية.

لا للتوطين ولا لدور الحارس الأوروبي

يختتم أبوعميد خطابه برفض قاطع لتحويل ليبيا إلى منطقة توطين للمهاجرين، وبالتأكيد على أن القانون الليبي يمنع دخول أي شخص إلى البلاد دون إجراءات قانونية.

هذا الموقف، الذي يعبر عن نبذ للعنصرية لكنه يتشبث بالسيادة، يكشف عن هوة بين المطالب الشعبية والأجندات الدولية.

في العمق، هي رسالة إلى بروكسل وواشنطن بأن الجغرافيا الليبية لم تعد صالحة لتكون سداً يحمي الضفة الشمالية للمتوسط، وأن شعوب أفريقيا المنهوبة من حقها أن تنعم بخيراتها في أراضيها.

وبينما يترقب الشارع الليبي المظاهرة التي دعت إليها هذه الدعوة، يبقى السؤال المعلق: هل تملك الحكومة الليبية، المنقسمة والعاجزة، أية إرادة لاستعادة مفاتيح حدودها، أم أن ملف الهجرة سيظل رهينة بيد “المستفيدين” من استمرار النزيف؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى