ليبيا

الخبير أم الشارع؟.. انقسام بين النخب حول من يملك القرار الاقتصادي في ليبيا

عاصفة في نخب ليبيا.. من يحكم الاقتصاد: الخبير أم الشارع؟

ليبيا 24 – عبدالعزيز الزقم

في نقاش هو الأعمق من نوعه حول طبيعة الحكم الاقتصادي في ليبيا، فتح أستاذ الاقتصاد الدكتور عطية الفيتوري جبهة جديدة لم تكن متعلقة هذه المرة بآليات الدعم أو أرقام الموازنة، بل بسؤال أكثر جوهرية: من يملك الحق في اتخاذ القرار الاقتصادي؟

في منشور مقتضب بدا كبيان مبادئ، أكد الفيتوري أن “هناك قضايا اقتصادية تحتاج إلى رأي فني وليس رأي عامة الناس”، محذراً من أن “عامة الناس قد يطرحون حلولاً عاطفية نفعية تكون نتيجتها في النهاية كارثية على الاقتصاد والمجتمع”.

وما إن انتشر التصريح حتى تحول إلى ما يشبه كرة نار، تلقفها خصومه ومؤيدوه على السواء، في مشهد كشف أن الخلاف الليبي حول الدعم ليس سوى غيض من فيض صراع أعمق حول فلسفة الحكم الاقتصادي برمتها.

منشور الفيتوري: ما لا يفقهه العامة لا يقررونه

في منشوره الذي بدا وكأنه خلاصة تأملات رجل قضى عقوداً في دهاليز الاقتصاد الليبي، ذهب الفيتوري إلى أبعد من مجرد الدفاع عن خبرة التقنيين. قال الرجل إن “كل البلدان التي تقدمت اقتصادياً لا تعول على إشراك الرأي العام في اتخاذ القرارات الفنية الاقتصادية أو غير الاقتصادية”، وأرجع سبب جمود الاقتصاد الليبي إلى أن “متصدري المشهد” يخلطون بين ما هو فني بحت وما هو سياسي أو شعبي. وضرب مثلاً بالرسوم الجمركية، التي “تفرضها الحكومة ولا تعرض على البرلمان أو على عامة الناس لأنهم سيرفضونها، لكن القانون أعطى هذه الصلاحية للحكومة”.

وخلص إلى تحذير قاتم: “إلى أن ينتهي النفط، والنتيجة ترجع ليبيا كما كانت في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي”، مستحضراً شبح العودة إلى زمن ما قبل النفط، حين كانت ليبيا تعتمد على مساعدات دولية وعائدات زراعية هزيلة.

وسارع وزير الاقتصاد والصناعة الأسبق منير علي عصر إلى تأييد الفيتوري، مضيفاً أن عامة الناس “لا يعرفون الكفاءة الإنتاجية ولا يعرفون التوظيف الأمثل ولا يعرفون تكلفة الفرصة البديلة ولا يميزون بين الربح المحاسبي والربح الاقتصادي ولا يعرفون إدارة الوقت ولا الميزة النسبية”.

وفي هذا التأييد، بدا عصر وكأنه يرسم خطاً فاصلاً بين “أهل الاختصاص” الذين يفهمون هذه المصطلحات، و”عامة الناس” الذين قد يقودهم جهلهم بها إلى تأييد سياسات مدمرة.

امراجع غيث يفتح نافذة الديمقراطية: بين المبدأ والقرار

لكن الرد الأكثر إثارة للاهتمام جاء من الخبير الاقتصادي وعضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي سابقاً، أمراجع غيث، الذي قدم تمييزاً مهماً بين “اتخاذ القرار” و”نقاش المبدأ نفسه”.

قال غيث إن “الجمهور العام لا يناقش القرارات وكيف تكون، يناقش المبدأ والحكومات تستنير برأي الجمهور لأنهم هم أصحاب المصلحة”. وضرب مثلاً بالرسوم الجمركية التي استشهد بها الفيتوري، قائلاً: “لماذا تفرض الضرائب والجمارك، أليس للإنفاق منها على تسيير الدولة والمشروعات؟ هذه في مصلحة الجمهور”.

واستحضر غيث تجربة “قاعة البلدية” في الدول الديمقراطية، حيث “تناقش فيها كافة الأمور”. وقدم تمييزاً دقيقاً: “لا أحد يقول يجب أن يعرض على الجمهور كم يجب أن يكون سعر الصرف، ولكن من حق الجمهور أن يعارض تخفيض سعر الصرف أو زيادته لأنه يمسه”.

وأضاف: “حتى بوجود البرلمان، من حقه أن يناقش المبدأ العام، وإلا لماذا وجدت الأحزاب والمنابر ولماذا تعقد المؤتمرات والندوات والتجمعات؟”. بهذا الرد، لم يرفض غيث مبدأ “فنية القرار” الذي نادى به الفيتوري، لكنه نقل النقاش إلى ساحة أوسع: هل تفصل القرارات الفنية عن النقاش العام حول مبادئها؟

الفيتوري يرد: مصالح الناس متعارضة والقرار يجب أن يكون محايداً

في رده على غيث، مضى الفيتوري خطوة إضافية في شرح فلسفته. قال إن “السياسات العامة صحيح تعرض على البرلمان، والبرلمان له الحق بموجب الدستور أو القانون استدعاء أي وزير لشرح أو لتبرير أي إجراء قام به”. لكنه شدد على أن “القضايا المهمة لا تعرض للنقاش العام، بل أن عامة الناس يعرفونها بعد صدورها”. وقدم أمثلة محددة: تغيير سعر صرف العملة الوطنية واختيار نظام الصرف الأجنبي، وهي “بموجب القانون حكر على المصرف المركزي”. وكذلك تغيير الرسوم الجمركية “من اختصاص وزارة المالية بعد موافقة مجلس الوزراء، ولا تعرض على الرأي العام”.

ثم كشف الفيتوري عن المنطق العميق لموقفه، وهو أن “الجمهور له مصالح متعارضة بين أعضائه، فيه العامل والتاجر والمحتكر والمهرب والمسكين والفقير والموظف… مصالحهم الشخصية متعارضة”. وبالتالي، “القرار يجب أن يكون محايداً هدفه رفع مستوى حياة الناس جميعاً، حتى ولو كان على حساب فئة قليلة من الناس لاستفادة فئة كبيرة”.

وهنا، بدا الفيتوري وكأنه يقول إن الديمقراطية المباشرة في القضايا الفنية قد تكون أداة لتغليب المصالح الفئوية على المصلحة العامة، وأن الخبير المحايد هو الضمانة الوحيدة لتحقيق “الخير العام”.

حسني بي يتحدى بالأرقام: اعترف بفشل الدعم السعري

في خضم هذا النقاش الفلسفي، دخل رجل الأعمال حسني بي على الخط، لكنه لم ينشغل بسؤال “من يقرر”، بل عاد إلى سؤال “ماذا نقرر”.

وفي تحد مباشر للفيتوري، كتب بي: “أتمنى منكم أن تعترف بأن سياسات الدعم السعري ثبت فشلها بكل العالم، وأن الدعم السعري أسوأ أنواع الدعم، ومصدر الفساد الأول بالعالم. وأن أغلب دول العالم تحولت إلى الدعم النقدي للمواطن، إلا ليبيا التي تنفق 40% من إنفاقها العام في دعم سعري للمحروقات. إنه جنون اقتصادي. اعترف أرجوك”.

ثم عاد بي إلى لغته المفضلة، لغة الأرقام والنماذج، متحدياً الفيتوري بأن يقدم محاكاة رقمية بديلة. قال: “إذا كان تقدير التضخم عندي بين 1.8% و3.5% غير صحيح، فما هو تقديركم؟ وإذا كان الوفر المتوقع في استيراد المحروقات غير واقعي، فما هو الرقم البديل؟”.

وأضاف بعبارة تكاد تكون برنامجاً منهجياً: “الخلاف الحقيقي ليس بين الأرقام وعدم الأرقام، بل بين أرقام وأرقام أخرى، وبين افتراضات وافتراضات أخرى. وأرحب بأي محاكاة بديلة أو نموذج مختلف يثبت أن نتائجي متفائلة أو غير دقيقة”.

ثم طرح بي مجموعة من الأسئلة المباشرة التي اختصرت رؤيته للإصلاح: “ما رأيك في دعم المحروقات وما هي الحلول لتحقيق الآتي: تقليص التكلفة من 40% من الإنفاق العام أو 100 مليار الآن إلى 60 ملياراً بعد الاستبدال؟
منح المواطن حقوقه نقداً 60 مليار بدلاً مما تكلفه المحروقات والطاقة الآن 100 مليار؟ ترشيد الاستهلاك وانخفاض الاستيراد من الخارج 6 مليار دولار؟ انخفاض الاستيراد وتوفير 6 مليار دولار يرفع من ميزان المدفوعات والاحتياطيات بالدولار؟ المهرب إن وجد يدفع كامل القيمة مما يقوم بتهريبه، أو قيمة ما كان يتسبب من انكماش اقتصادي يتحول إلى نمو اقتصادي؟”.

ورد الفيتوري على بي باقتضاب: “غير صحيح. حل مشكلة الدعم ليست بهذه الأرقام لأن هناك آثاراً أخرى غير محسوبة نتيجة لتغيير الدعم”. لكنه لم يحدد هذه الآثار، مكتفياً برفض المنهجية برمتها.

ليعود بي ويطالبه مجدداً: “حضرتك دكتور اقتصاد. ما هي الأخطاء بما أوردت حتى أتقدم لك بالمصدر والدليل؟ وما قيمة الأضرار التي حضرتك تدعي أنها لم تحسب حتى نقارن الفوائد بالمصالح للغرض؟ المقارنة يجب أن تكون بين المعدلات الرقمية. الأرقام وصافي المنافع والخسائر هي محددات الخيارات”.

عماد أبو خزام يستحضر التاريخ: حين كان الدولار بدينار وعشرين قرشاً

في واحدة من أكثر المداخلات تأثيراً في هذا الفصل من النقاش، كتب الباحث في الاقتصاد السياسي الدكتور عماد أبو خزام رسالة إلى الفيتوري، بدت في ظاهرها تأييداً لموقفه من “ضرورة الخبرة”، لكنها في العمق كانت تذكيراً موجعاً بفارق ما كانت عليه ليبيا حين كان الخبراء الحقيقيون يديرونها.

استهل أبو خزام رسالته بعبارة: “حين كان لدى ليبيا قادة حقيقيين للمؤسسات الاقتصادية والسياسية، حين كان الدكتور عطية الفيتوري أميناً للاقتصاد، وقتها كان الدولار الأمريكي يساوي فقط ديناراً وعشرين قرشاً. رغم هبوط أسعار النفط إبان الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008 قرابة 40 دولاراً للبرميل”.

ثم انتقل أبو خزام إلى رسم صورة قاتمة للواقع الراهن: “الدولار الذي كان يعادل ديناراً وعشرين قرشاً فقط، أصبح اليوم يتداول عند 6.36 دينار بالسعر الرسمي، وحوالي 8.36 دينار في السوق الموازية، وذلك رغم الارتفاع التاريخي والاستثنائي في أسعار النفط”.

وذكّر بأن “الذين روّجوا بالأمس لفكرة أن تخفيض قيمة الدينار أمام الدولار سيرفع القوة الشرائية للمواطن ويحسن أوضاعه المعيشية، هم أنفسهم الذين يقودون اليوم العديد من المؤسسات الاقتصادية والسياسية في البلاد”. وأضاف: “قيل لليبيين إن الانتقال من سعر صرف 1.20 دينار للدولار إلى 4.48 دينار للدولار سيحقق مكاسب اقتصادية ويعزز قيمة الدينار الحقيقية، لكن الواقع الذي يعيشه المواطن اليوم يروي قصة مختلفة تماماً”.

وختم أبو خزام كلمته بتحية للفيتوري اختصرت جوهر النقاش كله: “إن القادة والخبراء الحقيقيين ليسوا أولئك الذين يبيعون الأحلام للناس أو يجاملون الرأي العام، بل أولئك الذين يمتلكون الشجاعة لقول الحقيقة وسط العواصف والأزمات. فهم من تلتف حولهم الشعوب في أوقات المحن… ولهذا يخلّد التاريخ أسماء من أسهموا فعلياً في بناء أوطانهم”.

ما بين التكنوقراط والديمقراطية: أسئلة معلقة

في المحصلة، كشفت هذه الجولة من النقاش عن شرخ أعمق بكثير من الخلاف حول الدعم. إنه شرخ حول طبيعة الدولة الليبية المنشودة: هل تكون دولة تكنوقراطية يديرها خبراء مستنيرون يتخذون القرارات الفنية بعيداً عن “عواطف العامة”، أم دولة ديمقراطية تشاركية يكون فيها “نقاش المبدأ” حقاً للجميع، كما قال أمراجع غيث؟

وهل يمكن الفصل بين “المبدأ” و”القرار” بهذه السهولة التي يقترحها غيث، أم أن هذا الفصل نفسه وهم، لأن المبادئ الكبرى هي التي تحدد نطاق الخيارات الفنية أصلاً، كما يؤكد الفيتوري؟

ثمة سؤال آخر يطرحه تدخل أبو خزام، ويكاد يكون الأكثر إيلاماً: إن كان الفيتوري محقاً في أن الخبراء وحدهم هم من يديرون الاقتصاد، فهل أنقذ الخبراء الذين جاؤوا بعده ليبيا من الانهيار؟

أم أن المشكلة ليست في “فنية القرار” بحد ذاتها، بل في أن “الخبراء” أنفسهم صاروا جزءاً من منظومة سياسية واقتصادية تنتج الكارثة ذاتها التي يحذرون منها؟ وبين من يرى في الفيتوري “صوت الحكمة” الذي حافظ على استقرار الدينار حين كان النفط بأربعين دولاراً، ومن يراه “صوت الجمود” الذي يرفض التغيير في زمن النزيف، يقف المواطن الليبي حائراً، لا يهمه إن كان القرار “فنياً” أو “شعبياً”، بقدر ما يهمه أن يعود الزمن الذي كان فيه الدولار بدينار وعشرين قرشاً، وأن يرى ثروة بلاده تنعكس على حياته، لا أن تتبخر في متاهات النقاش الفيسبوكي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى