من ركام الحرب إلى عصر النهضة.. بنغازي تستعيد منارتها العلمية: إعمار الجامعة يعيد الأمل بعد سنوات الدمار
جامعة بنغازي تنهض من تحت الركام: مشاريع التطوير تعيد الصرح الأكاديمي إلى الواجهة
ليبيا 24
جامعة بنغازي.. من ركام الحرب إلى منارة علمية في عصر النهضة
تشهد جامعة بنغازي، إحدى أعرق المؤسسات الأكاديمية في ليبيا، تحولاً تاريخياً ينتقل بها من حقبة دمار خلفته سنوات الصراع، إلى عصر جديد من الإعمار والتطوير الأكاديمي، في مشهد يعيد تعريف دور التعليم العالي كركيزة أساسية للاستقرار والتنمية الوطنية.
إرادة وطنية تعيد بناء الصرح الأكاديمي
لم تكن رحلة النهضة وليدة الصدفة، بل جاءت ثمرة لإرادة وطنية وعزيمة أبناء ليبيا، كما يصفها عميد كلية الإعلام، الدكتور عبد الله حمدينة المرضي، الذي يؤكد أن “الإرادة والعزيمة التي تحلى بها أبناء ليبيا، إلى جانب الجهود التي بذلت في سبيل إعادة الإعمار، أسهمت في تجاوز تلك المرحلة الصعبة وإعادة الحياة إلى هذا الصرح العلمي العريق”.
ويشير المرضي، الذي عاصر مسيرة الجامعة الأكاديمية على مدى سنوات طويلة، إلى أن “الجامعة تعرضت لأعمال تخريب واسعة خلال سنوات الصراع، ما أدى إلى تدمير أجزاء كبيرة من بنيتها التحتية ومرافقها التعليمية”، مضيفاً أن “من شاهد الجامعة عقب انتهاء الحرب كان يظن أن إعادة بنائها وإحياء دورها الأكاديمي أمر يكاد يكون مستحيلاً”.
لكن المشهد اليوم يختلف جذرياً، حيث تحولت ورش العمل والمباني الحديثة مكاناً للخراب، في وتيرة تطوير متسارعة تشمل إنشاء وتحديث القاعات الدراسية والمدرجات والمعامل والمرافق الخدمية، لتوفير بيئة تعليمية متكاملة.
تحديات استثنائية وإصرار على الاستمرارية
يكشف نقيب أعضاء هيئة التدريس في كلية الإعلام، الدكتور محمد المجبري، عن عمق التحديات التي واجهتها الجامعة، حيث اضطرت إدارتها إلى توزيع أكثر من ثلاثين كلية على عدد من المدارس في المدينة، بعضها لم يكن مهيأ لاستقبال هذا العدد الكبير من الطلاب، في وقت تجاوز عدد الدارسين في بعض المراحل ثلاثة آلاف طالب.
ويشير المجبري إلى أن “استمرار العملية التعليمية في تلك الظروف كان تحديًا كبيرًا، إلا أن أعضاء هيئة التدريس كانوا على قدر المسؤولية، واستطاعوا التكيف مع الواقع القائم ومواصلة أداء رسالتهم التعليمية رغم محدودية الإمكانيات”.
ويضيف أن المعاناة طالت الطلاب والموظفين على حد سواء، مع صعوبة الحصول على المراجع العلمية والكتب الأكاديمية في ظل تضرر المكتبات وغياب المصادر البحثية.
لكن هذه المرحلة القاسية، كما يصفها المجبري، مثلت محطة فارقة كشفت عن قدرة المؤسسة الأكاديمية على الصمود، معتبراً أن “إعادة إعمار المؤسسات التعليمية لا تقل أهمية عن إعادة إعمار المباني والمنشآت، لأن إعمار العقول وبناء الإنسان هو الأساس الحقيقي لأي نهضة وتنمية مستدامة”.
قفزة نوعية في البنية التحتية والأفق الأكاديمي
تشهد الجامعة اليوم نقلة نوعية بفضل المشاريع الضخمة التي يشرف عليها صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، والتي لم تقتصر على إعادة البناء، بل تجاوزتها إلى التطوير الشامل للبنية التحتية، بما في ذلك تحديث المعامل والقاعات الدراسية بأحدث المواصفات والتقنيات.
وتؤكد المصادر أن مشاريع الإعمار مستمرة بوتيرة متسارعة، مع متابعة ميدانية مكثفة لضمان جودة التنفيذ، في إطار خطة شاملة تهدف إلى تحويل الجامعة إلى صرح أكاديمي متطور. وتشير التطورات إلى أن جامعة بنغازي تمتلك اليوم المقومات التي تؤهلها لاستعادة مكانتها الريادية، وقادرة على منافسة الكثير من الجامعات المرموقة إقليمياً ودولياً.
مسؤولية الطلاب في مواكبة النهضة
في مشهد يعكس تحولاً في الأولويات، يطرح الطلاب أنفسهم أسئلة جديدة حول قدرتهم على مواكبة هذا التطور.
يعبر الطالب صالح الأوجلي عن هذا التحدي بقوله: “المرحلة المقبلة تمثل تحديًا حقيقياً أمام طلبة جامعة بنغازي… مسؤولية الطلاب أصبحت اليوم أكبر من أي وقت مضى، فالتطور الذي شهدته الجامعة يفرض على الطلبة بذل المزيد من الجهد والاجتهاد للاستفادة من الإمكانيات المتاحة، وتحقيق نتائج أكاديمية تواكب هذا التطور”.
ويؤكد الأوجلي أن “التحدي لم يعد متعلقاً بتوفير البيئة التعليمية فقط، بل بقدرة الطلبة على استثمار هذه البيئة الحديثة، وإثبات أنهم قادرون على الوصول إلى مستويات علمية وأكاديمية متقدمة تتناسب مع مكانة جامعة بنغازي وإمكاناتها الجديدة”.
استثمار وطني في مستقبل ليبيا
تمثل إعادة إعمار جامعة بنغازي أكثر من مجرد مشروع إنشائي، فهي استثمار وطني استراتيجي في التعليم العالي، يعكس التزام الدولة بدعم المؤسسات الأكاديمية الحيوية التي تشكل مستقبل الأجيال.
ومع اقتراب الانتهاء من المشاريع، تستعد الجامعة لدخول عصر جديد، حيث لم يعد التحدي مقتصراً على إعادة البناء، بل تجاوزه إلى استثمار هذه النهضة في إعداد كوادر مؤهلة قادرة على خدمة المجتمع والمشاركة في عملية البناء والتنمية المستدامة.



