ليبيا

بن شرادة: إقليم الوسط سيضاعف مواقد الفساد والمناصب الجديدة

بن شرادة يهاجم ازدواجية الغرب بشأن أمان ليبيا واللاجئين

ليبيا 24

من الموقد التراثي إلى سلطة الإقليم: جدلية المناصب التي تفتح شهية الفساد

حين يستحضر عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة صورة «المناصب» التراثية، وهي ثلاثة أحجار تُوضع عليها الطنجرة للطهو ثم تُرفل برجلٍ عند النضج، فإنه لا يمارس أدباً شعبياً بقدر ما يقدم تشريحاً سياسياً لاذعاً لطبيعة السلطة في ليبيا.

إعلان ميلاد إقليم المنطقة الوسطى، الذي يضيف حجراً رابعاً إلى الموقد القديم، ليس في نظر الرجل توسيعاً إدارياً بقدر ما هو وصفة لإشعال نار الفساد تحت أوانٍ متعددة، وتكاثر المناصب التي تستهلك الحطب المالي للدولة ثم تُهمل بعد إتمام دورة الطهي الخاص بالمتصدرين.

يكشف هذا التشبيه عن قلق متصاعد في النخبة السياسية من تحويل الهياكل الإقليمية الجديدة إلى أدوات لتقاسم الريع لا لتقاسم السلطة الحقيقية. فكل حجر إضافي في الموقد يعني توسعاً في دائرة المستفيدين من ميزانيات التشغيل والتمثيل، وفتح ثغرات أوسع للصفقات والمحسوبية، دون أن يضمن وصول الخدمات إلى المواطن الذي ينتظر أن تنضج طنجرة التنمية على نار الحوكمة الرشيدة.

اقتصادياً، يترجم هذا القلق إلى تحذير من تضخم الإنفاق الموازي وهدر موارد النفط على كيانات لا تخضع لمساءلة فعلية، في وقت تعجز فيه الخزينة عن تلبية أبسط احتياجات المواطن.

حوارات معلقة بين الأدراج والتنفيذ: صفر أم واحد؟

يضع بن شرادة توصيات الحوار المهيكل أمام اختبار المعادلة الرقمية: فإما أن تضرب في صفر فتُضاف إلى قائمة المبادرات المحنطة، وإما أن تضرب في واحد فتتحول إلى إجراءات ملموسة. هذه الثنائية تلخص مصير معظم المسارات التفاوضية في البلاد، حيث تنتج الاجتماعات المطولة وثائق محكمة الصياغة، لكنها تصطدم بجدار المصالح الضيقة فور الانتقال إلى مرحلة التطبيق.

قيمة الحوار، وفق هذا المنظور، لا تُقاس بعدد اللقاءات أو حجم الوثائق، بل بمدى قدرته على اختراق جلد الدولة السميك من الروتين والمحاصصة، ليصل إلى شريان الحياة اليومية للمواطن.

اجتماعياً، يتردد صدى هذه المعادلة في الشارع الليبي الذي صار ينظر إلى الحوارات المتعاقبة بوصفها طقوساً سياسية بلا جذور فعلية. فكل حوار يُختتم بتوصيات جديدة يُنظر إليه بعين الريبة، ما لم يُصحب بخطوات تنفيذية تخفف معاناة المواطن في الكهرباء والصحة والتعليم.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل سيكون إقليم الوسط مجرد منصب جديد في موقد المحاصصة، أم بوابة لإعادة توزيع الثروة بشكل عادل يشعر به المواطن فعلاً؟

ازدواجية المعايير الدولية في ملف الهجرة: حماية تحت القصف الدبلوماسي

في زاوية أخرى من تحليله، يسلط بن شرادة الضوء على تناقض صارخ: دول غربية ومنظمات دولية تصنف ليبيا منطقة حمراء غير آمنة لمواطنيها، وفي الوقت نفسه تُصر على إبقاء آلاف اللاجئين والمهاجرين على أراضيها تحت عنوان «الحماية الإنسانية».

هذا الانفصام بين معايير الأمان لمواطني الشمال ومعايير الحماية للهاربين من الجنوب لا يثير علامات استفهام فحسب، بل يُعتبر، وفق المنظور الليبي، غطاءً لتفريغ الأزمة على الضفة الجنوبية من المتوسط.

سياسياً، يمثل هذا الموقف ورقة ضغط في أي مفاوضات قادمة مع الشركاء الدوليين، إذ يجعل ملف الهجرة سلعة تبادلية أكثر منه أزمة إنسانية. وبينما تواصل طرابلس تحذيراتها من تحول البلاد إلى معسكر احتجاز مفتوح، تؤكد تصريحات بن شرادة أن النخبة المحلية لم تعد ترى في الخطاب الحقوقي الغربي سوى قناع لسياسات الإبعاد والترحيل المقنع.

هكذا يصبح التناقض الدولي نافذة إضافية على أزمة السيادة الليبية، التي تتفاوض على حدودها مقابل اعترافات مشروطة، وتقبل بوضع ينام فيه المهاجرون على رصيف ازدواجية المعايير، بينما ترفرف فوقهم رايات الحماية المشكوك فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى