غرب ليبيا رهين اتفاق أو اختلاف التشكيلات المسلحة
هدوء هش في الزاوية يعيد غرب ليبيا إلى معادلة نفوذ التشكيلات المسلحة

أعاد الهدوء النسبي الذي شهدته مدينة الزاوية، عقب سلسلة اجتماعات جمعت مسؤولين بحكومة الوحدة منتهية الولاية وقادة تشكيلات مسلحة، طرح سؤال أوسع بشأن طبيعة الاستقرار في غرب ليبيا، وما إذا كان قائماً على سلطة الدولة أم على تفاهمات مؤقتة بين القوى المسلحة ومراكز النفوذ.
فالاجتماع الذي جمع إبراهيم الدبيبة، مستشار الأمن القومي بحكومة الدبيبة، بمحمد بحرون، المعروف بـالفأر، آمر كتيبة الإسناد الأولى ورئيس جهاز مكافحة التهديدات الأمنية، إلى جانب السفير الليبي سفيان الشيباني، أسهم في احتواء التصعيد بمدينة الزاوية، لكنه في الوقت نفسه عكس حجم الدور الذي باتت تؤديه التشكيلات المسلحة في صناعة القرار الأمني على الأرض.
الزاوية.. هدوء بلا معالجة لجذور الأزمة
جاءت هذه التفاهمات بعد أيام من اشتباكات دامية امتدت تداعياتها إلى مصفاة الزاوية، إحدى المنشآت الحيوية في قطاع النفط، وتسببت في سقوط قتلى وجرحى، فيما تعرضت خزانات الوقود لهجمات بطائرات مسيّرة أدت إلى اندلاع حرائق وأضرار بالمنشأة.
وتكشف هذه التطورات عن تحول نوعي في طبيعة الصراع، إذ لم تعد المواجهات مقتصرة على الأسلحة التقليدية، بل دخلت الطائرات المسيّرة إلى المشهد، بما يعكس تنامي القدرات العسكرية للتشكيلات المسلحة وخطورة انتقال تنافسها على النفوذ إلى استهداف منشآت استراتيجية.
من تشكيلات مسلحة إلى شركاء في النفوذ
لم تعد التشكيلات المسلحة في غرب ليبيا مجرد مجموعات تستدعى عند اندلاع القتال، بل أصبحت جزءاً من معادلة السلطة نفسها، تمتلك نفوذاً أمنياً ومصالح اقتصادية وقدرات عسكرية متطورة.
وتبرز حالة محمد بحرون مثالاً واضحاً على هذا التداخل؛ فالقوة التي يقودها تتبع مديرية أمن الزاوية التابعة لوزارة الداخلية بحكومة الدبيبة، بينما يحظى هو في الوقت ذاته بنفوذ ميداني وعلاقات سياسية تجعله أحد اللاعبين المؤثرين في المشهد الأمني بالمنطقة الغربية.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: الحكومة التي تعلن مراراً عزمها على إنهاء نفوذ التشكيلات المسلحة، تجد نفسها مضطرة إلى التفاوض معها واحتواء خلافاتها لتجنب اندلاع مواجهات جديدة.
اجتماعات متعددة.. ومراكز نفوذ متشابكة
لم يتوقف الحراك عند اجتماع الدبيبة وبحرون، إذ أعقبه لقاء في منزل معمر الضاوي، آمر الكتيبة 55 مشاة في ورشفانة، بحضور بحرون ورئيس جهاز الأمن العام عبد الله الطرابلسي.
ورغم تقديم هذه اللقاءات باعتبارها جهوداً للتنسيق وحفظ الأمن، فإن تكرارها يعكس واقعاً أمنياً تتوزع فيه مراكز القوة بين الحكومة والتشكيلات المسلحة، بما يجعل استقرار المدن الغربية مرتبطاً بدرجة كبيرة بمستوى التوافق بين قادتها.
المصفاة في قلب معادلة الخطر
تكتسب أحداث الزاوية بعداً يتجاوز الصراع المحلي، نظراً لموقع المدينة وأهميتها النفطية. وتبلغ الطاقة التكريرية لمصفاة الزاوية نحو 120 ألف برميل يومياً، فيما ترتبط بحقل الشرارة النفطي الذي يبلغ إنتاجه نحو 300 ألف برميل يومياً.
وبالتالي، فإن استمرار الصدامات المسلحة قرب المنشآت النفطية لا يمثل تهديداً أمنياً فحسب، بل يضع قطاع الطاقة والإمدادات المحلية أمام مخاطر مباشرة، ويزيد من كلفة غياب ترتيبات أمنية مؤسسية ومستدامة.
هدنة قابلة للانهيار
تاريخ الزاوية مع الاشتباكات يؤكد أن التهدئة غالباً ما تأتي في صورة تسوية مؤقتة، قبل أن تعود المواجهات عند تغير موازين النفوذ أو تصاعد الخلافات بين التشكيلات.
المشكلة في أصل المعادلة
تكمن المعضلة في أن معالجة الاقتتال لا تزال تدور في كثير من الأحيان حول احتواء الخلاف بين القوى المسلحة، بدلاً من معالجة وجود السلاح خارج إطار المؤسسات العسكرية والأمنية.
ورغم إعلان عبد الحميد الدبيبة سابقاً أن زمن الميليشيات انتهى، فإن الواقع الميداني يقدم صورة أكثر تعقيداً؛ فالتشكيلات التي يفترض أن تكون هدفاً لعملية تفكيك وإعادة دمج، أصبحت في بعض الحالات طرفاً في ترتيبات حفظ الأمن نفسها.
وبذلك، تبدو الزاوية أمام هدوء مؤقت أكثر من كونها أمام حل مستدام، بينما يبقى غرب ليبيا رهيناً لمعادلة دقيقة: اتفاق التشكيلات المسلحة يعني الهدوء، واختلافها قد يعني عودة الاقتتال.
وما لم تنتقل الدولة من إدارة هذه التوازنات إلى فرض منظومة أمنية موحدة، فإن كل تهدئة ستظل قابلة للانهيار، وستبقى المدن والمنشآت الحيوية في المنطقة الغربية معرضة لتقلبات مراكز النفوذ المسلح.



