الحوار المهيكل في ليبيا.. هل يعيد إنتاج الحل أم يفتح مساراً جديداً للأزمة؟
ليبيا 24- بقلم: إدريس احميد
اختتمت البعثة الأممية أعمال مسار الحوكمة ضمن الحوار المهيكل في ليبيا، وسط ترقب سياسي وشعبي واسع لما ستسفر عنه مخرجات هذا المسار، في ظل استمرار الانقسام المؤسسي وتعثر الوصول إلى تسوية شاملة تنهي المرحلة الانتقالية الممتدة منذ سنوات.
وجاءت توصيات التقرير الختامي لتؤكد على ضرورة توحيد الإشراف الأمني على الانتخابات عبر تشكيل حكومة واحدة مؤقتة تتولى إدارة الملف الأمني، وإنهاء الانقسام المؤسسي، مع التشديد على عدم تمديد المرحلة الانتقالية أو إعادة إنتاج الأجسام المؤقتة. كما أكدت على أهمية توفير توافق سياسي وقبول بنتائج الانتخابات، ووجود إطار قانوني واضح، وترتيبات أمنية مناسبة، وموازنة كافية لضمان نجاح أي استحقاق انتخابي.
وفي الجانب التنفيذي، أوصى الحوار بتشكيل مجلس رئاسي من رئيس ونائبين، مع منح رئيسه صلاحيات واسعة تشمل القيادة العليا للقوات المسلحة واعتماد الميزانية العامة والإشراف على وزارتي الدفاع والخارجية بالتنسيق مع رئيس الحكومة. كما اقترح تشكيل حكومة استحقاق وطني تضم رئيس حكومة وثلاثة نواب يمثلون الأقاليم الليبية، في محاولة لتحقيق توازن جغرافي وسياسي داخل السلطة التنفيذية.
كما نصّت المخرجات على أن يتم اختيار المجلس الرئاسي ورئيس الحكومة عبر لجنة الحوار السياسي وفق المادة 64 من الاتفاق السياسي الليبي، وإحالة الحكومة إلى مجلس النواب لنيل الثقة خلال 30 يوماً، على ألا تتجاوز مدة الحكومة الانتقالية 18 إلى 24 شهراً دون إمكانية التمديد، مع حظر إبرام الاتفاقيات السيادية طويلة الأمد خلال هذه الفترة.
وشدد التقرير أيضاً على ضرورة إخضاع السلطة التنفيذية لرقابة قضائية وبرلمانية فعالة، وتعزيز دور الإعلام ومنظمات المجتمع المدني في المتابعة والمساءلة، إلى جانب توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية ووضعها تحت قيادة واحدة تتبع السلطة التنفيذية، بما يضمن تأمين العملية الانتخابية ودعم المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
لكن في المقابل، فإن الأزمة الليبية تبدو اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، حيث لم تعد المشكلة في التشخيص أو تحديد الأسباب، بل في تكرار المبادرات دون الوصول إلى نتائج حاسمة. فقد أُشبعت ليبيا بالحوار والاتفاقات منذ اتفاق الصخيرات عام 2015، الذي أفرز حكومة الوفاق الوطني بمجلس رئاسي موسع، لكنه في الوقت نفسه ساهم في إنتاج تعقيدات جديدة داخل السلطة التنفيذية دون أن ينجح في إنهاء الانقسام أو معالجة الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية.
ثم جاءت حكومة الوحدة الوطنية عام 2021 والمجلس الرئاسي الجديد، باعتبارهما سلطة انتقالية مكلفة بتهيئة البلاد للانتخابات وتوحيد المؤسسات، إلا أن هذه المرحلة بدورها لم تحقق أهدافها، واستمر الانقسام السياسي والمؤسساتي، وبقيت الأجسام القائمة في السلطة دون إجراء انتخابات تنهي المرحلة الانتقالية.
وفي المقابل، ظل مجلس النواب قائماً بصفته السلطة التشريعية المنتخبة منذ عام 2014، دون تجديد انتخابي، في حين عانى المجلس الأعلى للدولة، بوصفه هيئة استشارية، من خلافات وانقسامات داخلية، إضافة إلى خلافاته المستمرة مع مجلس النواب، رغم التوافقات التي تم التوصل إليها بين الطرفين في بوزنيقة عام 2023 بشأن القاعدة الدستورية وشروط الانتخابات، والتي لم تُفعّل عملياً.
ومع تعاقب المبعوثين الأمميين، من عبد الله باتيلي إلى هانا تيتيه، تكررت المقاربات السياسية بين لجان واستشارات ومبادرات جديدة، كان أبرزها مسار الحوار المهيكل ولجنة العشرين، في محاولة لإعادة تشكيل أرضية توافق سياسي جديدة، لكنها ظلت تدور في حلقة من إعادة إنتاج الحلول دون تنفيذ فعلي.
وفي هذا السياق، برزت المبادرة الأمريكية التي طرحها مسعد بولس، والتي اتجهت إلى مقاربة أكثر واقعية عبر التعامل مع موازين القوى القائمة على الأرض، من خلال الانفتاح على الأطراف الفاعلة فعلياً، بما في ذلك القيادة العامة للجيش وحكومة الوحدة الوطنية، والدفع نحو مسارات عملية بدلاً من الاكتفاء بالإطار النظري للمفاوضات التقليدية.
وقد اعتمدت هذه المقاربة على دعم مسارين أساسيين: اللجنة العسكرية المشتركة 3+3 المعنية بملف توحيد المؤسسة العسكرية وترتيبات التهدئة والأمن، ولجنة الحوار السياسي 4+4 التي تتولى معالجة المسار السياسي ومحاولة تقريب وجهات النظر حول قاعدة دستورية تفضي إلى الانتخابات.
وقد أفضت بعض التحركات في هذا الإطار إلى نتائج محدودة لكنها مهمة، أبرزها التوافق على توحيد الميزانية العامة، إضافة إلى الدفع نحو خطوات تدريجية في ملف توحيد المؤسسة العسكرية، وهو ما اعتبره البعض تحولاً نسبياً نحو مقاربة أكثر عملية مقارنة بالمسارات السياسية السابقة.
وفي سياق المشهد السياسي الداخلي، يبرز تساؤل مهم حول مستقبل التواصل بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، خاصة بعد فترات من التوقف والخلافات التي عطلت مسار اللقاءات بينهما. فعودة هذا المسار إلى الانعقاد قد تشكل نقطة تحول حقيقية إذا ما أفضت إلى إعادة تنشيط التفاهمات السياسية بين الطرفين، باعتبارهما الجهتين الأكثر ارتباطاً بملف القاعدة الدستورية وشروط الترشح للانتخابات.
وفي حال نجاح الطرفين في التوصل إلى اتفاق نهائي حول القاعدة الدستورية وشروط الترشح، فإن ذلك قد يمثل خطوة حاسمة نحو فك حالة الجمود السياسي، وفتح الباب أمام تحديد موعد واضح للانتخابات. غير أن هذا السيناريو يظل مرهوناً بمدى قدرة المجلسين على تجاوز الخلافات السياسية والشخصية، والانتقال من منطق التوازنات والمصالح إلى منطق التوافق الوطني.
وفي هذا الإطار، يطرح تساؤل جوهري حول موقع أي تقارب محتمل بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة من نتائج الحوار المهيكل والمبادرة الأمريكية، أم أنه مسار مستقل يعاد إحياؤه خارج هذه الأطر؟
فمن الناحية النظرية، يفترض الحوار المهيكل أن يكون مسار القاعدة الدستورية والتوافق السياسي جزءاً من مخرجاته، بينما تركز المبادرة الأمريكية على مقاربة واقعية تتعامل مع موازين القوى القائمة، ما يجعل دور المجلسين بين مسار أممي تنظيمي ومسار دولي براغماتي أكثر مرونة.
وبذلك، يصبح أي اجتماع محتمل بين المجلسين اختباراً حقيقياً: هل هو جزء من تفعيل مخرجات الحوار المهيكل، أم خطوة داخلية لإعادة ضبط المسار السياسي بعيداً عن تعدد المبادرات وتداخلها؟
في نهاية هذا المسار الطويل من المبادرات والحوارات واللجان، يبدو المشهد الليبي وكأنه يقف مرة أخرى أمام الأسئلة ذاتها التي طُرحت منذ سنوات، ولكن بصيغ مختلفة ومسارات أكثر تعقيداً. فهل تعكس مخرجات الحوار المهيكل توافقاً سياسياً حقيقياً بين الأطراف الليبية، أم أنها مجرد إعادة إنتاج للخلافات القديمة في إطار جديد؟
وهل تمتلك القوى السياسية الفاعلة الإرادة الكافية للالتزام بإنهاء المرحلة الانتقالية دون تمديدها أو الالتفاف عليها كما حدث في مراحل سابقة؟ وإلى أي مدى يمكن لحكومة مؤقتة جديدة أن تنجح في توحيد السلطة التنفيذية في ظل استمرار الانقسام المؤسسي وتعدد مراكز القرار؟
كما يبرز تساؤل جوهري حول إمكانية تنفيذ مخرجات توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، في ظل واقع ميداني معقد تتداخل فيه التشكيلات المسلحة والولاءات المتعددة، وهل يمكن للجنة العسكرية المشتركة 3+3 أن تتحول من إطار تنسيقي إلى أداة تنفيذ فعلي على الأرض؟
وفي السياق ذاته، هل تستطيع لجنة الحوار السياسي 4+4 الوصول إلى قاعدة دستورية توافقية خلال سقف زمني محدد، أم أن التجارب السابقة ستتكرر في دوامة من التأجيل وإعادة النقاش دون حسم؟
ولا يقل السؤال أهمية عن مدى قدرة الدعم الدولي على تحويل هذه المخرجات إلى واقع، في ظل تضارب المبادرات الدولية والإقليمية، وتعدد الرؤى بين مقاربات الأمم المتحدة والمبادرة الأمريكية وغيرها من المسارات المتوازية.
في المحصلة، يبقى السؤال الأعمق: هل يقود الحوار المهيكل إلى انتخابات واستقرار فعلي، أم أنه مجرد حلقة جديدة في سلسلة طويلة من إدارة الأزمة دون الوصول إلى حل جذري؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لن تكون في النصوص أو التوصيات، بل في قدرة الفاعلين الليبيين على تحويل التوافقات إلى التزامات، والمبادرات إلى أفعال، والخلافات إلى مشروع وطني جامع يعيد للدولة توازنها واستقرارها.



