ليبيا

أزمة المخابرات تعيد إشعال الصراع بين مجلس النواب والمجلس الرئاسي

عقيلة صالح يحذر من محاولات فرض قيادة المخابرات خارج الأطر الدستورية

ليبيا 24

مجلس النواب يرفض تغيير المخابرات ويؤكد اختصاصه القانوني الحصري

في تطور يعيد إلى الواجهة حالة الانقسام المؤسسي الذي تعانيه ليبيا منذ سنوات، أصدر خمسون عضواً من مجلس النواب بياناً حازماً يتعلق بملف حساس يمس الأمن الوطني الليبي، يتمثل في عملية تسمية رئيس جهاز المخابرات العامة.

وجاء البيان ليؤكد تمسك المجلس باختصاصاته الدستورية والقانونية في هذا الشأن، في خطوة واضحة للتصدي لأي محاولات من المجلس الرئاسي لفرض تغييرات أحادية في قيادة هذا الجهاز السيادي، وسط مشهد سياسي يعج بالتجاذبات والصراعات على النفوذ والصلاحيات.

اختصاص أصيل ومرجعية قانونية

استند النواب في بيانهم إلى أحكام القانون رقم (8) لسنة 2023 بشأن إعادة تنظيم جهاز المخابرات، والذي يعتبر تسمية رئيس الجهاز اختصاصاً أصيلاً لمجلس النواب لا يمكن تجاوزه أو التنازل عنه.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل ذهب البيان إلى التأكيد على أن رئاسة الجهاز تُعد من المناصب السيادية وفق المادة (15) من الاتفاق السياسي، بحكم المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، وهو ما يفرض توسيع دائرة التوافق والشراكة بين مؤسسات الدولة المختلفة لضمان شرعية أي قرار في هذا الشأن.

هذا التمسك بالمرجعيات القانونية يأتي في وقت تحاول فيه أطراف نافذة، وفي مقدمتها المجلس الرئاسي، فرض أمر واقع جديد، عبر محاولة الاستئثار بقرار تعيين رئيس المخابرات، متجاهلة الأطر الدستورية والقانونية التي تنظم هذه العملية الحساسة.

تناقضات الاتفاقيات وشرط عدم الاعتراض

في إشارة إلى التعقيد الذي يكتنف المشهد القانوني، أقر النواب بوجود نصوص في اتفاق جنيف تنقل اختصاص تسمية رئيس الجهاز إلى المجلس الرئاسي مجتمعاً، غير أنها تضع شرطاً أساسياً وجوهرياً يتمثل في عدم اعتراض مجلس النواب على هذا التسمية.

وهذا الشرط، كما يراه المراقبون، يحول دون قدرة المجلس الرئاسي على اتخاذ أي قرار منفرد، ويجعل من موافقة البرلمان عنصراً حاسماً لا غنى عنه لأي تغيير في قيادة المخابرات.

ومن هذا المنطلق، طالب النواب المجلس الرئاسي بالامتناع الفوري عن إجراء أي تغيير في رئاسة جهاز المخابرات، إلى حين استكمال توحيد مؤسسات الدولة وقيام سلطة تنفيذية موحدة وفق الأطر الدستورية والسياسية المنظمة.

ويعد هذا المطلب تجسيداً لرؤية أوسع ترى أن أي خطوة في هذا الملف يجب أن تكون جزءاً من حل شامل للأزمة الليبية، وليس مجرد ترتيب جزئي يخدم أجندة طرف على حساب آخر.

عقيلة صالح يشدد على الإرادة الوطنية الجامعة

وفي سياق متصل، كان رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح قد وجه خطاباً إلى رؤساء ومديري أجهزة المخابرات في الدول الصديقة والشقيقة، أوضح خلاله الموقف القانوني لمجلس النواب بشكل قاطع.

وأكد صالح أن تعيين أو إعفاء رئيس جهاز المخابرات الليبية لا يكون نافذاً إلا بعد عرضه على مجلس النواب واعتماده في جلسة رسمية مكتملة النصاب، بحضور ما لا يقل عن مائة وعشرين نائباً.

وجاء في خطاب المستشار صالح أن هذا الشرط الصارم يهدف إلى ضمان أن القرارات المتعلقة بالمناصب السيادية والأمنية العليا تصدر عن إرادة وطنية جامعة، بعيداً عن المصالح الضيقة أو الترتيبات الفردية التي تسعى بعض الأطراف إلى تمريرها.

وهو تصريح يعكس القلق المتنامي داخل أروقة البرلمان من محاولات الالتفاف على الإرادة الشعبية ممثلة في ممثليها المنتخبين.

حماية المؤسسة من التجاذبات السياسية

لم تقتصر رؤية عقيلة صالح على الجانب الإجرائي فحسب، بل تطرقت إلى الأبعاد الأمنية والقانونية الأعمق لهذه القضية.

فأشار إلى أن التعديلات القانونية التي أدخلت على عمل الجهاز شملت ضمانات تتعلق بإجراءات المساءلة والتحقيق، بهدف حماية المؤسسة من الضغوط والتجاذبات السياسية، وضمان استقلاليتها بعيداً عن الصراعات التي تعصف بالمشهد السياسي.

وهذه الضمانات، كما يصفها المراقبون، تأتي في وقت بالغ الحساسية، إذ كشف صالح عن أن جهاز المخابرات واجه خلال الفترة الماضية تحديات أمنية خطيرة، شملت اعتداءات مسلحة على بعض مقاره، ومحاولات متكررة من تشكيلات مسلحة لفرض أمر واقع داخل المؤسسة، أو التأثير على قيادتها خارج الأطر القانونية المعتمدة.

وهذه الوقائع، بحسب صالح، تضع الجهاز في موقع حرج وتجعله عرضة للاختراق والتفكك إذا لم يتم التعامل مع ملف قيادته بشفافية ووفق القانون.

محاولات للحصول على غطاء سياسي

وفي كشف يثير الكثير من التساؤلات، أكد المستشار صالح رصد محاولات من بعض الجهات التنفيذية للحصول على غطاء أو تزكية لفرض تغييرات أو ترتيبات داخل الجهاز، بما يخالف أحكام القانون النافذ بشكل صريح.

ويشير هذا التصريح إلى وجود تحركات خلف الكواليس تسعى إلى شرعنة إجراءات غير قانونية، من خلال استغلال المناصب التنفيذية لمنح شرعية وهمية لقرارات تفتقد إلى الإجماع الوطني.

وختم صالح موقفه بتأكيد رفض مجلس النواب القاطع لأي محاولات لفرض تغييرات داخل جهاز المخابرات بالمخالفة للقانون، مشدداً على أن القيادة الشرعية للجهاز تستمد مشروعيتها فقط من التشريعات النافذة والإجراءات الدستورية المقررة.

قراءة في المشهد

يمثل هذا التصعيد البرلماني في ملف المخابرات مؤشراً خطيراً على عمق الأزمة السياسية في ليبيا، حيث تتصارع المؤسسات على الصلاحيات في غياب دستور دائم وحكومة موحدة.

ويبدو أن مجلس النواب، بقيادة عقيلة صالح، قد اتخذ موقفاً حازماً لن يتراجع عنه، معتبراً أن ملف المخابرات خط أحمر لا يمكن تجاوزه، في حين أن المجلس الرئاسي، الذي يرى نفسه صاحب الصلاحية في التعيين، قد يجد نفسه أمام خيارات صعبة بين التصعيد أو التراجع.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل ستكون هذه الأزمة مجرد حلقة جديدة في مسلسل الصراع على السلطة، أم أنها قد تشكل نقطة تحول نحو إعادة تعريف العلاقة بين المؤسسات الليبية على أسس قانونية ودستورية واضحة؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن ملف المخابرات سيبقى واحداً من أكثر الملفات سخونة في المشهد السياسي الليبي، في ظل غياب أي بوادر لحل شامل للأزمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى