اختلالات واسعة في منظومة الوقود بليبيا وسط مؤشرات على سوء إدارة وفساد مالي وإداري
إنفاق مرتفع على الواردات وفجوة إنتاجية متسعة يفاقمان الضغط على المالية العامة

تشير معطيات حديثة إلى وجود اختلالات كبيرة في منظومة توريد وتوزيع الوقود في ليبيا، وسط مؤشرات متزايدة على سوء إدارة وتداخل مصالح داخل قطاع يعد من أكثر القطاعات حساسية من الناحية المالية والاقتصادية، في ظل استمرار الاعتماد الواسع على الاستيراد لتغطية احتياجات السوق المحلية.
وتوضح البيانات أن البلاد أنفقت نحو 9.2 مليارات دولار على واردات الوقود خلال عام 2024، بما يعادل قرابة 1200 دولار لكل مواطن، مع اعتماد يصل إلى نحو 76% من إجمالي الاستهلاك على الواردات الخارجية، وهو ما يضع الاقتصاد المحلي في حالة انكشاف أمام تقلبات الأسواق الدولية وأي اضطرابات قد تمس سلاسل الإمداد.
وفي الجانب الإنتاجي، تعاني المنظومة من فجوة واضحة بين الطلب المحلي وقدرات التكرير، إذ لا تغطي المصافي الوطنية سوى نحو 24% من الاحتياجات، فيما يتم تأمين الباقي عبر الاستيراد..
ويبرز في هذا السياق استمرار توقف مصفاة رئيسية منذ عام 2013، ما أدى إلى خسائر إنتاجية تُقدّر بنحو 1.2 مليار دولار سنوياً، في ظل غياب بدائل كافية لتعويض هذا النقص.
كما تكشف المؤشرات المالية عن تحولات في آليات تمويل واردات الوقود، مع تراجع واضح في المخصصات المباشرة خلال الأعوام الأخيرة، مقابل الاعتماد على ترتيبات غير مباشرة ساهمت في تقليل الشفافية حول التكلفة الحقيقية للدعم، بما انعكس على وضوح صورة الإنفاق العام.
وفي سياق متصل، تظهر بيانات مالية تراكم متأخرات على جهات عامة وخاصة بلغت نحو 5.8 مليارات دينار خلال الفترة بين 2018 و2023، إلى جانب تراجع ملحوظ في معدلات تحصيل المستحقات، ما يعكس ضعفاً في منظومة الجباية والرقابة المالية، ويزيد من الضغط على الخزانة العامة.
أما على مستوى التوريد، فتشير المعطيات إلى تركز كبير في العقود داخل عدد محدود من الشركات، حيث استحوذت ست شركات على كامل واردات الوقود خلال عام 2024، فيما حصلت شركة واحدة على حصة تقارب 43% من إجمالي العقود، وهو ما يثير تساؤلات حول آليات المنافسة والشفافية في منح التعاقدات.
وتسجل المنظومة كذلك خسائر مالية تُقدّر بنحو 596 مليون دولار سنوياً نتيجة ارتفاع العلاوات المضافة على الأسعار المرجعية لعقود التوريد، في وقت تتزايد فيه مؤشرات الاستهلاك غير المنضبط داخل عدد من القطاعات العامة، بما في ذلك قطاعات الأمن والكهرباء والدفاع، مع تسجيل ارتفاعات كبيرة مقارنة بالسنوات السابقة.
كما أظهرت بيانات المخزون وجود فروقات ملحوظة بين الكميات المسجلة والفعلية خلال عام 2024، إلى جانب اعتماد بعض المستودعات على وسائل قياس يدوية بعد تعطل أنظمة القياس، ما يفتح المجال أمام احتمالات ضعف الرقابة على حركة الوقود داخل المنظومة.
وتشير مجمل هذه المؤشرات إلى تحديات بنيوية في إدارة قطاع الوقود، ترتبط بضعف الحوكمة وتداخل الصلاحيات وغياب آليات دقيقة للرقابة والمتابعة، في قطاع يمثل أحد أهم مصادر الضغط على المالية العامة وأحد أبرز مجالات الهدر المالي خلال السنوات الأخيرة.



