ضبط الحدود بالتشريع لا الفوضى مطلب وطني ليبي جامع.. ملف الأجانب اختبار حقيقي لقدرة الدولة على البقاء
عودة إلى الدولة: لماذا يُعيد تصريح عصر تعريف السيادة الليبية؟
ليبيا 24:
في لحظة نادرة يتقاطع فيها هاجس الشارع مع عقل رجل الدولة، يأتي تصريح وزير الاقتصاد والصناعة الأسبق منير علي عصر ليعيد طرح السؤال الجوهري الذي طالما تهربت منه النخب السياسية المنقسمة: كيف تستعيد الدولة الليبية حقها الحصري في تنظيم الوجود على أرضها دون أن تفقد بوصلتها الأخلاقية؟
الإجابة، كما صاغها عصر بدقة متناهية، لا تقيم في مربع العنصرية الذي يحاول البعض حشر ليبيا فيه زوراً، ولا في سذاجة الانفتاح المطلق الذي يحول الوطن إلى فندق بلا سجل نزلاء، بل تكمن في ذلك الفراغ القاتل المسمى غياب العمل المؤسسي.
العقد الاجتماعي المعلق
يمثل التصريح، رغم اقتصاره على منشور في منصة اجتماعية، وثيقةً سياسيةً مقتضبةً تعيد تعريف مفهوم السيادة بعيداً عن الشعارات الرنانة.
فالحق في التنظيم، ومنع التوطن غير المشروع، وفرض الاشتراطات الصحية وحتى العمرية، ليس نزوة سلطوية بل هو جوهر العقد الاجتماعي المناط بالدولة.
الجديد في الطرح ليس الاعتراف بهذا الحق، بل الإصرار على أن ممارسته تتعطل حين تغيب الآلية القانونية وتحضر الفوضى.
ليبيا، التي تُعرف بتدينها وأخلاقيات مجتمعها النابذة للتمييز العنصري، تجد نفسها اليوم أمام معضلة حقيقية: كيف تحمي ديموغرافيتها من تغيير قسري صامت، بينما أدوات الحماية ذاتها مركونة في مخازن الإهمال المؤسسي المزمن؟
نموذج الصرامة المنظمة لا التشدد العشوائي
في قلب تحليل عصر تكمن مقارنة لا تخلو من وجع، حين استحضر النموذج الإماراتي الذي يستوعب أضعاف سكانه من الوافدين، ولكن ضمن شبكة إقامة إلكترونية دقيقة وملف أمني صارم لا يقبل التهاون.
الاستشهاد بهذا المثال ليس مديحاً سياسياً بقدر ما هو تشريح لعلة الفوضى الليبية. فبينما تتقن دول الجوار الجغرافي ربط حق الإقامة بسبب واضح وملف قابل للتتبع، يتحول الملف في ليبيا إلى مساحة رمادية تبتلع الحقوق وتفرخ المخاطر.
الفارق ليس في عدد الأجانب، بل في قدرة الدولة على رؤيتهم وضبط إيقاع وجودهم. إنها دعوة مبطنة لاستعادة الدولة لأداتها الأهم: المعرفة والمراقبة المؤسسية، لا مجرد الاستعراض الأمني المنقوص.
بين فكي الفوضى وإساءة السمعة
يكشف التصريح عن تخوف عميق من أن تتحول ردود الفعل الشعبوية المشروعة غضباً، إلى أفعال غير محسوبة تمس حقوق الإنسان وتسيء لسمعة الليبيين. إنه يضع النخبة والمشرعين أمام مسؤولية تاريخية لانتزاع هذا الملف من الشارع وإعادته إلى رفوف المؤسسات.
فالدولة التي لا تتحرك بآليات القانون والضبط الإداري تدفع مواطنيها، عن قصد أو عن غير قصد، إلى تولي مهمة الدفاع عن هويتهم بأنفسهم، وهنا تكمن الكارثة.
تصريح عصر إذن ليس مجرد رأي عابر لوزير أسبق، بل هو خريطة طريق أخلاقية وقانونية لحل معضلة متشابكة، مفادها أن حماية حدود ليبيا تبدأ من استعادة هيبة قانونها، لا من هدم صورتها كواحة للتسامح الذي يسكنه شعب راسخ التدين وشيم النبل.



