ليبيا

الأزمة الخانقة تدفع الشبكة الكهربائية نحو الانهيار والإظلام الشامل

مليارات الكهرباء المهدورة تفجر غضباً شعبياً وتكشف عمق الانهيار المؤسسي

ليبيا 24

في مشهد يعكس عمق الأزمة التي تتخبط فيها البلاد، لم يعد انقطاع التيار الكهربائي مجرد أزمة خدمية عابرة، بل تحول إلى مرآة صادقة تعكس فشل الدولة العميقة التي تديرها الحكومة منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

فبينما تئن المنازل والمستشفيات والمصانع في ظلام دامس، تضيع مليارات الدينارات في متاهات الفساد والتهريب وسوء الإدارة، لتكتب حكومة الدبيبة فصلاً جديداً من فصول العجز والخذلان للمواطن الليبي الذي لم يعد يثق في وعود تذروها رياح الصيف اللاهب.

هذا التحقيق يستند إلى وثائق وتحذيرات رسمية وآراء خبراء ومواطنين، ليكشف كيف تحولت إدارة أزمة الكهرباء إلى نموذج صارخ للإفلاس المؤسسي والأخلاقي لحكومة باتت منتهية الولاية في عيون شعبها قبل أي اعتبار قانوني أو سياسي.

تحذير من الهاوية: شبكة على حافة الانهيار

في بيان هو أقرب إلى صرخة استغاثة أخيرة، جسدت الشركة العامة للكهرباء حجم المأساة التي تخيم على ليبيا.

لم يكن البيان مجرد إخطار روتيني، بل كان وثيقة إدانة صريحة لمنظومة الحكم العاجزة، حين أعلنت أن الوضع التشغيلي لمحطات التوليد بلغ “مرحلة حرجة للغاية”، محذرة من مخاطر حقيقية لفقدان المزيد من القدرات الإنتاجية. إن تجاوز حاجز الألف ميغاوات في العجز ليس مجرد رقم تقني، بل هو جرس إنذار أخير لانهيار يهدد حياة الليبيين وأمنهم واستقرارهم.

تفاصيل الأزمة التي كشفتها الشركة تقطع الطريق على أي محاولة للتضليل أو التعتيم الإعلامي الذي تمارسه حكومة الدبيبة. فمحطة الخمس الاستعجالي فقدت 250 ميغاوات، والخمس الغازية 150 ميغاوات، والزهراء 120 ميغاوات، في حين تعاني محطة الجبل الغربي من تخفيضات كبيرة بسبب نقص إمدادات الغاز من حقل الوفاء.

هذا النزيف المتواصل في القدرة الإنتاجية لا يمكن تفسيره إلا في سياق الإهمال الممنهج وسوء التخطيط والتواطؤ في ملف إمدادات الوقود والغاز الذي يديره مقربون من دوائر صنع القرار.

تحذير الشركة بأن استمرار هذا الوضع “سيؤدي حتماً إلى اتساع فجوة العجز وزيادة ساعات طرح الأحمال، وقد يصل الأمر إلى حدوث انهيارات تشغيلية وإظلامات جزئية أو كلية”، هو بمثابة توقيع على شهادة وفاة ثقة المواطن في أي قدرة للحكومة على إدارة أبسط مقومات الحياة.

والأخطر من ذلك، هو إعلان الشركة أنها “استنفذت كافة الإجراءات والمخاطبات والتنبيهات” وأنها “تُخلي مسؤوليتها”، وهو اعتراف نادر ومزلزل من مؤسسة رسمية بأن الحكومة التي تتبع لها قد تخلت عن واجباتها الأساسية، تاركة البلاد تواجه مصيراً مجهولاً.

مليارات في مهب الفساد: أين ذهبت أموال الكهرباء؟

وسط هذا المشهد الكارثي، يبرز السؤال الذي يحرق أفواه الليبيين: أين ذهبت المليارات التي رُصدت لقطاع الكهرباء؟ هذا السؤال ليس جديداً، لكنه اليوم يتحول إلى صرخة غضب عارمة في ظل التحذير الرسمي من الإظلام التام.

الناشط الحقوقي هشام الحاراتي لخص الأزمة بعبارة قاطعة، حين ربط بين انقطاع الكهرباء وتراجع الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة، وبين “منظومة الفساد والتهريب وسوء إدارة المال العام”.

وأشار الحاراتي إلى أن إعلان الشركة عن العجز الكبير “يثير تساؤلات حول مصير الأموال المخصصة للقطاع، معتبراً أن المشكلة تكمن في الفساد وعمليات التهريب التي تستنزف موارد الدولة”.

هذا التحليل يعززه واقع ميداني مرير، حيث تتقاطع ملفات الكهرباء وتهريب الوقود والجريمة المنظمة، فجميعها، كما يؤكد الحاراتي، ترتبط بشبكات الفساد والاستفادة غير المشروعة من المال العام.

إن الدعوات التي يطلقها للمطالبة بمحاسبة المتورطين، ليست مجرد مواقف حقوقية، بل هي تعبير عن وجدان شعبي يرى بأم عينيه كيف تتحول ثرواته إلى دخان بينما يعيش في ظلام دامس.

إن فشل النائب العام والأجهزة الرقابية في كشف مصير هذه الأموال وملاحقة المتورطين، لا يقل خطورة عن الأزمة الكهربائية نفسها، لأنه يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويمنح الضوء الأخضر لمزيد من النهب المنظم.

تشريح اقتصاد منهار: من دعم الوقود إلى سياسات الترقيع

بعيداً عن أعمدة الدخان المتصاعدة من محطات الكهرباء المعطلة، يكشف التحليل الاقتصادي عن مأساة أعمق بكثير. أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة، عبد اللطيف طلوبة، قدم تشريحاً دقيقاً للجثة الاقتصادية الليبية، حين وصف الاقتصاد بأنه “استهلاكي” قائم على إنفاق الإيرادات دون ربط بالاحتياجات التنموية.

وأوضح أن الإنفاق العام لا تحدده رؤية واضحة، بل يتأثر بحجم الإيرادات النفطية المتوقعة، وهو “أحد أخطر أنماط إدارة الاقتصاد”، على حد وصفه. هذا النهج الكارثي هو ما تتبناه حكومة الدبيبة، التي تتعامل مع الميزانية كغنيمة توزع على مراكز القوى، وليس كأداة لبناء دولة وتوفير خدمات.

في قلب هذه المعضلة، يبرز ملف دعم الوقود كوحش يلتهم ميزانية الدولة ويغذي في الوقت نفسه أزمة الكهرباء. يشرح طلوبة أن استمرار الدعم الحالي “أصبح غير قابل للاستدامة”، في ظل وصوله لأكثر من 97% من التكلفة الحقيقية، مما يخلق اختلالات كبيرة في السوق ويشجع التهريب والاستهلاك غير الرشيد.

ولكن حكومة الدبيبة، كسابقاتها، تتعامل مع هذا الملف بجبن سياسي غير مسبوق، مفضلة تأجيل أي إصلاح خوفاً من ردود الفعل الشعبية، في حين أنها لا تتوانى عن اتخاذ قرارات تزيد من معاناة المواطن بشكل خفي.

الخبير الاقتصادي عمر زرموح فضح هذه السياسات الملتوية عندما كشف أن شركة الكهرباء رفعت، في “تكتم كامل”، تعريفة الاستهلاك في عدادات الدفع المسبق بنسبة 60%، من 25 درهماً إلى 40 درهماً للكيلوواط/ساعة.

هذا الإجراء، الذي اتخذ دون أي إعلان رسمي، يكشف الوجه الحقيقي لحكومة ترفع شعارات الدعم وهي تطعن المواطن في الظهر. زرموح وضع يده على الجرح حين تساءل عن غياب أي قرار حكومي معلن بهذا الشأن، مؤكداً أن “ملف أسعار الخدمات العامة يستوجب قدراً أكبر من الشفافية والإفصاح”.

إن ما يحدث هو عملية سطو منظم على جيوب الليبيين، تتحكم فيه حكومة غير شرعية لا تملك أي تفويض لاتخاذ مثل هذه القرارات المصيرية. المواطن يدفع الثمن مرتين: مرة بفقدان الكهرباء، ومرة بارتفاع فاتورتها الخفية، في بلد يفترض أنه يسبح فوق بحر من النفط والغاز.

غضب الشارع: عام 2026 وما زال الظلام يخنقنا

بعيداً عن لغة الأرقام والتحليلات، يبقى صوت المواطن الليبي هو الشاهد الأبلغ على هذا الانهيار. منصات التواصل الاجتماعي تفيض بغضب عارم لم يعد أحد قادراً على احتوائه.

أحد المواطنين صرخ مستفسراً: “إلى دولة الليبية والي وزارة الكهرباء… أين ذهبت المليارات؟!”. ويتساءل آخر بحسرة: “إلى متى يستمر طرح الأحمال وانقطاع الكهرباء ونحن في عام 2026؟!”. هذه التساؤلات ليست مجرد تعبير عن ضيق، بل هي لائحة اتهام شعبية لحكومة أثبتت عبر سنوات من الوعود الفارغة أنها غير مؤهلة لإدارة أي شيء.

قصص المواطنين تكشف أبعاد المأساة الإنسانية. أحدهم يروي كيف أن عداد الكهرباء الخاص به “شفط” ثلاثة دنانير في ليلة واحدة، بينما تكافح أسر بأكملها في مناطق مثل السهل الأخضر ومنطقة محول أبوراوي – قوس، مع انقطاعات متكررة تحولت مع دخول الصيف إلى كابوس يومي يهدد حياة المرضى ويشل أعمال الناس.

وتعليق آخر يلخص المأساة بعبارة موجعة: “حسبنا الله ونعم الوكيل فيهم وفي حكومتنا هادي.. يخصمو فالفلوس والضي الشمعة أقوى منه وديما هارب”. هذه الشهادة الحية تكشف أن المواطن لم يعد مجرد ضحية لأزمة خدمية، بل ضحية لعملية نهب منظم، حيث تُخصم الأموال من راتبه أو رصيده في العداد مقابل خدمة لا يحصل عليها. إنها جريمة كاملة الأركان ترتكبها حكومة فقدت كل شرعيتها أمام شعبها.

تشريح الفشل: حكومة الدبيبة وإدارة الأزمة بالتمنيات

إن الأزمة الحالية ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة حتمية لنهج إداري قائم على ارتجال الحلول وترحيل الأزمات وتغذية مراكز الفساد على حساب الخدمات الأساسية. منذ توليها، أثبتت حكومة الدبيبة أنها ماهرة في فن إدارة الأزمات بالبيانات الإعلامية والوعود الواهية، بينما يغرق الواقع في مزيد من التدهور.

ملف الكهرباء تحديداً يكشف بجلاء هذا الفشل الذريع. فبدلاً من وضع خطة استراتيجية لمعالجة جذور المشكلة المتمثلة في تأمين إمدادات الطاقة عبر استغلال حقول الغاز البديلة مثل بحر السلام بصبراته وحقل الحمادة، وتنويع مصادر الطاقة، وإصلاح منظومة الدعم، انشغلت الحكومة في صراعاتها الداخلية وترتيب تحالفاتها الهشة.

تحذير الشركة العامة للكهرباء من نفاد إمدادات الغاز من حقل الوفاء بسبب “نضوبه وانتهاء عمره الافتراضي”، هو فضيحة مدوية بحق حكومة كانت تدرك هذه الحقيقة منذ سنوات ولم تحرك ساكناً.

لقد راهنت حكومة الدبيبة على استمرار الوضع الراهن، متجاهلة كل التحذيرات، في سياسة تعكس إما عجزاً مطلقاً عن التخطيط، أو تواطؤاً مقصوداً لتغذية أزمات تبرر استمرار الوضع القائم وتوفر غطاء لصفقات مشبوهة في قطاع الطاقة.

إن إخلاء الشركة لمسؤوليتها هو سابقة خطيرة، فهو يعني أن مؤسسة الدولة الوحيدة المسؤولة عن الكهرباء تعلن رسمياً أن الحكومة غير جادة في حل المشكلة، وأن التحذيرات السابقة ذهبت أدراج الرياح، تاركة المواطن وحده في مواجهة صيف يبدو أنه سيكون الأكثر قسوة في تاريخ ليبيا الحديث.

اقتصاد الظلام: كيف تغذي الأزمة نفسها بنفسها؟

يرسم خبراء الاقتصاد صورة قاتمة للمستقبل، فالأزمة لا تقف عند حدود انقطاع التيار، بل تمتد لتشمل كامل بنية الاقتصاد الوطني.

عبد اللطيف طلوبة حذر من مغبة التعامل مع الطفرات المالية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط باعتبارها منقذاً، داعياً إلى عدم الاعتماد المفرط عليها. لكن حكومة الدبيبة، على ما يبدو، تدير المال العام بنفس عقلية “النمط الاستهلاكي” الذي تحدث عنه طلوبة، حيث تُنفق الإيرادات على ترضية مراكز القوى والإنفاق الجاري الضخم، بدلاً من توجيهها نحو مشاريع تنموية حقيقية.

النتيجة هي حلقة مفرغة: غياب الكهرباء يدمر الإنتاج المحلي الهش أصلاً، ويزيد الاعتماد على الاستيراد، مما يستنزف العملة الصعبة، ويضعف القدرة على تمويل واردات الطاقة، لتعود الأزمة من جديد بشكل أشد وطأة.

والأخطر من ذلك، هو التحذير من أن أي محاولة لتحسين المستوى المعيشي عبر زيادة المرتبات، في ظل هذا الانهيار، ستكون عديمة الجدوى، بل ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتآكل القوة الشرائية.

هذا هو الإفلاس الفكري لحكومة لا تملك أي رؤية اقتصادية، وتكتفي بترقيع ثوب مهترئ لا يمكن إصلاحه. تصريح وزيرة الشؤون الاجتماعية السابقة، سميرة الفرجاني، بأن “ما صُرف على الكهرباء يبني مدينة كاملة بكل مرافقها” ليس مجرد تصريح عابر، بل هو اختصار لمسيرة عقود من الفشل، بلغت ذروتها في عهد حكومة الدبيبة التي حولت قطاع الكهرباء إلى حفرة سوداء تبتلع المليارات وتقذف بالظلام.

نحو الهاوية: دعوات المحاسبة التي لا تجد آذاناً صاغية

في خضم هذا الدمار، تعلو أصوات تطالب بالمحاسبة، لكنها تصطدم بجدار من الصمت والتجاهل.

دعوات الناشط الحقوقي هشام الحاراتي لمكتب النائب العام والأجهزة الرقابية لتكثيف جهودها، هي صرخة في وادٍ يبدو أن أصداءه لا تصل إلى من يعنيهم الأمر.

فالجميع يدرك أن كشف مصير الأموال العامة وملاحقة المتورطين في قضايا الفساد والتهريب هو الطريق الوحيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن من سيحاسب من؟ هل سيحاسب المسؤولون في حكومة الدبيبة الذين تجاهلوا التحذيرات وأداروا الأزمة بمنطق الصفقات؟ هل سيُكشف عن شبكات تهريب الوقود التي تستنزف ثروات البلاد وتتسبب في إظلامها؟ الإجابة، في ظل الوضع الراهن، تبدو معلومة للجميع: لا أحد سيحاسب، لأن منظومة الفساد تحمي نفسها بنفسها.

إن ما يحدث في ليبيا اليوم ليس مجرد أزمة كهرباء، بل هو انهيار كامل لمفهوم الدولة ومؤسساتها. إنها لحظة فارقة يتجلى فيها بكل وضوح أن حكومة الدبيبة، التي انتهت ولايتها قانونياً وأخلاقياً، أصبحت بذاتها العائق الأكبر أمام أي حل. لقد تحولت هذه الحكومة من أداة لإدارة شؤون البلاد إلى كيان موازٍ يعيش على أنقاض الدولة، يتنفس من رئة الأزمات، ويتغذى على معاناة المواطنين.

إن إخلاء الشركة العامة للكهرباء لمسؤوليتها هو إعلان غير مباشر بأن هذه الحكومة لم تعد قادرة على ضمان أبسط حقوق الإنسان الليبي: الحق في النور. وما لم تتدخل إرادة شعبية عارمة لكسر هذه الحلقة الجهنمية، فإن الإظلام الكلي لن يكون مجرد تحذير تقني، بل سيكون النتيجة المنطقية لسياسات حكومة أظلمت البلاد بفسادها وعجزها قبل أن تظلمها بانقطاع التيار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى