ليبيا

الاتفاق الثلاثي في ليبيا: توافق مفاجئ بعد سنوات من الانسداد السياسي… أم محاولة لإعادة ترتيب المشهد؟

إدريس احميد – ليبيا 24:

شكل الإعلان عن الاتفاق الثلاثي بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي مفاجأة سياسية للكثير من المتابعين للشأن الليبي، خاصة بعد سنوات طويلة من الخلافات التي أظهرت صعوبة قدرة هذه المؤسسات على الوصول إلى تفاهمات مشتركة، وبعد حالة من الإحباط تجاه إمكانية تحقيق اختراق داخلي ينهي حالة الجمود التي عطلت المسار السياسي لسنوات.

فقد جاء الاتفاق في وقت كانت فيه المبادرات الدولية تحاول دفع الأطراف الليبية نحو تجاوز خلافاتها؛ بدءاً من جهود البعثة الأممية ومسار الحوار المهيكل واللجنة الاستشارية، وصولاً إلى التحرك الأمريكي الجديد بقيادة مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، الذي اتجه نحو مقاربة مختلفة تقوم على التعامل مع الأطراف المؤثرة في المشهد الليبي والدفع نحو خطوات عملية في الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية.

ومن هنا يطرح الاتفاق الثلاثي أسئلة جوهرية حول دوافعه وتوقيته: هل جاء نتيجة قناعة حقيقية لدى الأطراف الثلاثة بضرورة إنهاء الأزمة؟ أم أنه جاء استجابة للضغوط الدولية ومحاولة للحفاظ على دور هذه المؤسسات في أي ترتيبات سياسية مقبلة؟

كما يطرح سؤالاً أكثر أهمية: لماذا استطاعت هذه الأطراف التوافق الآن، بعد أن فشلت خلال السنوات الماضية في تجاوز خلافاتها؟ وهل يمثل الاتفاق بداية لمسار جديد ينهي المرحلة الانتقالية، أم أنه محاولة جديدة لإعادة إنتاج التوازنات القائمة؟

فالاختبار الحقيقي لهذا الاتفاق لن يكون في لحظة الإعلان عنه، وإنما في قدرته على الانتقال من التوافق السياسي إلى التنفيذ الفعلي، خاصة أن التجربة الليبية أثبتت أن المشكلة لم تكن في غياب الاتفاقات، بل في غياب الإرادة السياسية والضمانات اللازمة لتنفيذها.

أولاً: سنوات من الخلافات وتعدد المبادرات

لم تكن الأزمة الليبية نتيجة غياب المبادرات السياسية، بل نتيجة فشل الأطراف في تحويل هذه المبادرات إلى خطوات عملية. فمنذ سنوات، ظلت الخلافات تدور حول طبيعة المرحلة الانتقالية، وشروط الانتخابات، وتوزيع الصلاحيات بين المؤسسات.

وكان اتفاق أبوزنيقة عام 2023 بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إحدى المحاولات للوصول إلى توافق حول القاعدة الدستورية المنظمة للانتخابات، لكنه اصطدم بخلافات سياسية، خاصة حول شروط الترشح، مما أدى إلى تعثره.

كما شهد المجلس الأعلى للدولة خلافات داخلية حول الاتفاق، حيث كان رئيس المجلس السابق خالد المشري من أبرز الداعمين له، بينما جاء الرئيس اللاحق محمد تكالة بموقف أكثر تحفظاً، وهو موقف انسجم في بعض جوانبه مع رؤية حكومة الوحدة الوطنية التي كانت على خلاف سياسي مع مجلس النواب.

ثانياً: أزمة الشرعية بين مجلس النواب وحكومة الوحدة الوطنية

شكلت العلاقة بين مجلس النواب وحكومة الوحدة الوطنية أحد أبرز أسباب استمرار الانقسام السياسي.

فالحكومة جاءت عبر ملتقى الحوار السياسي الليبي في جنيف عام 2021، وحصلت على ثقة مجلس النواب، لكنها تحولت لاحقاً إلى طرف في الصراع بعد الخلاف حول مدة ولايتها.

ويرى مجلس النواب أن المرحلة الانتقالية تجاوزت مدتها، وأن المطلوب تشكيل حكومة جديدة تقود البلاد إلى الانتخابات، بينما تؤكد حكومة الوحدة الوطنية أنها لن تسلم السلطة إلا لحكومة وبرلمان منتخبين.

وهكذا أصبحت ليبيا أمام حالة من تعدد الشرعيات، حيث تتمسك كل مؤسسة بتفسير مختلف لدورها وحدود صلاحياتها.

ثالثاً: المسار الأممي ومحاولات كسر الجمود

حاولت الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية إيجاد حلول سياسية للأزمة الليبية.

فالمبعوث الأممي السابق عبدالله باثيلي طرح فكرة تشكيل لجنة رفيعة المستوى لمعالجة الخلافات بين الأطراف الليبية، إلا أن المبادرة لم تحقق اختراقاً بسبب استمرار الخلاف بين المؤسسات.

ومع تولي هانا تيته قيادة البعثة الأممية، تم الانتقال إلى مسار جديد من خلال تشكيل اللجنة الاستشارية المكونة من عشرين شخصية ليبية، والتي قدمت توصيات غير ملزمة، إضافة إلى إطلاق فكرة الحوار المهيكل بهدف دفع مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إلى التوافق.

لكن استمرار الخلافات بين المؤسسات أظهر أن الأزمة ليست فقط أزمة أفكار ومبادرات، بل أزمة ثقة وإرادة سياسية.

كما أن لقاء القاهرة الثلاثي عام 2025، الذي كان يهدف إلى تقريب وجهات النظر، لم يتحول إلى خطوات تنفيذية، وبقي ضمن إطار التفاهمات السياسية.

رابعاً: التحرك الأمريكي ودخول مسعد بولس على خط الأزمة

في ظل استمرار الانسداد، ظهر مسار أمريكي جديد بقيادة مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، يقوم على مقاربة مختلفة تعتمد على التواصل المباشر مع الأطراف المؤثرة في المشهد الليبي.

وقد ركز هذا المسار على ملفات عملية، من بينها توحيد الميزانية العامة، وتقريب وجهات النظر بين الأطراف الأمنية والعسكرية، ودعم خطوات التقارب بين الشرق والغرب والجنوب.

كما شهد الملف العسكري والأمني تحركات مهمة من خلال لقاءات بين الأطراف العسكرية، إضافة إلى اجتماعات اللجنة السياسية “4+4” التي ناقشت ملفات مرتبطة بالعملية السياسية، ومنها اختيار إدارة المفوضية العليا للانتخابات.

ويعكس هذا التحرك تحولاً في التعامل الدولي مع الأزمة الليبية، من التركيز فقط على المؤسسات السياسية إلى محاولة إشراك القوى التي تمتلك تأثيراً فعلياً على الأرض.

خامساً: موقف القيادة العامة بين الانفتاح على الحل ورفض إعادة إنتاج الأزمة

في ظل التحولات السياسية الأخيرة، يبرز موقف القيادة العامة التي أعلنت انفتاحها على أي مبادرة تهدف إلى الوصول إلى حل سياسي في ليبيا، باعتباره موقفاً يحمل دلالات مهمة حول طبيعة المرحلة المقبلة.

فبعد سنوات من المبادرات والاتفاقات التي لم تصل إلى نتائج نهائية، يبدو أن هناك إدراكاً لدى معظم الأطراف بأن استمرار إنتاج مبادرات جديدة بالآليات السابقة لن يؤدي بالضرورة إلى حل الأزمة، ما لم ترتبط هذه المبادرات بخطوات عملية وآليات واضحة للتنفيذ.

فالقيادة العامة، من خلال إعلان انفتاحها على أي مسار للحل، قد تنطلق من رؤية مفادها أن ليبيا لا تحتاج فقط إلى توافقات سياسية جديدة، وإنما تحتاج إلى معالجة جوهر الأزمة المتمثل في الانقسام المؤسساتي، وغياب سلطة موحدة، وتأخر بناء المؤسسات الدائمة.

لكن هذا الانفتاح يطرح تساؤلاً مهماً: هل وصلت الأطراف الليبية إلى قناعة بأن زمن إدارة الأزمة عبر الاتفاقات المرحلية قد انتهى، وأن المرحلة المقبلة تتطلب قرارات حاسمة تقود إلى إنهاء المرحلة الانتقالية؟

فالمعيار الحقيقي لأي مبادرة لن يكون في عدد الأطراف المشاركة فيها، بل في قدرتها على إنتاج نتائج ملموسة، مثل توحيد مؤسسات الدولة، توفير البيئة المناسبة للانتخابات، وإنهاء حالة الانقسام التي استمرت لسنوات.

سادساً: لماذا جاء الاتفاق الثلاثي الآن؟

يثير توقيت الاتفاق العديد من التساؤلات، فالأطراف الثلاثة التي فشلت لسنوات في التوافق تمكنت من الوصول إلى تفاهم في لحظة سياسية مختلفة.

وقد يكون السبب أن استمرار الجمود لم يعد يخدم مصالح جميع الأطراف، خاصة مع ظهور مبادرات دولية قد تتجاوز المؤسسات التقليدية إذا استمرت في تعطيل الحل.

فالرسالة التي قد يحملها الاتفاق هي أن هذه المؤسسات تريد التأكيد بأنها ما زالت جزءاً أساسياً من أي تسوية قادمة، وأن أي حل لا يمكن أن يتم بتجاوزها.

وفي الوقت ذاته، قد يكون الاتفاق محاولة لاستعادة زمام المبادرة قبل أن تفرض المسارات الدولية الجديدة ترتيبات مختلفة.

سابعاً: هل يتوافق الاتفاق مع خطة مسعد بولس؟

يمكن أن يتوافق الاتفاق الثلاثي مع المبادرة الأمريكية إذا كان هدفه الحقيقي توحيد المؤسسات، إنهاء الانقسام، وتهيئة الظروف للانتخابات.

لكن هناك احتمال آخر، وهو أن يكون الاتفاق محاولة لاحتواء الضغوط الدولية وإعادة تنظيم المشهد من داخل المؤسسات القائمة.

فالفرق بين الاحتمالين يعتمد على التنفيذ؛ فإذا تحول الاتفاق إلى خطوات عملية وجداول زمنية واضحة، فإنه سيكون دعماً للمسارات الدولية. أما إذا بقي مجرد إعلان سياسي، فقد يصبح وسيلة جديدة لإدارة الأزمة.

ثامناً: كيف ستتعامل البعثة الأممية مع الاتفاق؟

رحبت البعثة الأممية بالاتفاق باعتباره خطوة إيجابية، لكنها ستكون أمام اختبار مهم يتمثل في كيفية دمجه مع مسارها السياسي، وخاصة الحوار المهيكل وتوصيات اللجنة الاستشارية.

فالمرحب به أممياً هو أي توافق ليبي حقيقي، لكن التحدي هو ضمان ألا يتحول الاتفاق إلى مسار بديل يضعف جهود الأمم المتحدة أو يؤدي إلى إعادة إنتاج المرحلة الانتقالية.

تاسعاً: ضمانات نجاح الاتفاق ومخاطر المماطلة

التجربة الليبية تؤكد أن المشكلة لم تكن في توقيع الاتفاقات، بل في تنفيذها.

ولضمان نجاح الاتفاق يحتاج الأمر إلى:

جدول زمني واضح ومحدد.

خطوات عملية تقود إلى الانتخابات.

متابعة دولية وأممية للتنفيذ.

التزامات واضحة من كل طرف.

منع استخدام الاتفاق كوسيلة لتأجيل الاستحقاقات.

ويبقى خطر المماطلة قائماً، خاصة إذا رأت بعض الأطراف أن الانتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية قد تؤدي إلى فقدان مواقعها السياسية.

عاشراً: السيناريوهات المقبلة

السيناريو الأول: نجاح الاتفاق

تحوله إلى بداية حقيقية لتوحيد المؤسسات وإنهاء المرحلة الانتقالية.

السيناريو الثاني: احتواء الأزمة

استخدامه لتخفيف الضغوط الدولية دون تغيير جوهري في الواقع السياسي.

السيناريو الثالث: فشل الاتفاق

العودة إلى مربع الخلاف بسبب المصالح المتعارضة وغياب آليات التنفيذ.

الخاتمة

يمثل الاتفاق الثلاثي فرصة جديدة أمام ليبيا، لكنه ليس حلاً نهائياً للأزمة. فالمشكلة الليبية لم تكن في نقص المبادرات، بل في غياب القدرة على تحويل التفاهمات إلى واقع سياسي ومؤسساتي.

ويبقى السؤال الأساسي: هل يمثل هذا الاتفاق بداية نهاية المرحلة الانتقالية وبناء دولة المؤسسات، أم أنه محاولة جديدة للحفاظ على الوضع القائم وإدارة الأزمة بدلاً من حلها؟

الإجابة ستحددها قدرة الأطراف الثلاثة على تقديم تنازلات حقيقية، والانتقال من منطق تقاسم النفوذ إلى منطق بناء الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى